رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 6 ديسمبر، 2010 0 تعليق

الفاتيكان وحلوله لقضية القدس(2-3)

تطور موقف الفاتيكان من قضية القدس عبر الفواصل الزمنية, والمراحل التاريخية, من سياسة تقوم على التشدد والاستعلاء إلى سياسة تدعو إلى الانفتاح والحوار بين الأديان, والتعاطي على أساس الرعاية المسكونية(1). والغرض من كل ذلك هو إنقاذ «المصالح المسيحية, والوجود المسيحي في الأرض المقدسة(2).

فبعد أن كانت سياسة الكنيسة الكاثوليكية لقرون ماضية ترتكز على قاعدة أساسية, وهي عدم جعل القدس عاصمة لدولة يهودية حتى قيام الساعة استناداً إلى ما ورد في إنجيل لوقا(3). ومع مجيء البابا يوحنا بولس الثاني, تم تذليل الكثير من المعوقات المانعة من تحقيق هذا الاعتراف. غير أن الظروف الدولية وإصرار إسرائيل على مواقفها من القدس والأماكن المقدسة بشكل خاص أخرا الجهود المبذولة على هذا الصعيد.

أما موقف البابا الشخصي فقد كان صريحاً لجهة الاعتراف بدولة إسرائيل وهو الذي قال في رسالة «رسولية» بتاريخ 20/4/1984م: «لأجل الشعب اليهودي الذي يعيش في إسرائيل, ويحتفظ في هذه المنطقة بعلامات غالية جداً من تاريخه وإيمانه, أطلب في صلاتي الأمن والطمأنينة العادلة التي ينشدها ويسعى إليها كل بلد(4). وفي تصريح آخر له يقول: «الشعب اليهودي الذي يعيش في دولة إسرائيل يحق له كأي شعب أن يتمتع بالأمان المرغوب والاستقرار العادل(5).

صلاة بالطريقة اليهودية:

وزاد التقارب ازدياداً لا فتاً حينما زار (بنديكتوس السادس عشر) القدس في 12/5/2009م  ، وصلى أمام حائط البراق في شرقي القدس ووقف خاشعاً لدقائق ووضع رسالة في أحد شقوق الجدار، عملاً بالتقاليد اليهودية.وأكد بنديكتوس السادس عشر في كلمته هناك أن التزام الكنيسة الكاثوليكية بالمصالحة مع اليهود «لا رجوع عنه». وأضاف «إن الكنيسة تواصل تثمين التراث المشترك للمسيحيين واليهود وترغب في تفاهم متبادل واحترام يتم ترسيخه من خلال دراسات الكتاب المقدس والدراسات اللاهوتية من خلال الحوارات الأخوية(6).

وهذا ما دفع الشيخ (محمد حسين) مفتي القدس والديار الفلسطينية إلى توجيه خطاب لبنديكتوس السادس عشر وحثه فيه إلى «أداء دور فاعل لوقف «العدوان الصهيوني» على الفلسطينيين، وقال: «إننا في هذه البلاد التي غاب عنها الأمن والسلام جراء الاحتلال الإسرائيلي نصبو إلى يوم الحرية ونهاية الاحتلال وحصول شعبنا على حقوقه المشروعة ومنها إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس وحق عودة اللاجئين إلى مدنهم وقراهم التي هجروا منها(7).

واستغلالا للموقف وزعت سلطات الاحتلال الصهيوني بيانات إرشادية للأماكن التي سيزورها بابا الفاتيكان، وذكرت أنه سيزور «هيكل سليمان» في إشارة إلى المسجد الأقصى المبارك، وهي المرة الأولى التي توزع فيها سلطات الاحتلال وبلديتها في مدينة القدس المحتلة بيانات إرشادية تُشير فيها بصراحة لهذه التسمية بدلاً من تسمية المسجد الأقصى»8».

الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية ودورها في تهويد القدس!!

تكرر الإعلان عن شراء تجار يهود لأراضٍ من الكنيسة الأرثوذكسية في القدس»9»، والتي يديرها البطريرك والأساقفة اليونانيون وتسيطر على عقارات هائلة تشمل آلاف الدونمات في فلسطين - لاسيما في القدس- والأردن، ومئات الكنائس والأديرة والمباني والمؤسسات التعليمية والمصانع والورش والمساكن، كما تملك شوارع بأكملها بمحلاتها التجارية وساحاتها، فضلاً عن العقارات الأخرى غير المنقولة.

 وقد تمكنت سلطات الكيان اليهودي عن طريق البطريرك السابق -ديو درووس- المتواطئ معها، من السيطرة على مساحات واسعة جداً من أراضي الكنيسة الأرثوذكسية في القدس، وهو ما أثار في حينه سخط الأوساط الإسلامية والنصرانية في فلسطين والأردن، غير أن -ديو درووس- لم يعبأ بكل تلك الاحتجاجات وواصل سياسة بيع الأراضي لسلطات الاحتلال.

فتم بيع 70 دونماً لليهود على جبل أبو غنيم تعود ملكيتها للكنيسة الأرثوذكسية مقابل مبلغ 150 ألف دولار أمريكي فقط!! وتلك الصفقة هي واحدة من مجموعة صفقات قام بها البطريرك اليوناني وتم بموجبها بيع الآلاف من الدونمات النفيسة من أراضي القدس وغيرها، أسهمت بتنفيذ الحزام الاستيطاني حول مدينة القدس. وتم بيع مأوى باسم القديسة (جوانا) في الحي النصراني المجاور في شرقي القدس، ويعتقد بأن بطريرك الكنيسة اليوناني السابق -ديو دوروس- قد حصل على مبلغ ثلاثة ملايين ونصف المليون من الدولارات الأمريكية مقابل بيع هذه الممتلكات -لعتريت كوهانيم-. كما تم بيع 750 دونماً آخر تقع حول كنيسة القديس أيليا في جنوب القدس لليهود، هذا بالإضافة لفضيحة أخرى نقلتها الصحافة تتحدث عن بيع المقبرة المسيحية الأرثوذكسية في يافا بني على أنقاضها 250 منزلاً للمهاجرين من اليهود السوفيت.

 وكان جواب -ديو دوروس- الأول في صحيفة عبرية واضحاً رداً لاتهامه بالتفريط والخيانة حيث قال: متى جاء العرب إلى هنا؟ اليونانيون هنا منذ أكثر من 2000 سنة، ولقد وصل العرب فقط خلال القرن السابع(10). هذه هي كنيستنا، كنيسة اليونانيين، إذا كانوا لا يقبلون قوانيننا فليس لديهم بديل سوى اختيار كنيسة أخرى أو أن يؤسسوا كنيسة لهم(11).

وبعد كل هذا أتت صاعقة جديدة كشفتها صحيفة (معاريف) حول صفقة تم خلالها شراء شارع بأكمله من قبل ممولين يهود في الجزء الشرقي من مدينة القدس المحتلة، والذي يقع في ميدان عمر بن الخطاب وفيه العديد من المطاعم والفنادق القديمة والأثرية. وقد بيعت هذه المنطقة في القدس القديمة مؤخراً بصورة سرية ومن دون علم أحد من الفلسطينيين ولا حتى المسؤولين في إدارات الفنادق لتصب في أيد يهودية»12».

وتشمل المنطقة التي تم بيعها لليهود مقابل ملايين من الدولارات معظم المباني القائمة في الطريق الممتدة بين الكنيسة الأورثوذكسية اليونانية عند باب الخليل وحتى السوق العربي، وتقدر بـ10 دونمات من أراضي شرقي القدس - تقاس من قبل اليهود بالسنتيمتر - وتوفر لليهود ممراً آمناً مما ما أسموه الحي اليهودي وصولا إلى حائط البراق - الذي أسموه حائط المبكى. وأوضح الممولون اليهود أن الغاية الأساسية من تلك الصفقه تكمن في -إنقاذ أراضي القدس- لصالح اليهود !!

وهذا البيع وتلك الصفقات المشبوهة أثارت نصارى فلسطين والأردن، فالبيان الختامي لمؤتمر السلط الأرثوذكسي الذي عقد في مدينة السلط الأردنية في مقر جمعية مار جريس الارثوذكسية العربية بتاريخ 16/4/2010 م بمشاركة نحو 500 شخص من الأردن وفلسطين ، كان واضحاً جريئاً رافضاً لممارسات الكنيسة في القدس جاء فيه:

«إن مؤتمر السلط الأرثوذكسيّ جاء ليؤكد أن قضيتنا الأرثوذكسية ليست قضية مطالب وحسب ولكنها قضية وطنية وعربية بامتياز وهي أيضا قضية تمييز عنصري لها أبعاد سياسية واضحة ومستمرة منذ خمسة قرون»(13). إنّ الأبناء العرب الأرثوذكس في السلط وكل أرجاء الأردنّ يرفضون ما تقوم به إدارة الكنيسة في القدس التي تعقد صفقات بيع وتأجير لممتلكات الكنيسة ومقدساتها وآخرها صفقة أرض (مار الياس) , التي أصرّ البطريرك (ثيوفيلوس) على المضي بها, رغم كل محاولات أبناء الطائفة العرب الأرثوذكس وقفها, هذه الصفقة ستحيط القدس بمستوطنات وتفصل القدس عن باقي أجزاء فلسطين كما ستسهم إسهاماً كبيراً في تهويد مدينه القدس الشريف».

وأضاف البيان: «إن عقد صفقات البيع والتأجير مع شركات استيطان صهيونيّة ليس التصرف المرفوض الوحيد من قبل أبناء الكنيسة المقدسيّة في الأردنّ وفلسطين، لذا فإنّنا وبصفتنا أبناء هذه الكنيسة والحريصون على أن تبقى الكنيسة الأرثوذكسية المقدسية أمّ الكنائس راعيّة لأبنائها، محافظة على مقدساتهم وأملاكهم، محققة مطالبهم وكلها مطالب حق وعدل»(14).

لا شك أن عملية البيع تأتي في إطار مشروع تهويد المدينة القديمة، والتأثير على مفاوضات الوضع النهائي حول مستقبل المدينة، بالإضافة لممارسات اليهود اليومية في مواصلة الاستيطان وبناء الجدار الفاصل في محيط شرقي القدس المحتلة لعزلها عن محيطها الفلسطيني، والاستيلاء على أراضي أهل القدس وممتلكاتهم بالنصب والاحتيال.

 

1 الهوامش:

- البابوية والشرق الأوسط, ص98.

2- المصدر نفسه, ص77.

3- جاء في إنجيل لوقا, 21/24, قول السيد المسيح: «ويسقطون بحد السيف, ويسبون إلى جميع الأمم, وتدوس الأمم أورشليم إلى أن تتم أزمنة الأمم» الكتاب المقدس العهد الجديد, 161.

4- القدس في الوثائق الفاتيكانية, ص 174.

5- الحياة, 6/4/1990.

6- موقع العربية نت www.alarabiya.net

7- موقع العربية نت www.alarabiya.net

8- نسيج الإخبارية، الاثنين 11 مايو 2009 م ، خبر بعنوان: إطلاق تسمية «هيكل سليمان» على المسجد الأقصى في نشرات إسرائيلية وزعت بمناسبة زيارة البابا « .

9- تمتلك الكنيسة - بحسب سجلاتها الرسمية - نحو 18% من مساحة غربي القدس و17% من شرقي القدس ونحو 3% من مساحة مدن اللد والرملة ويافا وحيفا، وتشمل مساحات من الأراضي والأديرة موجود أغلبها في مناطق مهمة وذات قيمة مادية واستراتيجية كبيرة.

10- نسأل أمثال هؤلاء: أليس الثابت تأريخاً وجود القبائل العربية من الكنعانيين في فلسطين قبل ظهور اليهود والنصارى بآلاف السنوات؟ ولم ينقطع وجود العرب واستمرارهم في فلسطين إلى يومنا الحالي، فالعرب عاشوا في فلسطين قبل مجيء اليهود والنصارى إليها، وفي أثناء وجودهم فيها، ألم يستقر فيها العرب أكثر مما استقر فيها اليهود والنصارى؟! ألم يتمكن فيها الإسلام أكثر مما تمكنت اليهودية والنصرانية؟! ألم يغلب عليها القرآن أكثر مما غلبت التوراة والإنجيل التي حرفتها أيديهم؟! ألم تَسُدْ فيها العربية أكثر مما سادت العبرية؟! وهل دافع عن هذه الأرض المباركة العرب أم اليهود والنصارى؟!!

11- صحيفة هارتس العبرية في 2 /9/ 1992م، لقاء مع -ديو دوروس- الأول .

12- صحيفة معاريف العبرية، 18/3/2005م.

13- وفي ذلك إشارة لمطالبهم بالتحرر من هيمنة وسيطرة الكنيسة اليونانية على العرب النصارى في فلسطين والأردن، أسوة بالأرثوذكس في العالم أجمع ، حيث 220 ألف أرثوذكسي عربي تحت رعاية 110 من الكهنة اليونان ، الذين في معظمهم فاسدين وبينهم صراعات عديدة  ، هذا ما صرح به للصحف الرسمية الأردنية د. رؤوف أبو جابر رئيس المجلس الأرثوذكسي في الأردن وفلسطين في 2/9/2010م .

14- صحيفة العرب اليوم الأردنية بتاريخ 18/4/2010م .

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك