الـدسـتــــور..المعركة الوهمية لإسقاط الدولة المصرية
«العراق هو الهدف التكتيكي، والسعودية هدف إستراتيجي، أما الجائزة الكبرى فهي مصر»، هذه هي المقولة الشهيرة لريتشارد بيرل كبير مستشاري وزارة الدفاع الأمريكية سابقًا، وأحد أبرز الأمريكيين المتصهينين، والمتابع للمشهد العبثي الذي تشهده الساحة المصرية منذ أسابيع، يتأكد أن الخطة التي وضعها صانعو القرار في الإدارة الأمريكية منذ عهد بوش الابن لتفكيك خريطة المنطقة وإعادة رسمها من جديد ضمن ما سموه الشرق الأوسط الجديد تسير حتى الآن نحو تحقيق أهدافها بصورة متسارعة.
ولا شك أن تصدّر التيار الإسلامي للمشهد السياسي المصري استفز بالضرورة الإدارة الأمريكية وبعض القوى والجهات الدولية والإقليمية فضلاً عن الجهات الداخلية؛ لأن نجاح الإسلاميين في مصر معناه فشل هذا المخطط؛ لذلك عملت تلك الجهات جاهدة - ليس فقط على إفشال المشروع الإصلاحي لهذا التيار - ولكن أيضًا على إفقاده رصيده الجماهيري الذي يستمده من شعب متدين بطبيعته، وتشويه صورته في محاولة واضحة للطعن في الإسلام بوصفه منهجاً له القدرة على قيادة الأمة في الفترة المقبلة.
ولعل المعارك التي خاضتها المعارضة المصرية منذ نجاح الدكتور مرسي، وآخرها هذه المعركة الدائرة حاليًا بشأن مشروع الدستور خير دليل على ما يدبر في الخفاء، فيمكن لأي مراقب محايد متابع لتفاصيل تلك المعركة أن يكتشف لأول وهلة أنها معركة وهمية تهدف إلى إشاعة الفوضى والإيهام بانقسام الشارع المصري إلى معسكرين، ويصبح الحل السحري لدى مخططي تلك المعركة هو إبعاد الرئيس مرسي عن المشهد حتى ولو وصل الأمر إلى اغتياله، لتعود الأمور إلى نقطة الصفر، أو تنشب حرب أهلية يكون التيار الإسلامي الطرف الأساس فيها، وينقلب الوضع إلى فوضى عارمة.
وبالتالي يمكن القول بكل وضوح: إنها ليست معركة أو خلافا على بعض مواد من الدستور كما يشاع، ولكنها معركة على مستقبل مصر ومصيرها.
جهود حثيثة للم الشمل
ورغم الجهود الحثيثة التي بذلها الرئيس مرسي للم الشمل وتجاوز الأزمة، وكان آخرها الدعوة إلى حوار وطني بناء، إلا أن قوى المعارضة أبت إلا أن تفشل تلك المساعي وتصر على الهدف غير المعلن وهو إسقاط الرئيس، بل إسقاط الدولة كلها، ولا شك أن الرئيس قد حقق نصرًا أخلاقيًا هائلاً بالدعوة لهذا الحوار، وهو الذي أعلن التزامه بما ينتهي إليه، وفعلاً حضر الحوار أكثر من خمسين حزبًا وقوة سياسية كبيرة وشخصيات قانونية وسياسية وافرة الاحترام، واستمر الحوار حوالي ثماني ساعات متواصلة، بما يعني أنه كان جادًا وعميقًا وصريحًا ومصرًا على البحث عن مخرج، وانتهى الحوار إلى إلغاء الإعلان الدستوري الأخير للرئيس فالتزم بإلغائه، والتزم بالنص الدستوري الصريح الذي يلزمه بإجراء الاستفتاء على مسودة الدستور خلال خمسة عشر يومًا من تقديم الدستور.
الدستور الـجديد ما له وما عليه
بداية لا بد أن نؤكد على أن الدستور الذي تم الاتفاق على صيغته النهائية ليس هو الذي كان يطمح إليه الإسلاميون، وهذا ما أكده فضيلة الشيخ المحدث أبي إسحق الحويني – حفظه الله- في اتصال هاتفي معه، ولكن لضيق الوقت لم أستطع عرض النص المفرغ على الشيخ بناءً على طلبه؛ لذا ننقل هنا كلام ابنه (حاتم) الذي بثه عبر صفحته على الفيس بوك، وهو كلامه نفسه معنا حيث قال: سألت والدي الشيخ أبا إسحق الحويني - شفاه الله وعافاه- عن الدستور: هل نخرج لنصوّت بنعم ؟ قال: نعم.
قلت: ولماذا؟
قال: لأن هذا هو المتاح الآن وليس المأمول، وهناك فرق بين المتاح والمأمول، وهذا أقل الضررين، وإخواننا بذلوا جهدًا ضخمًا مع معارضيهم ممن لا يريدون شرع الله، ونحن نريد لشرع الله أن يسود الأرض ويحكم.
قلت: بعضهم يقول إن الدستور أهدر الشريعة؟
قال: الدستور منصوص فيه أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، مع مادة تفسيرية لذلك، وطبيعة الدساتير أنها تضع الخطوط العريضة والأصول الكلية، أما القانون فهو الذي يحدد ويقنن ويضيق ويوسع.
قلت: بعضهم يقول إن الدستور لم يقنن الشريعة؟
قال: هذا مصطلح خطأ، ولا يصح أن تُقنن الشريعة؛ لأننا في هذه الحالة سنلزم الأمة بقول عالم أو بقول مذهب، لكن يترك المجال مفتوحًا للفصل في الخلاف بالمذاهب المعتبرة المعروفة، وإن كان هناك اجتهاد مبني على أُسُس حُكم به إذا لم يوجد دليل، أما أن نلزم الأمة كلها بقول عالم فهذا لا يصح، والدستور هو الغطاء العام الذي يندرج تحته القانون، والقانون هو الغطاء الخاص الذي سيحتكم الناس إليه، ونحن نسعى أن تطبق الشريعة بأكملها، ونحن نفعل ما في وسعنا، واللهَ نسأل الإعانة.
سنصوت بـ«نعم».. ارتكابًا لأخف الضررين
وبسؤال الشيخ مازن السرساوي قال: خلاصة الموقف من الدستور في نقاط كما يلي:
- بداية نثمن جهود المشايخ الذين بذلوا وسعهم في اللجنة التأسيسية لتحصيل أقصى ما يستطيعون في تحكيم الشريعة.
- المادة 219 المعروفة بالمفسرة للمبادئ أضافت كثيرًا بلا شك، وإن لم تصل بنا إلى ما كنا ننشده من النص الواضح الصريح، لكن هذا المتاح.
- لو كنا في سعة من أمرنا لوجب علينا رفض هذا الدستور، والعمل على دستور يحقق طموح المسلمين خال من أي شائبة، لكننا في ضيق واضطرابات وفتن، والوقت ليس في صالحنا مطلقا، وأعداء الدين والبلد يحشدون لمنع الاستفتاء أصلا، ولو اضطروا للاستفتاء فسيستميتون في التصويت بـ«لا»، لإفشال المشروع الإسلامي.
- وبناء على كل ما سبق فنحن سنصوت بـ«نعم»، ارتكابا لأخف الضررين، علما بأن الدستور ليس هو نهاية المطاف؛ فلو كتبنا دستورا إسلاميًا لا شائبة فيه، وجاءت أغلبية البرلمان من غير الإسلاميين، فلا قيمة لهذا الدستور، والعكس بالعكس، والله غالب على أمره، وهو أعلى وأعلم.
لسنا بصدد كتابة دستور إسلامي
وفي سياق رده على المعترضين على الدستور، قال الشيخ الدكتور محمد يسري، رئيس الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح: إننا في هذا لسنا بصدد كتابة دستور إسلامي، وإنما نحن بصدد كتابة دستور يُكَثِّر الخير ويقلّل الشر، وأقول: إن في الشر خيارًا، وأقول: يرتكب أخف الضررين، ويرتكب أخف الشرين، وإنه لا مقارنة بين الدستور الحالي والدستور الذي حكم البلاد قبل ذلك، وبين أي دستور حكم البلاد في أي حقبة تاريخية من تاريخ مصر، وأقول إن بين هذا الدستور والدساتير الإسلامية في الدول العربية بونًا شاسعًا، فهذا الدستور حقق كثيرًا من الخير.
وبسؤاله عن موقف بعض الأفاضل المعترضين كفضيلة الشيخ مصطفى العدوي حفظه الله؟
قال: بداية لا بد أن نتبين موقفه من هذا الكلام، بمعنى هل هو قال: إن الدستور فيه كفر من باب أن الديمقراطية فيها كفر؟ فنقول: نعم، الديمقراطية إذا كانت حكم الشعب بالشعب بما يريده الشعب بعيدًا عن وحي الله عز وجل، وبعيدًا عن شريعة الله عز وجل بحيث إن الشعب يشرع من عنده، أي إن الشعب يُعْبَد من دون الله، والشعب يقنن هذه التشريعات المتضمنة للحلال والحرام من دون وحي؛ فهذا الذي يجب إنكاره ويقال عنه إنه شرك وكفر، قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله}، وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم}، وقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، وقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}، وقال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}, كل هذا ثابت في كتاب الله تبارك وتعالى، وفي سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.
فنحن لا نناقش قضية الديمقراطية كونها شركا أيديولوجيا فلسفيا فكريا، هذا المعنى يطبقه الغربيون، أما نحن حينما نتحدث، فنتحدث عن آلياتها ووسائلها وإجراءاتها.
فنحن حينما ننص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التقنين، وأن مبادئ الشريعة تعني الكتاب والسنة والإجماع وقواعد الفقه وقواعد الأصول والأدلة الإجمالية، فنحن بذلك ننفي الجانب الأيديولوجي في الديمقراطية، ونبقي على جانب الوسائل الذي يدخل عندنا في دائرة السعة، وفي دائرة العفو وفي دائرة المباح، وفي دائرة تطبيقات الشورى.
وبذلك فنحن لم نقبل ولن نقبل أن تكون سلطة التشريع مفوضة إلى الشعب من دون الله تبارك وتعالى، لن يكون هذا في معتقدنا اليوم، كما لم يكن في معتقدنا من قبل.
فكلام الشيخ مصطفى العدوي – حفظه الله - عن الديمقراطية من هذا الوجه نحن نسلم به لذلك نحن نفينا في هذا الدستور هذا الجزء المظلم من الديمقراطية وأدخلنا مرجعية الشريعة في الدستور قلبًا وقالبًا.
يبقى أن هناك ما هو أفضل، وأن هناك ما هو أحسن، وأن هناك ما هو أجمل، فإذا كنا نستطيعه فعلينا أن نفعله، وإذا كنا لا نستطيعه وواقعنا لا يتحمله، فنحن لن نكون كالذين يريدون حمل الناس على الخير جملة فيتسببون في أن يدعوه جملة، وقد قال عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ورحمه، وهو مجدد القرن الأول، قال: «إني أعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، كبر عليه الصغير وشاب عليه الكبير، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة»، فهذا فيه شيء من رعاية واقع الناس، وهذا أصل في دين الله تبارك وتعالى، وهو أن الفتيا تتعلق بالواقع كما تتعلق بالنص.
ولهذا إذا كنا عاجزين أن نقيم ما نريده اليوم بكماله وتمامه، فلعل الله أن يفتح لنا بابًا فيما بعد، والميسور لا يسقط بالمعسور، وليس المقدور عليه كالمعجوز عنه، هذه هي قواعد ديننا الحنيف، والنبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى المآلات، وراعى عواقب التصرفات، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لهدمت الكعبة وأعدت بناءها على قواعد إبراهيم»، وقال: «لا أقتل المنافقين حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»، والله تبارك وتعالى علمنا أن نوازن بين المصالح والمفاسد فقال سبحانه: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم}، فإذا كان باستطاعتنا وإمكاننا أن نأتي بالدستور كاملا من نصوص القرآن الكريم ومن نصوص السنة المطهرة فقصرنا فإننا نكون ملومين، وإن كان ذلك ليس بالإمكان فلا تكليف إلا بمستطاع.
وأنا في النهاية أقول: إذا بقي فلان أو فلان من أهل العلم والفضل على أمرهم، فهذا رأيه ويحترم، وللفضلاء والمشايخ والعلماء آراؤهم، وفي مسائل دون ذلك وقع الخلاف واعتبر، وساغ أن يوجد الخلاف بين المسلمين في قضايا كثيرة جدًا، فلا يشوش هذا على أن جماهير أمة المسلمين، وجماهير علماء المسلمين، في هذه البلاد سوقوا لدعم هذا الدستور الذي يقربهم من الخير ويبعدهم عن الشر، الذي يدنيهم من المصالح ويبعدهم عن المفاسد، الذي يحقق لهم كثيرًا مما يتطلع إليه المصريون في استرداد كرامتهم، وحريتهم، وعزتهم، وهويتهم، والتمكين لدينهم وشريعتهم، وفضيلة الشيخ مصطفى هو من هو فضلاً وورعًا وعلمًا ودينًا ولا نزكي على الله أحدًا ولكل عالم رأيه وفقهه واجتهاده، وقد نصل إلى نتيجة وقد لا نصل.
الشريعة قادمة؛ لأن الله عز وجل وعد بذلك
أما الشيخ ياسر برهامي فقد بث روح الأمل والتفاؤل قائلاً: أحب أن أؤكد للجميع أن الشريعة قادمة قادمة؛ لأن الله -سبحانه- وعد بذلك، قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (التوبة:32)، وقال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور:55)، ومن يحاول مغالبة أمر الله فالله غالب على أمره، وإرادة الأمة في العودة إلى الشريعة حاسمة وجازمة.
لقد طلبنا منهم مرات أن يجعلوا هذه الكلمة: «الشريعة الإسلامية»، أو «مبادئ الشريعة الإسلامية» في استفتاء خاص عليها ويأبون في كل مرة؛ لمعرفتهم التامة بما سيؤول إليه أمر الاستفتاء، ولكنها الرغبة الجارفة عند من يسمون أنفسهم «النخبة» في أكل صنم العجوة، فلا الديمقراطية طبقوا، ولا الشعب مثَّلوا، ولا للشريعة وأمر الله امتثلوا.
ونحب أن نؤكد للجميع: أن هذه المادة المفسرة هي الحد الأدنى الذي يمكن أن نقبل به، وهي واضحة ليست غامضة أو لا قيمة لها - كما يقول بعض الدعاة الإسلاميين- وهي تشتمل على الأدلة والمصادر، وقد دخل فيها الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وغيرها من المصادر المختلف فيها.
ولا يمكن لمسلم أن يسمح أن تتحكم الكنيسة أو القوى الليبرالية في تفسير مبادئ الشريعة، وقد أقر هذا التفسير هيئة كبار العلماء بالأزهر؛ فماذا بعد؟ وأي محاولة من أي اتجاه لإلغاء أو تعديل هده المادة معناه تفجير مشروع الدستور بالكامل، وأي اتفاق يضمن بعد نقض العهد الموقع؟! الشارع المصري لن يقبل أي تنازل عن هذا الحد الأدنى، ونرجو الله أن يهدينا سواء السبيل، وأن يوفق المخالفين لترك اللعب بالنار.
السلفيون قاتلوا وحدهم
وفي معرض حديثه عن جهود الدعوة السلفية داخل اللجنة التأسيسية، ذكر الشيخ عصام حسنين أحد علماء الدعوة السلفية، أن الدعوة السلفية شاركت في اللجنة التأسيسية لوضع الدستور بعدد 17 عضوًا كانوا أسودًا في الدفاع عن المادة الثانية من الدستور، وللأسف فهم كانوا يقاتلون وحدهم في الميدان، ونحسب أنهم قاموا بالمهمة وأعذروا إلى الله عز وجل، وهنا لا بد أن نفرق بين المثالي المرجو وبين المتاح الممكن، فالمثالي المرجو أعضاؤنا في اللجنة التأسيسية عدلوا بعض المواد الموجودة في دستور 71؛ لأنه كان المعتمد في اللجنة، وأما المتاح الممكن فقد نجحوا فيه بفضل الله بعد معارك طاحنة، مع قوم صرحوا بأنهم لا يريدون الشريعة، ولا يريدون أحكام الشريعة ويعرفون الفرق بين المبادئ والأحكام.
فالسلفيون وحدهم الذين حاربوا من أجل المادة الثانية من الدستور، وأنا قرأت لأحد العلمانيين مقالة قال فيها: لماذا عند المرأة قلتم بما لا يخالف الشريعة الإسلامية، مع أن هذا النص موجود في دستور 71، وحينما نطالب بوضع مادة في الدستور لإقرار الزكاة وهي فريضة قطعية الثبوت قطعية الدلالة ويرفض هؤلاء ذلك، فما يعني ذلك، ولذلك قاتلنا كي يكتب: بما لا يخالف الشريعة، لما أصروا على كلمة مبادئ الشريعة.
وأكد هذا الكلام فضيلة الشيخ محمود عبد الحميد؛ حيث ذكر أن السلفيين لم يشاركوا في العمل السياسي إلا لإقامة شرع الله عز وجل وإحقاق الحق وإبطال الباطل، وعندما دخلنا اللجنة التأسيسية دخلنا من أجل ذلك، وكان هناك بيننا وبين بعض إخواننا عهد أن نقف صفًا واحدًا لإزالة كلمة مبادئ، ولكن لما طرحت القضايا وجدنا الأمر على خلاف ما تعاهدنا عليه، فصرنا وحدنا في هذه المعركة ندافع عن الشريعة وعن النقاط المخالفة لها كلها لإبعادها عن الدستور.
تغيير الدستور ليس أمرًا صعبًا ولا مستحيلاً
ويختم الشيخ محمد سعد الأزهري عضو اللجنة التأسيسية لوضع الدستور الكلام قائلاً: إن الذين صوتوا بـ«نعم» للتعديلات الدستورية في 19 مارس 2011، لم يصوتوا إقرارًا على كل ما فيه من مواد، بل كانت هناك المواد التي تنص على الديمقراطية دون الشورى وعلى السيادة للشعب وحده وعلى أشياء أخرى لم تُقيد ولم تُفسر، وإن الذين رشحوا الإخوان أو السلفيين لمقاعد مجلسي الشعب والشورى وقالوا عن بعضهم إنهم رجال المرحلة، لم يرشحوهم إلا عن طريق آلية الديمقراطية التي أتى بها الإعلان الدستوري في 19 مارس، وإن الذين رشحوا د/ محمد مرسي أو الشيخ حازم لانتخابات الرئاسة لم يرشحوهما وفق آليات شرعية محضة، بل رشحوهما وأيدوهما وفق آلية ديمقراطية ليست مقيدة بالشورى ولا بغيرها، وما فعلوا ذلك إلا اضطرارًا وليس إقراراً بما فيها من مخالفات.
وما دام الأمر كذلك فلا أجد اضطرارًا أشد مما نحن فيه الآن للقبول بتفويت الفرصة على من يريد التضحية بالوطن كله من أجل عدم تمكن الدولة الجديدة من الوقوف على قدميها وتطهيرها من الملوثات بجميع أنواعها، وإلا كان الاضطرار الأول متناقضا أشد التناقض مع رفض الدستور الجديد!
مع أن تغيير الدستور ليس أمرًا صعبًا ولا مستحيلاً، فما عجزنا عنه اليوم بإذن الله سيكون متاحًا غدًا ما دمنا أردنا أن نكون جزءًا من المشهد، لا جزءًا من المشاهدين، حتى نبدأ في بناء مؤسسات الدولة وتغيير الوضع القديم بآخر جديد، لترفرف راية العدل والحق وتدخل «وطاويط» الفساد إلى جحورها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
لاتوجد تعليقات