رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 5 ديسمبر، 2016 0 تعليق

الغوغائيةعند النوازل.. مسؤولية من؟

النوازل التي تنزل بالناس، والحوادث العِظام التي تجري في العالم - قد تكوِّن جوًّا ضبابيًّا كثيفًا عند كثير من الناس، بل ربما عند القاعدة العريضة من البشر؛ فلربَّما تحدُث بعض النوازل التي تثور معها الشُّبَه، وتختلف فيها الآراء، وتختلط فيها الأمور اختلاطًا خطيرًا، وهنا يضطرب الناس، ويَضيع صوتُ الحق في طيَّات الصخب والضجيج الذي يحدث مع هذه النوازل؛ وحينئذٍ لا يكون ملجأ الناس إلا إلى الله -تعالى- ثم أهل العلم وأصحاب الحل والعقد؛ لأن الله- جل جلاله- قيَّضهم  ليجلوا هذا الضباب ويكشفوا تلك الحُجُب؛ حيث يُبيِّنون للناس ما انبَهَم واشتَبَه عليهم؛ لأنهم خلفاء الرسل، وهم الذين يُصلحون ما أفسد الناس، ومَن سواهم من العامة لا يَسَعهم إلا السؤالُ عما أبهم وأشكل عليهم، ويكون ديدنهم الكف عن الخوض فيما لا علم لهم به، هذا هو الذي تقتضيه مقاصد الشرع الحنيف، وتُقرِّره النصوص المعصومة.

صلاح الأمة

مَن تبصَّر ذلك، سيجد أن مِن أسرار صلاح الأمة وصيانتها عن الفتن: عدم خوض العوام فيما لا يعلمونه، وتناول ما لا يحسنونه، ولاسيما المسائل العضال التي يُجمع لها أهل الحل والعقد.

لقد أساء لأمَّتِه ولدينه مَن نفخ في العامة وجرَّأهم على ركوب تلك الموجة المشبوهة؛  فأصبح كل مَن هبَّ ودب يقتحم كل نازلةٍ أو فتنة؛ فيخوض فيها، ويُدلي فيها بدلوٍ قد انخرم من جوانبه.

     إن هؤلاء مرَّروا بعض المصطلحات الغريبة المشبوهة عن دينِنا الغضِّ النقي على أنَّها حقٌّ لا يقبل الجدال؛ إذ استسلم لها بعض المفكِّرين المسلمين، واجتهدوا في استخراج ما يسندها من النُّصُوص الشرعيَّة على أنَّها حقٌّ لا يَقْبل النقد، وكانت النتيجة أن تجرَّأ الناس على الدين وعلى ثوابته، بل التمرُّد على أنصاره وأعلامه ورموزه، ولسانُ حالهم: هم رجال ونحن رجال!

ليسوا دعاة هدى

     وما كلُّ مَن يدعُو عامة المسلمين إلى الخوض في مثل هذا بداعيةِ هدًى، ولا هو مِن أئمة الدين في شيء، بل مَثَلهم كمَن يدعو الصبيان الذين لا يُحسنون السباحة إلى خوض البحر، وكمَن يدعو الزَّمِنَ المُقعَدَ إلى السفر في البراري من غير مركوب، ولو أنهم اكتفوا بما اكتفى به الأوَّلون من صدر هذه الأمة، وتمثلوا بقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ}(النساء: 83)، لكان خيرًا لهم ولأمَّتهم؛ فالرد إلى الرسول هو الردُّ إلى سنته صلى الله عليه وسلم ، وكأنه حيٌّ بين أظهرنا، وكذلك الرد إليه هو الرد إلى القرآن والسنة اللذين جاء بهما صلى الله عليه وسلم ، ولا يُحسِن الردَّ إلى القرآن والسنة إلا العلماءُ؛ لأنها صنعتُهم، وهم الذين يملكون أدواتها، وهم أهل الحل والعقد ذوو العدالة والعلم بالأمر العام، ولاسيما المشهورون ورؤساء الناس منهم، والعامة يتبعونهم فيما يَنُوبون فيه عنهم، مِن إقامة مقصود الشرع في الإمامة، ورعاية أمور الأمة ومصالحها العامة، أما غيرهم من عامة الناس، فهم لا يُحسِنون إلا التخبطَ، وهم أفقر إلى مَن يأخذ بأيديهم.

فئة المتجرئين

     يقول إمام الحرمين أبو المعالي الجويني -رحمة الله عليه- في ذم فئة من هؤلاء المتجرئين: «وقوم دأبهم التطفل في المناظرة، ويستنكفون عن السؤال لقصورهم فيه، ولم يبلغوا مبلغ أن يُسألوا، وربما لا يفهمون أكثر ما يجري، ينتظرون فرصة أحد الخصمين على الآخر، فيأخذون في الشَّغْب والصياح؛ إيهامًا منهم لمن حضر المجلس من العوامِّ وأهل النقض، أنهم من جملتهم، وهم صفر من صناعتهم، فهؤلاء لا يعدون في جملة أهل الجدل والنظر».

ترك الاعتداد بالعوامِّ

 ومن وجه آخر: فإن تركَ الاعتداد بالعوامِّ وقلة الاكتراث بهم مطلوبٌ من وجهين:

- أحدهما: أن رِضاهم كما قيل غايةٌ لا تُدرَك، فعن يونس بن عبدالأعلى قال: قال لي الشافعي: يا أبا موسى، رِضا الناس غايةٌ لا تُدرك، ليس إلى السلامة مِن الناس سبيل، فانظر ما فيه إصلاح نفسك، فالزَمْه ودَعِ الناس وما هم فيه، وفي معناه أنشد أبو العباس ثعلب:

دَعِ الناسَ ما شاؤوا يقولونَ، إنَّنِي

                                       لأكثر ما يُحكى عليَّ حمولُ

فَما كلُّ مَن أغضَبْتُه أنا مُعتِبٌ

                                       وَمَا كلُّ ما يُروى عليَّ أقولُ

- الثاني: أن الاغترار ربَّما يصدر منهم، فما الشأن أن يعد ممن سواهم منافٍياً لكمال البصيرة بهم، قال الخطابي: الواجب على العاقل ألا يغترَّ بكلام العوام وثنائهم؛ فإنهم يُقبِلون مع الطمع، ويُدبِرون مع الغنى، ويطيرون مع كل ناعق، إذا اجتمعوا غلبوا، وإذا تفرَّقوا لم يُعرفوا، وقيل: إذا اجتمعوا ضروا، وإذا تفرَّقوا نفعوا، قال: يريد أنهم إذا تفرقوا رجع كل واحد منهم إلى صناعته، فيخرز الإسكاف، ويخصف الحذاء، وينسج الحائك، ويخيط الخائط، فينتفع الناس بهم. انتهى.

هذا الأمر دين

     وهذا لا يتضمَّن أو يعني استحقارًا أو سخريةً من شأن العامة، وإلا فربَّما يكون ما وقر في قلب أحدِهم من الإيمان أضعافَ مَن سواهم، ولكن هذا الأمر دينٌ، فلا يحمله ويتكلم فيه إلا أهله، وقد ثبت بالمنقول والمعقول أن لدى الخاصة من العلماء وأهل الحل والعقد مِن الفهم ورجاحة العقل والبصيرة - ما ليس عند غيرهم.

     يقول الشيخ العلامة صالح الفوزان -حفظه الله-: والأمور إذا حدثت لا يصلح لكل واحدٍ أن يتكلم فيها، وإنما تُوكَلُ لأهل العلم وأهل الرأي وأهل الكلمة؛ كما قال جل وعلا: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}(النساء: 83)؛ فالأمور التي تتعلَّق بمصالح المسلمين وبالأمة هذه لا يتولاها إلا أهل الحل والعقد، أهل العلم والبصيرة، الذين يلتمسون لها الحلول الصحيحة، وأما أن يتولاها ويتكلم فيها كل مَن هب ودب، فهذا من الضرر على المسلمين، ومن الإرجاف والتخويف، ولا يصل المسلمون من وراء ذلك إلى نتيجة. اهـ.

المصطلحات والمناهج المستوردة

     ولا نعجب إذا تتبَّعنا أثر هذه المصطلحات والمناهج المستوردة أن نجدَها قد تولَّدت من فطرٍ منتكسة، وعقول نخرة؛ حيث يقول أحد هؤلاء: إن البشر كلهم إذا آمنوا برأيٍ وجاء فردٌ واحد برأيٍ جديد، ثم حاولت البشرية جمعاء أن تُسكت هذا الرأي، كان خطؤها في ذلك لا يقلُّ عن خطأ الفرد الواحد حين يحاول إسقاط الرأي الذي اجتمعت عليه البشرية.

     يقول الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل: «فالمقرِّرون لهذا النوع من الحرية من الغربيِّين ومَن وافقهم من الليبراليين العرب، لا يعترفون بالدين قيدًا يُقيِّدها، بل يُطلقونها من قيود الشريعة بحجة عدم قَبول أي ضغوط على الرأي، ولا يخفَى ما في ذلك من مناهضة لعبودية المؤمن لله -تعالى».

ومعلوم أن المؤمن يمنعُه من إبداء رأيِه في أكثر حالات الرأي خوفُه من انتهاكِ حِمَى الشريعة الربانية، والوقوع في إثم القول؛ كالقول على الله -تعالى- بلا علمٍ، كما أنه في حالات أخرى يؤخذ بإبداءِ رأيه ويعاقب عليه حدًّا أو تعزيرًا كالقذف.

     ويبلغ تقديس الرأي عند منظِّري الحرية مبلغًا يدعو فيه أكبرُ فيلسوف نظَّر للحرية وقرَّرها - وهو الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل - إلى تعمد الخطأ والباطل في مواجهة الصواب والحق حين يتحدث عن الرأي السائد، ويقسمه إلى صواب وخطأ، ثم يقرر في الصواب أنه لابد من معارضة هذا الصواب بما يناقضه من الخطأ؛ حتى يتمكن الذهن من الإحاطة بالحق إحاطة تامة، والشعور به شعورًا عميقًا.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك