رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبد الرحمن المحمود 15 ديسمبر، 2017 0 تعليق

العلمانيون وظاهرة الهجوم على منهج السلف

 الهجوم على منهج السلف ومذهبهم ليس جديدًا، بل هو قديم قدم نشوء البدع والافتراق في هذه الأمة؛ حيث كانت كل طائفة ترى في مذهبها الحق وتعادي من يخالفه، ولما كان السلف هم الوسط المخالفين لأهل الغلو والجفاء والإفراط والتفريط نالهم من الطوائف المنحرفة كافة ما نالهم، وصبت عليهم كل فئة حادت عن الطريق المستقيم جام غضبها، وكان ذلك - من فضل الله - سبباً في رسوخ الحق وعلوه ونشره، وفي رفعة رجاله الحاملين للوائه وذيوع ذكرهم في الأمة وقبولهم عند الناس، مع ما لهم عند ربهم من مزيد الأجر والحسنات وحسن الثواب.

     والنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أخبر عن اتباع هذه الأمة من سبقها من الأمم وافتراقها كما افترقت أمر باتباع ما كان عليه هو وأصحابه وأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وأمر بالعض عليها بالنواجذ، ونهى عن البدع والمحدثات في الدين، وكل هذا لأجل خطورة مثل هذا الافتراق والبدع.

كل طائفة تدعي الحق

     ولما كانت كل طائفة تدعي أن مذهبها الحق وأنه يقوم على دلائل الكتاب والسنة أو على الأقل لا تعارضها جاء الأمر مع اتباع سنته وما كان عليه صلى الله عليه وسلم باتباع أصحابه وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وفي هذا بيان لمسألة - قد يغفل عنها بعضهم، ولاسيما في الأزمنة المتأخرة؛ فيظن أنه ينبغي الرجوع إلى الكتاب والسنة دون الالتفات إلى ما وقع من افتراق في هذه الأمة ونشوء طوائف في كل زمن وعصر، وأن تجاوزها شرط لوحدة الأمة الإسلامية في دينها وعقيدتها، وهذا كلام طيب وحسن وهو أمنية كل مسلم ولكن شرطه أن تتخلى كل فرقة وطائفة عن معتقداتها المنحرفة لترجع إلى ما جاء في الكتاب والسنة دون تحريف أو تأويل أو إلحاد.

تمييز منهج السلف

     أما والواقع غير ذلك فلابدّ من تمييز منهج السلف عن مناهج غيرهم كما فعل الأئمة منذ عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - وإلى يومنا، ولا بد من نشره والدفاع عنه والرد على المنحرفين وأهل البدع جميعاً، ونصحهم وأمرهم بالتوبة والرجوع إلى الله وتحذير الأمة كلها من هذه البدع والضلالات، مع بيان العقيدة الصحيحة وشرحها وتوضيحها لهم، والردود والمناقشات بحسب أحوال هذه البدع وانتشارها وعموم خطرها.

تقليد الأمة لغيرها وافتراقها

     والخلاصة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم - أخبر عن تقليد هذه الأمة لغيرها وعن افتراقها وقد وقع هذا؛ فلا داعي لإنكار ما ورد في ذلك، ولاسيما ممن يريد جمعها بأيّ طريقة وعلى أي منهج، وأنه لا تعارض بين الشرع والقدر - كما قرر ذلك الأئمة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - بل نؤمن بهما جميعاً فنؤمن ونصدق ما جاءت به الأخبار من الافتراق في هذه الأمة، ونتبع الشرع في اجتنابها والإعراض عن بدعها واتباع ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته والقرون المفضلة.

     أما من أراد أن يلغي الشرع باعتبار الافتراق أمراً قدرياً فنرضى بهذه الفرق ونقبلها، أو أراد أن يلغي القدر وينفي وجود هذا الافتراق لأن الله لا يحبه ولا يحبه رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا من الخطأ البيّن الذي يجب أن يحذره الجميع ولاسيما طلاب العلم.

عقيدة السلف ومنهجهم باقيان

     عقيدة السلف ومنهجهم باقيان إلى آخر الزمان كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور أنه لا تزال طائفة من أمته باقية على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله -تبارك وتعالى- وهذا مع ما سبقت الإشارة إليه من الأمر باتباع أصحابه وسنة الخلفاء الراشدين، فيه الدلالة القاطعة على وجوب اتباع منهج السلف في كل وقت ومنه وقتنا هذا في فتنه وعولمته ومتغيراته.

     وقد عجبت لعبارة شيخ الإسلام ابن تيمية حين ذكر في أول العقيدة الواسطية ما يفيد هذا؛ حيث قال: أما بعد فهذا اعتقاد الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة إلى يوم القيامة، فقوله: إلى قيام الساعة تنبيه للأمة في زمنه، وهو تنبيه لنا في هذه الأيام مقتضاه أن الحق واحد باق، لا يتغير ولا يتبدل.

     وعلى هذا فما يجري في هذه الأيام من هجوم على منهج السلف هو جزء من سنة الله -تبارك وتعالى- في الصراع بين الحق والباطل، وهي سنة باقية ولا تتغير ولا تتبدل، والصراع قد يشتد في زمان دون زمان أو في مكان دون مكان حسب قوة الباطل وحسب قيام أهل الحق بما أوجب الله عليهم، ولكن العاقبة للمتقين المتبعين لسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم - نسأل الله -تعالى- بمنه وكرمه أن يجعلنا منهم.

أسباب الهجوم على مذهب السلف

     لقد عظمت الحملة في هذه الأيام على منهج السلف الصالح وعقيدتهم، واشتد أوارها إلى حدّ لم نعهده في زماننا المتأخر، وأسباب ذلك معلومة لا تخفى، ولا بأس من أن نشير إليها باختصار من باب التذكير، ويمكن تقسيمها إلى أسباب عامة وأسباب خاصة:

الأسباب العامة

- سنة الله في الصراع بين الحق والباطل.

- اتباع الهوى.

- التباس الحق بالباطل لدى بعض الناس (فتن الشبهات).

- ضعف التقوى وكثرة التفريط وانتشار المنكرات (فتن الشهوات).

- الجهل، والخوض في مسائل الدين بلا علم.

- عدم القيام بالواجب من جانب بعض أهل العلم والدعوة.

- عداوة اليهود والنصارى والملحدين والمنافقين والعلمانيين ورؤوس البدع للمسلمين عامة ولأهل السنة خاصة.

- العولمة ووسائل الإعلام والاتصال التي ساهمت في نشر الباطل وفشوه ودخوله إلى بلاد المسلمين ومدنهم وقراهم وبيوتهم كافة إلا ما عصم الله. مع ملاحظة أن بعضها ساهم في نشر الخير والعقيدة الصحيحة والدفاع عنها.

ومن الأسباب الخاصة لهذه الحملة الشرسة على المنهج السلفي ما يلي:

تنامي ظاهرتي الإفراط والتفريط

     فمن جهة ظهور الغلو عند بعضهم وعدم ضبط مسائل الإيمان والكفر، وما ترتب على ذلك وغيره من وقوع التفجيرات التي أفرحت أعداء هذه العقيدة في داخل المملكة وخارجها، ومن جهة ظهور التفريط عند بعض من تأثر بمذاهب المرجئة حتى أخلوا بمسائل الإيمان وربما صحح بعضهم دين اليهود والنصارى والمشركين، ومن ذلك التفريط الخطير غلو العلمانيين في نشر مبادئهم الإلحادية وحربهم على ثوابت الدين وأصوله.

الحرب على الإسلام

      حيث ركزت على عقيدة السلف الصالح أهل السنة والجماعة، ولم تطل الحرب أهل البدع من الصوفية ومن شاكلهم، وقد تركزت الحرب بطريقة أخص على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى هذه البلاد المنتسبة إليها، ولاسيما بعد أحداث نيويورك.

ظهور العلمانيين والحداثيين

وأهل البدع وعلو صوتهم في كثير من وسائل الإعلام ومجاهرتهم بالكثير من أفكارهم دون رادع - مما شجعهم على المضيّ سريعاً في نشر أفكارهم ومذاهبهم.

وجود عدد من المنتكسين

      والناكصين على أعقابهم لأسباب كثيرة؛ حيث حمل هؤلاء لواء الهجوم على العقيدة والشريعة وأصولهما وقواعد العلم الشرعي المعروفة، وقد استخدم العلمانيون والمفسدون هؤلاء شر استخدام؛ فروّجوا لهم في وسائل الإعلام، وكرروا وأعادوا وزادوا، وعملوا على تحويلهم إلى ظاهرة فكرية، يحاربون بها دين الله عموماً وعقيدة السلف ومنهجهم خصوصاً.

ظهور المدرسة (العصرانية)

     أو ما تسمى - مدرسة أهل الأهواء - حيث تبنى بعض أسس هذه المدرسة من قد ينتسب إلى العقيدة الصحيحة ممن تأثر بهذه المدرسة، فصار بعض هؤلاء يروجون لهذه المدرسة في بعض مقولاتها وأسسها، وهذه المدرسة من أخطر المدارس على الإسلام وقد أدرك هذا العلمانيون وأهل البدع المعروفون؛ فوطدوا العلاقة مع هذه المدرسة، وصاروا ينشرون فكرها، ويعلون من شأن كل من تأثر بها أو تبنى بعض مقولاتها.

الميل عن منهج السلف

     تراجع بعض من كان ينتسب إلى عقيدة السلف من تبنيها، وفي المقابل صار يظهر الميل وأحياناً الانتساب إلى ما يخالفها، فهذا يظهر مذهب المعتزلة وذاك يقول بمذهب الأشاعرة، وهذا يدعو إلى التصوف ويراه حقاً...إلخ.

مظاهر الهجوم على منهج السلف

      من خلال ما سبق ذكره من الأسباب الخاصة والعامة تظهر جملة من مظاهر الهجوم على عقيدة ومنهج السلف - رحمهم الله عموما، ويمكن أن تذكر هنا جملة من هذه المظاهر لعلها تكفي في إعطاء التصور الواضح للمشكلة، وأما الإحاطة بذلك أو بجله، فمما يُعلم صعوبته، ومن هذه المظاهر:

أولا على المستوى العالمي:

أخذ الهجوم على منهاج السلف وعقيدتهم أو على الإسلام لكن يقصد به من يعتمد هذا المنهج شكلاً لم يعهد من قبل، وقد اتخذ هذا المحاور التالية:

اتهامه بالإرهاب والتطرف

- المحور الأول: الهجوم الغربي على الإسلام واتهام أتباعه بالتطرف والأصولية والإرهاب... إلخ. وتتبع مظاهر ذلك مما لا يمكن حصره، ولكن يكفي فيه أن الإسلام صار متهماً في عقيدته وفي شريعته، وفي أعلامه، وفي مظاهره (من سمت إسلامي، وحجاب، ولحية،...إلخ)، وفي نشاطاته الإسلامية، وفي جمعياته الخيرية... ولم يسلم من هذا إلا أهل البدع المرضيّ عنهم من جانب الصليبيين.

وسائل الإعلام

- المحور الثاني: وسائل الإعلام - ولاسيما المحطات الفضائية - التي تتبع إما أهل البدع وإما أن أصحابها أذناب للغرب الكافر من العلمانيين والمنافقين والمفسدين في الأرض؛ فقد شنت هذه الوسائل حروباً متتالية وبأساليب متنوعة على عقيدة السلف ومصادرها ورجالها وأئمتها، ونماذج ذلك ظاهرة للعيان في تلك المحطات التي تبث بالعربية لتنشر الفكر المنحرف والبدعي، وتحارب صراحة الإسلام وعقيدة السلف.

إحياء الروابط الجاهلية

- المحور الثالث: إعادة التجمعات والروابط الجاهلية على مستوى الأمة؛ حيث إنه بعد الفشل الذريع للأفكار العلمانية من يسارية وقومية ونحوها في المرحلة السابقة (ولا تزال والحمد لله) أخذت بعض القوى من أجل حرب الإسلام وعقيدته الصحيحة تعيد تنظيم صفوفها أو ابتداع منظومات فكرية جديدة.

- فهناك مراكز بحوث في لندن وبيروت وعمان وغيرها يقوم عليها أناس مشبوهون؛ حيث عرف عنهم تبني قواعد وأسس مخالفة للعقيدة والمنهج الصحيح.

- ومؤسسة الفكر العربي تنشأ في ظل هذه الظروف، وتمول ويشرف عليها أناس معروفون في حقدهم وحربهم للعقيدة الصحيحة.

- فضلاً عن مراكز البحوث والدراسات العلمانية التي كانت موجودة سابقاً، فأعادت ترتيب أمورها مدعومة مادياً بقوة من قوى صليبية وعلمانية وغيرها.

الشدة والقسوة في الهجوم

ومن المظاهر: الشدة والقسوة في الهجوم على عقيدة السلف ومنهجهم؛ حيث بلغت حداً لم يعهد من قبل، وجرأة لم ير مثيل لها فيما سبق، ومن أمثلة ذلك:

- اتهام عقيدة السلف بأنها تكفيرية إرهابية اتهام الأئمة المعروفين المعتبرين بذلك.

- الدعوة الصريحة إلى إلغاء بعض أصولها، كالولاء والبراء، ونواقض الإسلام.

- الدعوة الصريحة إلى إحياء الآثار الجاهلية وغيرها والدعوة إلى إعادة بناء الأضرحة على القبور.

- سب العقيدة بأنها تفرقنا وتمزقنا والدعوة إلى وطنية جاهلية مفرغة من العقيدة.

- الدعوة الصريحة إلى العلمانية والليبرالية الغربية وتبنيها.

- تحدي الأمة في المسائل المتعلقة بالمرأة ودعوتها قولاً وفعلاً إلى التمرد على دينها وشريعتها.

- التبجح بالفكر الحداثي والافتخار به، والتسابق إلى الإعلان عن رواده ودعاته وتنافسهم في ذلك.

- مدح الحضارة الغربية وثقافتها وفكرها ونظمها بطريقة لا أظن أنها وقعت قبل ذلك، وهكذا.. والأمثلة لا تكاد تنتهي.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك