العلماء ودورهم في حماية الأوقاف الإسلامية
اجتهد العلماء والفقهاء في تنبيه العامة والخاصة على حرمة التعدي على الأوقاف، وأجمعوا على أن الاعتداء وغصب العين الموقوفة محرم، لعموم الأدلة الدالة على تحريم ذلك، ومنها قوله تعالى: {إن الله لا يحب المعتدين} (البقرة: 190)، ومنها ما روى سعيد بن زيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوق يوم القيامة من سبع أرضين» أخرجه البخاري في صحيحه برقم 2452.
تحريم الغصب
وقد حرّم الفقهاء الغصب، استناداً لتحريمه في نصوص القرآن الكريم، والسنة الشريفة، ونصوا على إلزام الغاصب رد العين المغصوبة، ما دامت قائمة، وضمانها إذا هلكت، وأجمع المسلمون على تحريم الغصب، ومن غصب شيئاً لزمه رده ماكان باقياً، فإن تلف في يده لزمه بدله، بل صرّح الفقهاء رعايةً لحق الله -تعالى- وصوناً لأموال الناس، بتأديب المغتصب بالضرب والسجن، حتى ولو عفا عنه المغصوب منه، لدفع الفساد، وإصلاح حاله، ودفعاً له ولأمثاله، وتحقيقاً للمصلحة العامة، ومن باب التعزير. جاء في القوانين الفقهية في تلخيص مذهب المالكية فيما يجب على الغاصب: «أن يرد ماغصبه ، وكذلك حق الله -تعالى- أن يضرب ويسجن زجراً له وأمثاله، على حسب اجتهاد الحاكم».
الاستيلاء على الوقف محرم شرعاً
فالاستيلاء على الوقف محرم شرعاً فلا يحل الاعتداء على الموقوف أو الاستيلاء عليه وغصبه، ويترتب على ذلك نزع الوقف المغصوب من الغاصب، ويجب على الغاصب ردّه؛ حيث نص العلماء أنه: إذا كانت العين المغصوبة موجودة في يد غاصبها، وجب ردّها بلا خلاف بين العلماء، لعموم وجوب ردّ العين المغصوبة.
وأفتوا أيضاً: بأن على الغاصب أجرة هذه الدار أو الأرض الموقوفة منذ غصبها إلى وقت تسليمها؛ لأن منافع الموقوف المغصوب مضمونة، وصيانة للوقف. ونص العلماء على أن من تعدى على الوقف بهدم أو غيره، فإنه يضمن، وعليه إعادته كما كان عليه، ولو كان المهدوم بالياً؛ لأن الهادم ظالم بتعديه، وعليه قيمته كسائر المتلفات.انظر: مُغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج (2/391) .
وشدّد الفقهاء في إجبار المعتدي على الوقف أن يعيده كما كان، وإن لم يكن ذلك تؤخذ منه القيمة ليشتري بها وقفاً مكانه؛ فيلزم المعتدي الضمان بالقيمة إن لم يأت بالمثل أو إعادته كما كان قبل الاعتداء .
وجاء في الفتاوى الهندية: «ولو غصبها – أي الأراضي الموقوفة – من الواقف، فإن أبى وثبت غصبه عند القاضي حبسه حتى رد». ويلزم المعتدي على الوقف أو الغاصب له إن تلف شيء منها أن يضمن ما تلف منها.
وقالوا: إن كان الاستيلاء سبباً لتلف الأرض وتعطيلها، يضمن المستولي قيمة الأرض، ويُشترى بثمنها أرض أخرى تكون وقفاً مكانها.
هدم المستأجر للوقف
وكذلك لو هدم مستأجرٌ الوقفَ أو غيره فعليه ضمانها، إما بردها كما كانت أو دفع قيمتها، قال ابن تيمية : «الوقف الذي أتلفه فإنه يؤخذ منه عوضه يُشترى به ما يقوم مقامه؛ فإن الوقف مضمون بالإتلاف باتفاق العلماء، ومضمون باليد، فلو غصبه غاصب تلف تحت يده العادية فإن عليه ضمانه باتفاق العلماء».
فالغاصب عليه حقان: أحدهما: حق الله تعالى، وهو أن يضرب ويسجن زجراً له ولأمثاله على حسب اجتهاد الحاكم.
- والثاني: حق المغصوب منه، وهو أن يرد إليه ما غصبه، فإن كان المغصوب قائماً رده بعينه إليه وإن كان قد فات رد إليه مثله أو قيمته، وتعد القيمة في ذلك يوم الغصب لا يوم الرد.
وتنص المادة (439) من قانون العدل والإنصاف على أن: «من غصب وقفاً داراً كانت أو حانوتاً، أو أرضاً، فعليه رده بعينه، فإن هلك في يده ولو بآفة سماوية، ضمن قيمته، وإن كان دخل الوقف نقص، ضمن النقصان».
شجاعة العلماء
وترادف مع تلك الفتاوى مواقف شجاعة للعلماء في وجه من كانت تسول له نفسه – ولو كان أميراً – أن يستولي على أوقاف المسلمين أداء لواجب النصح لهم، ورغبة منهم في استمرار هذا الإرث الحضاري الذي بلغ أوجه في فترات مهمة من تاريخ المسلمين؛ حيث توسع الوقف وتنوع حتى تعدى الوقف على الإنسان إلى الوقف على مادون الإنسان؛ ففي عام 789 هـ، جمع السلطان برقوق القضاة وشكا لهم أن الخزائن خالية من الأموال، والعدو زاحف على البلاد، وكانت قد وصلت إلى مصر أخبار زحف (تيمورلنك) قاصداً غزو الشام ودخول عساكره إلى مدينة الرها، وحاول برقوق أن يمد يده إلى أموال الأوقاف، فلم يوافقه على ذلك قاضي القضاة الشيخ سراج الدين البلقيني. انظر: بدائع الزهور في وقائع الدهور ( 1/386).
وفي عهد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون شرع في التجهيز للمسير إلى الشام للثأر من جيوش التتار بقيادة (غازان) في ربيع الآخر سنة 699هـ/1300م فاستدعى ابن دقيق العيد ليأخذ فتوى بأخذ الأموال من الرعية للنفقة على العساكر، فامتنع ابن دقيق العيد؛ فاحتج عليه بفتوى عز الدين بن عبد السلام للملك قطز بأن يأخذ من كل إنسان ديناراً، فقال: لم يكتب ابن عبد السلام للملك المظفر قطز حتى أحضر سائر الأمراء ما في ملكهم من ذهب وفضة وحلي نسائهم وأولادهم، ورآه، وحلف كلٌّ منهم أنه لا يملك سوى هذا، وكان ذلك غير كاف؛ فعندئذ كتب بأخذ الدينار من كل واحد.
وأضاف ابن دقيق العيد: وأما الآن فيبلغني أن كلاً من الأمراء له مال جزيل، وفيهم من يجهز بناته بالجواهر واللآلئ، ويعمل الإناء الذي يستنجي منه في الخلاء من فضة، ويرصع مداس زوجته بأصناف الجواهر، وقام عنهم، فاكتفى بالنظر في أموال التجار ومياسير الناس، وأخذ ما يقدر عليه من كل منهم بحسب حاله.
وفي قصة أخرى نقلتها كتب التاريخ أن السلطان (برسباي) حاول الحصول على فتوى القضاة والعلماء بأخذ أموال الناس بما فيها أموال الأوقاف للاستعداد لقتال (شاه رخ) ابن (تيمورلنك) ، فجمع قضاة القضاة بين يديه في 13 ربيع الآخر 839هـ / 1436م وسألهم في أخذ الأموال، فكثر الكلام، وانفض المجلس من غير أن يفتوه بذلك، وقيل إن بعض الفقهاء قال: «كيف نفتيه بأخذ أموال المسلمين وكان لبس زوجته يوم طهور ولدها الملك العزيز يوسف ما قيمته ثلاثون ألف دينار، وهي بدلة واحدة من إحدى نسائه، ولم يعرف القائل، ولكن أشيع في أفواه الناس أنه أحد الفقهاء».
ومما سبق نرى اجتهاد كثير من علماء الأمة والقضاة في مختلف العهود في مدافعة هؤلاء المعتدين، وتخليص الأوقاف منهم، ونزعها من تحت أيديهم، الذين لم يرضوا بالظلم، ومنهم من تضرر، وبلغ الأمر أن فقد بعضهم حياته وهو يدافع عن الوقف.
لاتوجد تعليقات