العلماء والفقهاء ودورهم في حماية الأوقاف
نص العلماء على أن المعتدي على الوقف بهدم أو غيره عليه إعادته كما كان عليه ولو كان المهدوم بالياً لأن الهادم ظالم بتعديه
صان الإسلام الأملاك الخاصة، وحمى الأملاك العامة وأعيان الوقف منها؛ لذلك فالاستيلاء على الوقف محرم شرعاً
اجتهد العلماء والفقهاء في تنبيه العامة والخاصة على حرمة التعدي على الأوقاف، وأجمعوا على أن الاعتداء وغصب العين الموقوفة محرم، لعموم الأدلة الدالة على تحريم ذلك، ومنها قوله تعالى: {إن الله لا يحب المعتدين}، ومنها ما روى سعيد بن زيد رضي الله عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أخذ شبراً من الأرض ظلماً فإنه يطوق يوم القيامة من سبع أرضين». وقد حرّم الفقهاء الغصب، استناداً لتحريمه في نصوص القرآن الكريم، والسنة الشريفة، ونصوا على إلزام الغاصب رد العين المغصوبة، ما دامت قائمة، وضمانها إذا هلكت.
تحريم الغصب
وأجمع المسلمون على تحريم الغصب، ومن غصب شيئاً لزمه رده ماكان باقياً، فإن تلف في يده لزمه بدله؛ بل صرّح الفقهاء رعايةً لحق الله تعالى، وصوناً لأموال الناس، بتأديب المغتصب بالضرب والسجن، حتى ولو عفا عنه المغصوب منه، لدفع الفساد، وإصلاح حاله، ودفعاً له ولأمثاله، وتحقيقاً للمصلحة العامة، ومن باب التعزير. جاء في القوانين الفقهية فيما يجب على الغاصب: «أن يرد ماغصبه، وكذلك حق الله تعالى أن يضرب ويسجن زجراً له وأمثاله، على حسب اجتهاد الحاكم».
حماية الأملاك العامة
وكما صان الإسلام الأملاك الخاصة، كذلك حمى الأملاك العامة، وأعيان الوقف منها، وعقوبة من يتعدى على أملاك الوقف كعقوبة من يتعدى على الأملاك الخاصة، فالاستيلاء على الوقف محرم شرعاً فلا يحل الاعتداء على الموقوف أو الاستيلاء عليه وغصبه، لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه خُسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين».
ويترتب على ذلك نزع الوقف المغصوب من الغاصب، ويجب على الغاصب ردّه؛ حيث نص العلماء أنه: إذا كانت العين المغصوبة موجودة في يد غاصبها، وجب ردّها بلا خلاف بين العلماء، لعموم وجوب ردّ العين المغصوبة.؛ ومما يدل عليه: ما رواه سَمُرة رضي الله عنه ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤدى».
حكم المعتدي على الوقف
ونص العلماء على أن من تعدى على الوقف بهدم أو غيره، فإنه يضمن، وعليه إعادته كما كان عليه، ولو كان المهدوم بالياً؛ لأن الهادم ظالم بتعديه، وعليه قيمته كسائر المتلفات، فألزموا المعتدي على الوقف أو الغاصب له إن تلف شيء منها أن يضمن ما أُتلف، فإذا تلفت العين المغصوبة أو تلف بعضها في يد غاصبها لزمه ضمانها، أو ضمان ما تلف منها، ويجعل وقفاً بدل الأول، أو يصرف من مرمته، ولا يصرف إلى أهل الوقف؛ لأن ذلك بدل الرقبة، وحقهم في الغلة دون الرقبة، ثم الضمان بالمِثل إن وجد المثل، أو بقيمتة إن لم يوجد المثل، لكن لو كان الإتلاف بنحو هدم حائط أجبر الغاصب على إعادته إن أمكن، وإلا ضمنه، وهذا الحكم متفق عليه بين الفقهاء كما ذكرناه سابقاً.
وفي ذلك يقول ابن قدامة -رحمه الله- في المغني: «لما تعذر رد العين وجب ردّ ما يقوم مقامهما في المالية». لعموم ما روى أنس رضي الله عنه : «أن إحدى نساء النبي -صلى الله عليه وسلم - كسرت قصعة الأخرى فدفع النبي -صلى الله عليه وسلم - قصعة الكاسرة إلى رسول صاحبة المكسورة وحبس المكسورة في بيته»؛ لذا وجب المحافظة على عين الوقف ورقبته؛ لأنها الأصل الذي نص الواقف على حبسه.
فالغاصب عليه حقان: أحدهما: حق الله تعالى، وهو أن يضرب ويسجن زجراً له ولأمثاله على حسب اجتهاد الحاكم.
والثاني: حق المغصوب منه، وهو أن يرد إليه ما غصبه، فإن كان المغصوب قائماً رده بعينه إليه وإن كان قد فات رد إليه مثله أو قيمته، وتعتبر القيمة في ذلك يوم الغصب لا يوم الرد.

مواقف العلماء
وترادف مع تلك الفتاوى مواقف شجاعة للعلماء في وجه من كانت تسول له نفسه – ولو كان أميراً – أن يستولي على أوقاف المسلمين أداء لواجب النصح لهم، ورغبة منهم في استمرار هذا الإرث الحضاري الذي بلغ أوجه في فترات مهمة من تاريخ المسلمين؛ حيث توسع الوقف وتنوع حتى تعدى الوقف على الإنسان إلى الوقف على أنواع من الطيور وعلى القطط بناء على قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في كل ذات كبد رطبة أجر»، وقوله: «ما من مسلم غرس غرساً فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له به صدقة».
وفي أحكام الأوقاف للخصاف: «أن رجلاً جعل أرضاً له صدقة موقوفة لله أبداً على قوم بأعيانهم، ثم من بعدهم على المساكين، ودفعها إلى رجل وولاه إياها فجحد الرجل المدفوع إليه الوقف ذلك وادعى أنه ملك له؟
قال: هو غاصب ويخرج الوقف من يده. قلت: أرأيت إن كان الواقف في الحياة؟ قال: هو الخصم في ذلك للذي الأرض في يديه والمطالب بها حتى يخرجها من يد الجاحد ويردّها إلى يده ويوليها من شاء في حياته وبعد وفاته. قلت: فإن كانت الأرض قد نقصت؟ قال: يضمن النقصان إذا كان ذلك بعد الجحود لأنه إنما يصير غاصباً لها بالجحود. قلت: وكذلك الدار يهدم منها شيء؟ قال: يضمن ذلك ويأخذه الواقف منه فيبني به ما تهدّم منها».
وقال الخصاف: «إن كان الواقف قد مات وقد كان ولي هذا الرجل القيام بأمر هذه الصدقة في حياته وبعد وفاته فجحد الوقف بعد وفاة الواقف وادعاها لنفسه؟ قال: هو غاصب منذ جحدها. قلت: فإن حضر أهل الوقف فطالبوه بها؟ قال: يجعل القاضي لها قيماً ويخرجها من يده إذا صح أمرها عنده ويدفعها إلى من يقوم بأمرها. قلت: فإن غصبها غاصب غير هذا من واليها؟ قال: ترد إلى يد واليها والقيم بأمرها ويضمن الغاصب ما نقصها وما تهدم من بناء الدار فيبني به ما تهدّم منها».
وفي (الإسعاف في أحكام الأوقاف) أفرد مؤلفه فصلاً في إنكار المتولي الوقف وفي غصب الآخرين إياه جاء فيه التفصيل على النحو التالي: «لو أنكر المتولي الوقف وادّعى أنه ملكه، يصير غاصباً له، ويخرج من يده لصيرورته خائناً بالإنكار. ثم إن كان الواقف حياً، فهو خصمه في إخراجه من يده، ثم هو بالخيار: إن شاء أبقاه في يد نفسه، وإن شاء دفعه إلى من يثق به وجعله والياً عليه.
ولو غصبها غير المتولي، ترد إليه، ويضمن الغاصب النقصان، ويصرف بدله في عمارتها، ولا يصرف لأهل الوقف، لكونه بدل العين التي وقع عليها عقد الوقف، وليس لهم فيها حق، فكذا فيما قام مقامها، وإنما حقهم في الغلة خاصة.
ولو هَدَمَ الغاصب منها بناءً وأدخل فيها جذوعاً وآجراً، ضمن ما انهدم منها، وأُمِّر بهدم ما بنى فيها، ولو كانت أرضاً وغرس فيها أشجاراً، أمر بقلعها، إن لم يضر الهدم والقلع بالوقف، وإن أضر به، بأن تخرب الدار وتنقص الأرض يرفعهما، لا يمكن منه، وضمن القيِّم له قيمتها مقلوعين، إن كان في يده من غلته ما يكفي للضمان، وإلا آجره وأعطى الضمان من الأجرة.
احتياج الدولة للأوقاف
وفي عام 789 هـ، جمع السلطان (برقوق) القضاة وشكا لهم أن الخزائن خالية من الأموال، والعدو زاحف على البلاد، وكانت قد وصلت إلى مصر أخبار زحف (تيمور لنك) قاصداً غزو الشام ودخول عساكره إلى مدينة الرها، وحاول (برقوق) أن يمد يده إلى أموال الأوقاف، فلم يوافقه على ذلك قاضي القضاة الشيخ سراج الدين البلقيني.
وفي عهد السلطان الملك الناصر (محمد بن قلاوون) شرع في التجهيز للمسير إلى الشام للثأر من جيوش التتار بقيادة (غازان) في ربيع الآخر سنة 699هـ/1300 م فاستدعى ابن دقيق العيد ليأخذ فتوى بأخذ الأموال من الرعية للنفقة على العساكر، فامتنع ابن دقيق العيد؛ فاحتج عليه بفتوى عز الدين بن عبد السلام للملك (قطز) بأن يأخذ من كل إنسان ديناراً، فقال: «لم يكتب ابن عبد السلام للملك المظفر (قطز) حتى أحضر سائر الأمراء ما في ملكهم من ذهب وفضة وحلي نسائهم وأولادهم، ورآه، وحلف كلا منهم أنه لا يملك سوى هذا، وكان ذلك غير كاف، فعندئذ كتب بأخذ الدينار من كل واحد.
وفي قصة أخرى نقلتها كتب التاريخ أن السلطان (برسباي) حاول الحصول على فتوى القضاة والعلماء بأخذ أموال الناس بما فيها أموال الأوقاف للاستعداد لقتال (شاه رخ بن تيمور لنك)، فجمع قضاة القضاة بين يديه في 13 ربيع الآخر 839هـ / 1436م وسألهم في أخذ الأموال، فكثر الكلام، وانفض المجلس من غير أن يفتوه بذلك.
وقيل إن بعض الفقهاء قال: «كيف نفتيه بأخذ أموال المسلمين وكان لبس زوجته يوم طهور ولدها الملك العزيز يوسف ما قيمته ثلاثون ألف دينار، وهي بدلة واحدة من إحدى نسائه، ولم يعرف القائل، ولكن أشيع في أفواه الناس أنه أحد الفقهاء».
ومما سبق نرى اجتهاد كثير من علماء الأمة والقضاة في مختلف العهود في مدافعة هؤلاء المعتدين، وتخليص الأوقاف منهم، ونزعها من تحت أيديهم، الذين لم يرضوا بالظلم، ومنهم من تضرر وبلغ الأمر أن فقد بعضهم حياته وهو يدافع عن الوقف.
لاتوجد تعليقات