العلاقة التكامليةبين العلم والدين
ديننا يدعو إلى حفظ الكليات الخمس: العقل والدين والمال والنفس والعرض، والحفظ يعني مراعاتها وعدم الإضرار بها
يتوجب على الباحث المسلم عدم الخوض في علوم حرمها الإسلام، أو تؤدي إلى الضرر بأحد مقاصد الشريعة الإسلامية
لقد كثرت العلوم وتشعبت في وقتنا الحالي، لكنها في مجملها تهدف إلى الوصول إلى رفاة الفرد وضمان استمرار الحياة، لكن الملاحظ والمؤسف هو عدم نبوغ المسلمين في هذه العلوم، فنجد أنفسنا ننتظر ما يجود علينا به غير المسلمين، وطبعا لا يعطوننا إلا ما يريدون أن يعطوه لنا، من أجل جعلنا تابعين لهم، وحتى نستشيرهم في ما يطرأ علينا من مشاكل ليوجدوا لنا حلولا بطرق علمية، ربما عرفها أباؤنا من المسلمين الأوائل قبل أن يعرفوها. فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى إعادة الهيبة للعلم حتى ندرك من سبقنا من الأمم.
إن الإسلام أمر بطلب العلم وحث على ذلك، ويشهد تاريخنا الإسلامي الزاهر بالمكانة التي وصل إليها العلم حين كانت باقي الأمم تعاني من ظلمات الجهل، بفضل ما وفره الدين الإسلامي من محفزات للعلم والعلماء، فوصل الأمر إلى أن يفد الطلبة من كل الأمم ليدرسوا العلوم في الدولة الإسلامية وتحديدا في الأندلس التي كانت مدنها حواضر العلوم في ذلك الزمن، وما نلاحظه اليوم من تدهور حال المسلمين يرجع بدرجة كبيرة إلى إهمال العلم، فالعلم؛ هو أساس قيام الدول في كل أنحاء العالم، وأمامنا الأمثلة كثيرة لدول اهتمت بالعلم فسادت العالم،ألسنا نحن أولى بتركة أجدادنا الذين كتبت أسماؤهم بماء الذهب على حائط العلوم؟ الجواب نعم أكيد، لكننا لم نصن التركة؛ فحدنا عن الدين وهو ما أبعدنا عن العلم؛ لأننا لو تعمقنا في ديننا وفهمنا مقاصد الشريعة الإسلامية الغراء فهما واضحا لتوجهنا مباشرة إلى العلم.
ديننا يدعو إلى حفظ الكليات الخمس: العقل والدين والمال والنفس والعرض، والحفظ يعني مراعاتها وعدم الإضرار بها، أليس حريا بنا إذا كنا نريد حفظ العقل أن نتعلم العلوم التي تعمل على تنميته وكماله؟ ونفس الأمر بالنسبة للدين، فصون الدين هو فهم علومه والتعمق فيها، وصيانة المال تتطلب معرفة الاقتصاد ليس بالمعنى الغربي الربوي، بل الاقتصاد الذي يعمل على زيادة أموال المسلمين وحفظها وصونها بطرق علمية مستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء.
أما صون النفس فيدعو إلى الاهتمام بعلم الطب الذي يحفظ الأجساد من الأسقام، ويساعد على زيادة مستوى الصحة العامة والقضاء على الأمراض وغيرها، من جانب آخر يدعو صون النفس إلى الاهتمام بعلم النفس الذي يدرس سلوكات الأفراد ويحللها ويعمل على البحث عن حلول للمشاكل النفسية التي تعترض الأفراد، وتقف كحجرة عثرة في سبيل اكتمال شخصياتهم ونموهم المتوازن، وصون العرض يحثنا على البحث في علم الاجتماع الذي يبحث في تنظيم العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع المسلم، والقضاء على الظواهر الاجتماعية المذمومة في هذا المجتمع.
حتى يحقق العلم النافع صون مقاصد الشريعة الإسلامية لابد أن يدرك أهله أنهم يؤدون رسالة عظيمة ويحققون هدفا ساميا، من جهة أخرى لابد على القائمين على أمر الدين وهم علماؤه أن يبينوا فضل هؤلاء العلماء، وأن يحثوا من يجد في نفسه القدرة على مساعدتهم أو الانضمام إليهم، كما أن الباحث المسلم يتميز عن غيره من الباحثين بعدة صفات من الممكن ان تؤثر في جودة نتائجه؛ حيث إنه يتقيد بضوابط الإسلام في منهج البحث، كما أنه يتميز بكونه يؤدي رسالة دينية ودنيوية في نفس الوقت، ولديه ما يستطيع أن يساعده على فهم العديد من العلوم وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .
كما يتوجب على الباحث المسلم عدم الخوض في علوم حرمها الإسلام، أو تؤدي إلى الضرر بأحد مقاصد الشريعة الإسلامية انطلاقا من حرص الدين على المحافظة على الفرد والمجتمع، وهذا ما يجنبه الولوج إلى مواضيع علوم لا نفع فيها وتؤدي إلى الضرر، فالبحث في علم يعود بالنفع والفائدة على الأمة والمجتمع يعد من أهم محفزات الباحث المسلم؛ فهو قبل كل شيء ينوي بعمله هذا ابتغاء وجه الله -تعالى- ومرضاته من خلال نفع المجتمع والأمة، كما أن له منزلة هامة في المجتمع تجعله مرموقا بين أفراده، فيحظى بالاحترام والتبجيل من كل أفراد المجتمع، وهو الأمر الذي يزيده إقبالا على البحث والعلم.
القرآن كتاب الله -تعالى- أنزله على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، منزله هو رب العالمين الذي خلق كل ما في الأكوان؛ فهو جل وعلا أدرى بكل علومها، فما على الباحث المسلم إلا الانطلاق من هذا الكتاب العظيم لحل ألغاز هذا الكون، فحل كل الإشكاليات التي تواجهها البشرية في شتى العلوم موجود في القرأن، لذا على الباحث مهما كان العلم الذي يبحث فيه أن ينطلق من كتاب الله، كما أن السنة النبوية تحمل هي الأخرى مراجع لشتى العلوم وتنتظر من يغوص فيها لاستخراج الدرر العلمية، فهذان الأمران هما أعظم ما يمتلكه الباحث المسلم دون غيره، لكن لا بد أن يعرف كيفية استنباط العلوم منهما.
لقد أثبتت الحقبة التي نعيشها حاجة أمتنا الإسلامية لشخصيات تجمع بين العلم والدين من أجل شغل مناصب مهمة في المجتمع، فالعالم الاقتصادي المسلم هو من يجد لنا حلولا للمشاكل المالية والاقتصادية التي تتخبط فيها الأمة، وتعمل على حلها باستيراد خطط اقتصادية تقوم على أساس سعر الفائدة المحرم في الإسلام، وعالم الدين لا يستطيع بمفرده حل هذه المشاكل مالم يكن هناك من يعرف أصول الاقتصاد، كما أن عالم الاقتصاد لا يدرك العديد من المسائل الفقهية، فهنا الضرورة تدعو لوجود شخص واحد يجمع بين العلم الاقتصادي والديني، وهو الذي سيوفر كثيرا من الجهد على الأمة، نفس الأمر بالنسبة لعالم الطب وعالم الاجتماع وغيرها من العلوم، فكلما كان هناك من يجمع بين الدين وعلم آخر سد ثغرا من ثغور المسلمين. وإذا تأملنا في ماضي أسلافنا لوجدنا أن كل من نبغوا في الرياضيات والفلسفة وعلم الاجتماع والطب وغيرها كانوا علماء دين أيضا، فهذا هو التكامل بين العلم والدين، حتى نصل بالأمة إلى أرقى المراتب؛ لنلحق من سبقنا من ركب الأمم.
إن العلاقة بين العلم والدين علاقة تكاملية في الإسلام، كيف لا؟ وهو الذي يدعو إلى طلب العلم والحث عليه،انطلاقا من هذا المبدأ توجب -علينا ونحن ندين بهذا الدين الحنيف-أن نشمر عن سواعدنا في طلب العلم النافع، جاعلين قاعدة انطلاقنا من قرأن ربنا وسنة نبيه الغراء، وعلى كل فرد في المجتمع تحمل مسؤولياته كاملة تجاه العلم من أجل إرجاعه إلى المكانة التي أعطاها له الإسلام، وجعله وسيلة بناء المجتمع الإسلامي الحديث القائم على علماء يجمعون بين العلم والدين.
لاتوجد تعليقات