رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: اللجنة العلمية في الفرقان 28 يناير، 2026 0 تعليق

العقيدة الصحيحة .. سرُّ نهضة الأمة وحضارتها

  • جمعت العقيدة الإسلامية بين الثبات في الأصول والمرونة في الوسائل ففتحت باب الاجتهاد فيما يخدم الدين والإنسان دون أن تجعل العقيدة عرضة للتغيير أو التحريف
  •  الزعم بأن العقيدة الإسلامية سبب تخلّف المسلمين دعوى مجردة عن البرهان وتناقض صحيح التاريخ وتكذّبها سنن الاجتماع البشري
  •  نصوص القرآن والسُنَّة تؤكد أن الإسلام دعا إلى التفكير والتدبر والنظر في الكون ومحاربة التقليد الأعمى وأن ثبات العقيدة في أصولها لا يعني جمودها
  •  شهادات كبار مفكري الغرب وفلاسفته بسمو العقيدة الإسلامية وبراءتها من معوقات التقدم يُسقط دعوى الخصوم من داخل الأمة قبل خارجها
  •  استمرار دخول الملايين في الإسلام قديمًا وحديثًا دليل قاطع على أن العقيدة الإسلامية تخاطب الفطرة والعقل وتملك من المرونة والعمق ما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان
  •  أثبتت التجربة الإسلامية أن ما حققه المسلمون من قوة وانتشار وعمران إنما كان ثمرة التمسك بالعقيدة لا الانفصال عنها
  •  أكدت النصوص الشرعية أن العمل ركن من أركان الإيمان العملي وأن التوكل الصحيح لا يناقض السعي وأن التخلف ليس ثمرة الالتزام بالدين بل نتيجة البعد عن فهمه الصحيح

يزعم بعض المشككين أنَّ العقيدة الإسلاميَّة عقيدة جامدة تعوق المسلمين عن التقدم، بزعم أنها تُحكِم سلطانها على تفاصيل الحياة، حتى أورثت الأمة -زعموا- ضعفًا وتخلفًا؛ فأصبحت في ذيل الركب الحضاري للإنسانية بسبب تمسكها بعقيدة متحجرة! وهذه دعوى باطلة لا يقرّها عقل سليم، ولا يشهد لها تاريخ، ولا يعضدها واقع. فكيف يسوغ العقل أن يكون الجمود سببًا في نهضة أمَّة أقامت في سنوات معدودة حضارة عريقة، وبسطت سلطانها على مشارق الأرض ومغاربها، وهي تدين بهذه العقيدة نفسها؟! قال -تعالى-: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: 110)، وكيف يُتَّهم دين بالتحجر، وقد دخل فيه الملايين عبر القرون، ولا يزال ينتشر في الآفاق، لا بقهر ولا بإغراء، بل بقوة حجته وسموّ معانيه.

       وقد شهد المنصفون من مفكري الغرب وفلاسفته للإسلام بسمو عقيدته، وشرف مقاصده، وبعد غاياته، وكفايته التامة لحاجات الإنسان الروحية والمادية، في كل زمان ومكان؛ شهادة علم وبحث، لا عاطفة ولا تقليد، أما القرآن الكريم، الذي هو مصدر هذه العقيدة، فإنه ينفي دعوى الجمود من أصلها؛ إذ يمتلئ دعوةً إلى السير في الأرض، والنظر والتدبر، وإعمال العقل، ومحاربة الظن والوهم والتقليد الأعمى، قال -تعالى-: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} (العنكبوت: 20)، وقال سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد: 24)، فأيُّ عقيدة هذه التي تُتَّهَم بالتحجر، وهي التي أطلقت العقل، وحررت الإنسان، وبنت حضارة، وأحيت أمة، ولا تزال تهدي القلوب والعقول إلى سواء السبيل؟

أولا: تمسكُ المسلمين بعقيدتهم

        لا ينكر المنصفون أن المسلمين أقاموا دولة عظيمة، وبسطوا سلطانهم على مساحات شاسعة من الأرض، وحافظوا على حضارتهم قرونًا متطاولة، فكيف أمكنهم تشييد هذا البناء الحضاري الهائل، وهم -بزعم المشككين- يدينون بعقائد جامدة تُفضي إلى الضعف والتخلف؟! إن الأمَّة العربيَّة عاشت آلافا من السنين على الحالة القبلية، ثم تحولت في سنين معدودة - بفضل الإسلام - إلى أمَّة شديدة التماسك قوية الترابط، فنهضت نهضة قوية تبني بها لنفسها حضارة عظيمة على مدى التاريخ. إن أمَّة كانت على تلك الحال من التفكك، ثم آلت إلى ما آلت إليه في سنين معدودة، وتغلبت على أمم كانت على جانب عظيم من النظام الاجتماعي المدني، لا يعقل أن تكون قد وصلت إلى هذا المستوى الرفيع وهي مجردة من أصول قوية ومبادئ قويمة.

ثانيا: دخول الملايين في الإسلام

       إنَّ دخول مئات الملايين في الإسلام، واستمرار انتشاره في مختلف بقاع الأرض، دون إغراء مادي أو ضغط معنوي، بل في كثير من الأحيان في بيئات معادية له، لهو شاهد قوي على حيوية هذا الدين وسمو عقيدته، وإن ساغ لهؤلاء أن يقولوا: إن الذين دخلوا في الإسلام طوائف من أمم ليست على درجة من الثقافة تجعلها تميز بين الغث والسمين، قلنا: فما ظنكم بالأوربيين وقد دخل فيه الآلاف منهم؟

ثالثا: شهادة المنصفين من مفكري الغرب

        إنَّ المنصفين من مفكري الغرب يعرفون فضل الإسلام ويقدرونه قدره، ومنهم طائفة من كبار الفلاسفة والمفكرين من أمثال: (كارلايل، وجوته، ولامرتين وبرنارد شو، وسديو، وغوستاف لوبون، وجارودي)، وعدد كبير لا يحصى، قد شهدوا للإسلام بسمو العقائد، وصحة الأصول، وشرف المقاصد، ونبل الغايات، والكفاية التامة بحاجات العالم الإنساني الروحية والمادية في كل زمان ومكان.

(موريس بوكاى)

      قال موريس بوكاى: إنه أصيب بدهشة بالغة عندما تفرغ لدراسة القرآن باللغة العربية؛ فاكتشف إشارات وحقائق علمية لم يكن يتوقع أن يجدها في كتاب ديني أنزل منذ أربعة عشر قرنا، وقال أيضا: إن القرآن ليس في آياته إشارة واحدة يمكن نقضها في ضوء مناهج العلم الحديث وقوانينه.

(روجيه جاردوى)

        وقال روجيه جاردوى: «إن القرآن يرفع شأن العلماء، ويشجع على طلب العلم»، كما يؤكد «أن المسلمين أسسوا نهضة علمية كبرى شملت جميع العلوم»، ويقول أيضا: «إن الإسلام قوة روحية عظيمة للإصلاح والتقدم في المستقبل كما كان دائما»، ويرى جارودي «أن وضع المرأة في الإسلام هو الوضع الأمثل؛ فقد رفع الظلم عنها، وساوى بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات، وصان المرأة وحافظ على كرامتها»، ويقول: «إن الاقتصاد الإسلامي يقوم على مبادئ، مثل: التوازن في توزيع الدخل، وتحريم الاحتكار، وجعل الملكية الفردية لصالح الفرد والجماعة، واعتبار السوق وسيلة وليس غاية».

(ماركوس فولاند)

       ويقول ماركوس فولاند: «إنه ليس في الإسلام شىء متأصل في كيانات المجتمعات الإسلامية يجعلها عاجزة عن الأداء الاقتصادي بمفاهيمه الحديثة، والإسلام -في حقيقته- يحفز المؤمنين على الإيجابية، والأمير (تشارلز) يقرر أن المشكلة ليست فقط في وجود قدر كبير من سوء الفهم في الغرب لطبيعة الإسلام، ولكن هناك أيضا قدر كبير من الجهل بفضل الثقافة والحضارة الإسلامية على الغرب».

رابعا: القرآن يؤكد إعمال العقل

       إنَّ القرآن الكريم يدعو صراحة إلى النظر والتفكر، والسير في الأرض، وإعمال العقل، ومحاربة الظن والتقليد الأعمى، وثبات العقيدة الإسلامية لا يعني الجمود، بل يعني الاستقرار على الحق، فالثبات في الأصول صفة كمال، لا نقص؛ إذ لا تستقيم منظومة فكرية أو أخلاقية بلا مرتكزات ثابتة، ومن هنا كانت عقيدة الإسلام محفوظة من التغيير والتحريف، لا تخضع لأهواء المجامع أو ضغوط الواقع، ومع هذا الثبات، فتح الإسلام باب الاجتهاد في الوسائل والأساليب مادامت جائزة شرعًا، وشجع على الاستفادة من الخبرات الإنسانية في تقديم العقيدة، والدفاع عنها، ونشرها بما يناسب كل عصر؛ بل إننا نجد القرآن الكريم يستنكر تغيير الدين أو الزيادة عليه، والقول على الله بغير علم، يقول الله -تعالى-: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ} (البقرة: 79)، ومن ثم لم تكن العقيدة الإسلامية نهبًا للمجامع الدينية التي ظهرت في الأديان الأخرى، تقول فيها رأيها، فتضيف أو تحذف بحسب الأهواء والأغراض والمتغيرات التي لا تتوقف عند حدّ.

خامسا: الإسلام دين العمل والاجتهاد

         إن نصوص القرآن والسُنَّة حافلة بالدعوة إلى العمل والإتقان، وقد تكرر ذكر العمل ومشتقاته في القرآن عشرات المرات، وغالبًا ما يُقرن بالإيمان والصلاح وفي السُنَّة النبويَّة أحاديث كثيرة تحث على العمل، وتربط بين الكسب الشريف والعبادة، كما جسد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك عمليا في حياته؛ فعمل، وتاجر، ورعى، وشارك أصحابه في شؤونهم، وضرب أروع الأمثلة في الجمع بين التوكل والسعي، والتوكل الصحيح لا يعني ترك العمل، بل بذل الجهد مع تفويض النتائج إلى الله، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله ؛ لرزقكم كما يرزق الطيرَ تغدوا خماصًا وتروح بطانًا»، هذا فضلاً عن النصوص الأخرى التي تفيد معنى العمل، «ما أكَلَ أحَدٌ طَعامًا قَطُّ، خَيْرًا مِن أنْ يَأْكُلَ مِن عَمَلِ يَدِهِ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ داوُدَ عليه السَّلامُ، كانَ يَأْكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ يحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه»، وأغلب ألفاظ العمل مقرونة بوصف الصلاح، فكيف يصفون الإسلام بأنه يدعو أتباعه إلى التواكل؟! من هنا فإن الإسلام بعيد كل العبد عن التواكل، والمتواكلون لا يعبرون عن الإسلام وتعاليمه، ولو علَّم الإسلام أتباعه التواكل لما فتحوا الممالك وملكوا الدنيا، ولا أقاموا حضارة، وبرعوا في علوم الدنيا والدين، وعلموا البشرية العلوم والصناعات والعمران.

التاريخ خير شاهد

       لقد كان التاريخ خير شاهد على أنَّ الإسلام مع حرصه الشديد على صيانة العقيدة، وأصولها من أيدي العابثين ودعاة التطوير والتغيير، فإنه لم يمنع من الاستفادة من الخبرات العقلية، والعلمية، والفكرية في نصرة عقائده الدينية وتقديمها بالصورة اللائقة والمناسبة لكل عصر وللروح العلمية السائدة فيه، ولا شك أن الوسائل المتاحة في عصرنا تختلف كثيرا عما كان في عصور مضت، ومن ثم فليس هناك من حرج في تطوير تلك الوسائل والاستفادة من الإمكانات الحديثة؛ لبيان وتثبيت دعائمها وتأكيد صحتها.

العقيدة صنعت حضارة عريقة

        إن العقيدة التي صنعت حضارة عريقة، وقادت العرب إلى سيادة العالم علمًا وعدلًا وعمرانًا لا يمكن أن تكون يومًا سببًا في التخلف أو العجز، وإن دينًا حرّر الإنسان من عبودية البشر، وأطلق العقل من قيود الوهم، وربط الأرض بالسماء، لا يجوز أن يُحاكم بأخطاء أتباعه، ولا أن يُدان بضعف المنتسبين إليه، فأزمة المسلمين اليوم ليست في عقيدتهم، بل في البعد عنها فهمًا وعملاً، وفي تحويلها من منهج حياة إلى شعارات مجرّدة، ومن قوة دافعة للبناء إلى تراث يُتلى دون أثر، وحين تعود العقيدة إلى موقعها الصحيح: إيمانًا واعيًا، وعقلاً مفكرًا، وعملاً منتجًا، وسلوكًا مستقيمًا؛ تعود الأمة إلى دورها، وتستأنف مسيرتها، وتنهض من جديد، وستبقى الحقيقة ثابتة لا تتغير: أن العقيدة الإسلامية كانت ولا تزال سرّ نهضة الأمة، ومفتاح حضارتها، وبوصلة عودتها سالف عزها ومجدها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك