رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عماد عطية 29 يناير، 2026 0 تعليق

الطُّهُورُ بَيْنَ الغَفْلَةِ وَالبَصِيرَة

  • القلب هو الملك والجوارح جنوده فكيف يستقيم الظاهر؟ والقلب ملوّث بالحسد أو مشحون بالكِبر أو أسيرٌ للرياء أو متعلّق بالدنيا
  •  إذا طَهُر القلب، سكنت فيه الطمأنينة، وانشرح للحق صدره، وصار يزن الأمور بميزان الآخرة فالإيمان لا يستقر في قلبٍ مزدحم بالأكدار
  • يبلغ الطهور معناه الأكمل حين يتخلص القلب من التعلّق بغير الله ويُفرِدُ الله بالمحبّة والخوف والرجاء فلا يشهد العبد إلا ربّه ولا يقصد إلا وجهه ولا يتحرّك إلا به

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ» ليس الطُّهُورُ في منطوق هذا الحديث حكمًا فقهيًّا يُحصر في أبواب المياه والوضوء، وأنه عمل الجوارح فحسب -كما يظنّ كثير من الناس- ماءٌ يُصبّ، وأعضاء تُغسل، وأثرٌ يُزال، بل هو مشروعُ حياة، وصلاح قلب، ومنهجُ تطهيرٍ شامل، يبدأ من ظاهر الإنسان ولا ينتهي إلا عند جوهره، فهو مفتاحٌ عظيمٌ لفهم حقيقة الإيمان، وبوابةٌ واسعةٌ ندخل منها إلى تزكية النفس؛ حيثُ يتدرّجُ العبدُ في مدارج النقاء، -ظاهرًا وباطنًا، جسدًا وروحًا-، حتى يبلغ غاية القرب من الله -تعالى-.

المرتبة الأولى: البداية الضرورية تطهير الظاهر

       أولى مراتب الطهارة: تطهير الظاهر من الأحداث، وهي الطهارة التي لا يستغني عنها مسلم؛ إذ بها تصحّ الصلاة، وتتهيّأ الجوارح للوقوف بين يدي الله في هيئةٍ تليق بجلال الموقف، كما أنها تربية للنفس على الانضباط، وتعويد لها على احترام شعائر الله، غير إن هذه المرتبة -على جلال قدرها- ليست إلا العتبة الأولى في سلّم الطهور، فمن ظنّ أن الإيمان يكتمل عندها، فقد وقف عند الظاهر، وغفل عن الجوهر.

المرتبة الثانية: تطهير الجوارح سلوكٌ واستقامة

       ثم تأتي المرتبة الثانية: تطهير الجوارح من الذنوب والآثام؛ فإن من تأمّل حكمة التشريع أدرك أن الله لم يشرع الطهارة ليغسل الأجساد، وإنما ليطهر القلوب، فحين يغسل يديه، كأنه يتبرأ مما علِق بهما من زللٍ أو تفريط.

وحين يغسل العبد وجهه، كأنما يُزاح عن بصيرته غبار الغفلة، وحين يمسح رأسه، كأنه يجدّد عهده مع الله، ويستحضر مراقبته.

وحين يغسل قدميه، كأنه يسأل ربّه أن يثبّت خطاه على طريقه.

وهكذا تتحوّل الطهارة من فعلٍ متكرر إلى حالٍ مقيم، ومن عادةٍ يومية إلى طاعة خفية.

         فإن الشريعة -وهي تُلزِم العبد بتطهير ظاهره- تفتح له باب التفكر في باطنه، وكأنها تقول له : إن من اعتاد أن يغسل جسده من الأوساخ، كيف لا يَسهُل عليه أن يغسل نفسه من الآثام ؟! وإن من حافظ على نظافة بدنه، فعليه أن يستحيي أن يدنس جوارحه بالرذيلة، وبهذا تصبح الطهارة الظاهرة سُلّمًا إلى الطهارة الباطنة، ومفتاحًا لنصف الإيمان الآخر.

المرتبة الثالثة: تطهير القلب جوهر الإيمان

  •  وأما المرتبة الثالثة فهي تطهير القلب من الأخلاق المذمومة والرذائل الممقوتة، وهنا يدخل العبد إلى قلب الإيمان ولبّه؛ لأن القلب هو الملك، والجوارح جنوده، فكيف يستقيم الظاهر وقلبُه ملوّث بالحسد، أو مشحون بالكِبر، أو أسيرٌ للرياء، أو متعلّق بالدنيا؟!

        إن طهارة الباطن هي الأصل، وهي الميزان الحقيقي، طهارة من الكِبر الذي يُفسد العمل، ومن العُجب الذي يُفسد القصد، ومن الرياء الذي يُطفئ نور الإخلاص، ومن الغفلة التي تُميت القلب وهو حيّ.

        هذه الطهارة هي معركة الداخل؛ حيثُ يُغسَل القلب بماء المجاهدة، وتُزال عنه أدران الشهوات والشبهات، ويُصفّى ليكون موضع نظر الله؛ فإن الله لا ينظر إلى صورنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا.

المرتبة الرابعة: تطهير السِّرّ الغاية القصوى

        ثم تأتي المرتبة العليا، والغاية القصوى: وهي تطهير السِّرّ عمّا سوى الله -تعالى-. وهي طهارة الخواصّ، وأهل البصائر، الذين لم يكتفوا بسلامة الظاهر، ولا باستقامة الجوارح، ولا حتى بصفاء القلب من الرذائل، بل تطلّعوا إلى ألا يبقى في سرائرهم إلا حب الله-تعالى-.

        وهنا يبلغ الطهور معناه الأكمل؛ حيثُ ينخلع القلب من التعلّق بغير الله، ويُفرِدُ الله بالمحبّة والخوف والرجاء، فلا يشهد العبد إلا ربّه، ولا يقصد إلا وجهه، ولا يتحرّك إلا به.

بين الفهم القاصر والبصيرة النافذة

        إن من عميت بصيرته فهو لم يفهم من الطهارة إلا مرتبتها الأولى، فهو يستهلك عمره في المبالغة في الطهارة، وتكرار غسل الثياب، ، ظانًّا أن هذا هو الطهور الذي يُرضي الله، غافلًا عن قلبٍ لم يُطهَّر، ونفسٍ لم تُزكَّ، وأخلاقٍ لم تُهذَّب، أما سير المتقدمين، فقد كان عكس ذلك؛ حيث كانوا يحرصون على سلامة الظاهر، لكنهم يستغرقون أعمارهم في تطهير القلوب، ويجاهدون أنفسهم في إصلاح السرائر؛ لأنهم أدركوا أن الطهور شطر الإيمان، وأن الشطر الأعظم منه هو ما كان لله وفي الله.

الطهارة حياة القلوب

        وهكذا ندرك أن الطهارة ليست هامشًا في الدين، ولا تفصيلًا ثانويًا، بل هي أساس متين، وبداية طريق، ونصف إيمان، ومقدّمةٌ للحياة مع الله، وبدايةُ السير إليه، فمن ضيّعها فقد أضاع كثيرًا، ومن أحسنها ظاهرًا وباطنًا، فقد أمسك بمفتاح عظيم من مفاتيح القرب من الله.

         كما إن الطهارة دعوةٌ إلى الارتقاء، ومنهجٌ لبناء الإنسان المؤمن، من الجسد إلى القلب، ومن الظاهر إلى الجوهر، حتى يلقى العبد ربَّه وقد طَهُر كلُّه، ظاهرًا وباطنًا، سرًّا وعلانية.

فإذا طَهُر القلب، سكنت فيه الطمأنينة، وانشرح للحق صدره، وصار يزن الأمور بميزان الآخرة.

وهنا يفهم العبد سرّ اقتران الطهارة بالإيمان؛ لأن الإيمان لا يستقر في قلبٍ مزدحم بالأكدار، ولا يثبت في نفسٍ لم تتخفف من أثقالها.

ولا ترجو إلا رضاك.

حقيقة الطهارة ومقاصدها الإيمانية

        يفتح هذا الحديث النبوي أفقًا إيمانيًّا واسعًا، يخرج الطهارة من ضيق الممارسة إلى سَعة المقصد، ويربط بين نقاء الظاهر وصفاء الباطن، مؤكّدًا أن الدين لا يقوم على مظاهر خاوية، ولا على دعاوى مجرّدة، بل على تطهيرٍ متكاملٍ يصنع الإنسان الربّاني، الذي يعبد الله بجوارحه، ويقصده بقلبه، ويخلص له سرًّا وعلانية. قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}.

طهارة الظاهر أصل لا يُستغنى عنه

        ومع ذلك، تبقى طهارة الظاهر أصلًا لا يُستغنى عنه وبدايةً لا يصحّ تجاوزها؛ إذ لا يُرجى صفاء الباطن مع إهمال الجسد، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان»، فدلّ على أن الطهارة ليست إجراءً شكليًّا، بل ركنًا مؤسِّسًا في بناء الإيمان؛ فإذا أحسن العبد هذه البداية، وأدرك مقصدها، تحوّلت الطهارة في حياته إلى منهجٍ دائم، لا مجرّد استعدادٍ عابر للعبادة، وعندئذٍ يظهر أثرها في السلوك؛ فتُهذَّب الجوارح، فالعين تطهُر بغضّها، واللسان يزكو بحفظه، واليد تسمو بكفّها عن الحرام، والقدم تجتنب مواطن الزلل. وإذا صلحت الجوارح، ألف القلب الطاعة واستقام، تحقيقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة... ألا وهي القلب». أما تطهير النفس، فهو جهاد خفيّ لا يطّلع عليه الخلق، لكنه عند الله عظيم الشأن؛ إذ به تزكو القلوب وتستقيم النيّات، قال -تعالى-: }قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا{. فإذا طَهُر القلب، استقام العمل ظاهرًا وباطنًا، وصار خالصًا مقبولًا.

      وهكذا يتبيّن لنا أن الطهارة غير مقتصرة فقط على الطهارة الظاهرة، بل طريقٌ إلى مقاصدها العميقة، تُثمر طمأنينةً وخشيةً واستقامة؛ فهي مسار حياةٍ  يُجدَّد مع كل عبادة، وبها يسمو الإيمان من معرفةٍ ذهنيّة إلى حالٍ حيٍّ يسري في السلوك؛ فطوبى لمن جعل الطهارة منهج عمره، وسلّم قلبه لله نقيًّا، ليحيا بها في الدنيا، ويُبعث عليها يوم يلقى الله.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك