رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عبدالرحمن الجيران 3 فبراير، 2026 0 تعليق

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. العشرون من شُعب الإيمان – الطهارات

  •  إذا كانت الطهارة شعار المجتمع صار محلا لكل فضيلة وانمحت عنه كل رذيلة
  • الصلاة ركن من أركان الإسلام وشرط صحتها الطهارة وذلك بالوضوء ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن
  •  الطهارة هي من العهد الذي أخذه الله تعالى على بني آدم وقد وصف الله تعالى المتطهرين ظاهرًا وباطنًا بأنهم رجال
  •  المسلم يسعى للطهارة لعلمه أن الله تعالى يحب التوابين ويحبّ المتطهرين

إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.

        العشرون من شُعب الإيمان: الطهارات، لقوله -تعالى-: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (المائدة: 6)، ولحديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - في صحيح مسلم: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وسبحان الله والله أكبر تملآن أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا»، ولحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في صحيح مسلم أيضًا: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ»، ولحديث حسن عن أبي كبشة السلولي عن ثوبان - رضي الله عنه -: «اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ»، روى الحليمي عن يحيى بن آدم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» لأن الله -تعالى- سمى الصلاة إيمانًا، فقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (البقرة: 143) أيْ صلاتكم إلى بيت المقدس، ولا تجوز الصلاة إلا بالوضوء، فهما شيئان، كل واحد منهما نصف الآخر.

المعنى الإجمالي

       الطهارة الظاهرة مما دعت إليه الشريعة الإسلامية، وبها تكمل طهارة المسلم الباطنة والظاهرة، وبها يتميز عن الكافر والمنافق، وهي من شعب الإيمان، سواء كانت حسية أو معنوية، كما أنها من دلائل الإيمان السليم.

من شُعب الإيمان الطهارات

  •  قوله: (من شُعب الإيمان الطهارات): فإنها جعلت نصف الإيمان الحقيقي، باعتبار أنها طهارة عن الشرك، وأنها طهارة عن الأحداث، فهما طهارتان إحداهما تختص بالباطن، والأخرى بالظاهر، فما أعظمها من فضيلة؛ حيث جعلت نصف الإيمان الذي هو السبب في سعادة الدارين. في صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الطهور شطر الإيمان».

المراد بالإيمان

       واختلف بالمراد بالإيمان في هذا الحديث: «فقيل: المراد به الصلاة، فإن الإيمان يطلق عليها، قال الله -تعالى-: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (البقرة: 143) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وقيل: المراد به معناه الحقيقي، وهو المقابل للكفر، وعلى المعنيين فيه دلالة على فضل الوضوء، بل على فضل مطلق الطهارة، أما على الأول فإنها جعلت نصف الصلاة التي هي أفضل العبادات البدنية.

تعريف الطهارة

       الطهارة: مصدر: طهر الشيء، وطهر خلاف نجس، والطهر خلاف الحيض، والتطهير: الاغتسال، يقال: طهُرتْ: إذا انقطع عنها الدم، والطَّهُور بالفتح مصدر بمعنى التطهير، ومنه (مفتاح الصلاة الطهور)، واسم لما يتطهر به كالسحور والفطور والقطوع، وصفه في قوله -تعالى-: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} (الفرقان: 48). كذا في المغرب. وفيه ما حكي عن ثعلب: (أن الطهور ما كان طاهرًا في نفسه مطهرا لغيره).

ولغة هي: (النظافة وخِلافها الدّنس، وشرعًا: النظافة المخصوصة المتنوعة إلى وضوء وغسل وتيمم وغسل البدن والثوب ونحوه).

العهد الذي بين العبد وربه

  •  قوله: لقوله -تعالى-:{إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (المائدة: 6)، «هناك عهدان بين العبد وربه: عهد الربوبية، وعهد الطاعة، وبعد أن وفى -تعالى- للعبد بالعهد الأول، فبين له الحلال والحرام في الطعام والزواج، طلب من العباد الوفاء بالعهد الثاني، وهو عهد الطاعة، وأعظم الطاعة بعد الإيمان الصلاة، والصلاة لا تصح إلا بالطهارة، فذكر فرائض الوضوء، ثم ذكّرنا بوجوب الوفاء بالعهد والميثاق، وهو السمع والطاعة لله ولرسوله. روى أبو داود الطيالسي وأحمد والبيهقي عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور».

       وبعبارة أخرى: للإنسان شهوات فطرية تنحصر في المطعومات والمناكحات، له الحق في التمتع بها بنظام، وعليه واجبات يلزمه أداؤها. وبعد أن بيّن -تعالى- للإنسان ما أحله له وما حرمه عليه من المطاعم والمناكح، شرع في بيان ما يجب عليه أداؤه لله -تعالى-، شكرًا له على ما أنعم به عليه، فمضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع، وفيما ذكر من إتمام النعمة ومنها رخصة التيمم».

الطهور شطر الإيمان

  •  قوله: قال - صلى الله عليه وسلم -: «الطهور شَطْر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والله أكبر تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها».

       قال النووي: «هَذَا حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى مُهِمَّاتٍ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، فَأَمَّا الطُّهُورُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْفِعْلُ، فَهُوَ مَضْمُومُ الطَّاءِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَصْلُ الشَّطْرِ النِّصْفُ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: الطهور شطر الْإِيمَانِ، فَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجْرَ فِيهِ يَنْتَهِي تَضْعِيفُهُ إِلَى نِصْفِ أَجْرِ الْإِيمَانِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْخَطَايَا وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ، فَصَارَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِيمَانِ فِي مَعْنَى الشَّطْرِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا الصَّلَاةُ كَمَا قَالَ اللهُ -تعالى-: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} (البقرة: 143), وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَصَارَتْ كَالشَّطْرِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِي الشَّطْرِ أَنْ يَكُونَ نِصْفًا حَقِيقِيًّا، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ».

  •  قوله: قال -صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله تعالى صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول»، قال الإمام النووي: «هَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَقَدْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ».

       قوله: ولحديث حسن عن أبي كبشة السلولي عن ثوبان - رضي الله عنه -: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، قال أبوالوليد الباجي: «يُرِيدُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُدِيمُ فِعْلَهُ بِالْمَكَارِه وَغَيْرِهَا مُنَافِقٌ، وَلَا يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا مُؤْمِنٌ».

من فوائد الطهارة

      «أن المتوضئ يحبه الله كما يحب التائب، قال الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 222)  بالماء من الأحداث والنجاسات، وقال -تعالى-: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (التوبة: 108). ومنها: أنها مفتاح الصلاة، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مفتاح الصلاة الطهور».

       ومنها: أنها مكفرة للذنوب والخطايا ورافعة للدرجات، في صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط». ومعنى: (إسباغ الوضوء على المكاره) إتمامه في شدة البرد.

معنى قوله: (فذلكم الرباط)

فائدة: ذكر أهل العلم في معنى قوله: (فذلكم الرباط) وجهين:

- أحدهما: أنه شبه الذي يتوضأ في شدة البرد، ويكثر الذهاب إلى المسجد، وينتظر الصلاة بعد الصلاة في الأجر بالمرابط في سبيل الله قبالة أعدائه.

- والثاني: أنه رباط صاحبه عن إثم الخطيئة، فكأنه عقله عنها بفعله.

       في صحيح مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره»، إذا أراد العبد العاصي أن يتوب إلى الله -تعالى- فينبغي له أن يتوضأ قبلها، ويأتي بأركان التوبة، ويصلي ركعتين، فقد نص علماؤنا الشافعية على استحباب ركعتين عند التوبة، لخبر رواه الترمذي وحسنه: «ليس عبد يذنب ذنبًا فيقوم فيتوضأ يصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له».

فوائد الطهارة

  •  المحافظة على الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
  •  إذا كانت الطهارة شعار المجتمع صار محلًا لكل فضيلة، وانمحت عنه كل رذيلة.
  •  القلب المتطهر مهيأ لكل فضيلة وخير.
  •  الطهارة هي من العهد الذي أخذه الله -تعالى- على بني آدم.
  •  وصف الله -تعالى- المتطهرين ظاهرًا وباطنًا بأنهم رجال.

معاني المفردات

  •  الطهور: الوضوء.
  •  شطر: نصْف.
  •  الميزان: هو الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة.
  •  برهان: دليل.
  •  الصبر: حبس النفس على المكروه.
  •  يغدو: يروح.
  •  معتقها: أي مخلّصها من نار جهنم.
  •  موبقها: أي مدخلها النار.

أثر الطهارة على سلوك المسلم

  •  المسلم يحرص على إتمام طهارته بالمحافظة على سُنن الفطرة، ومنها: الاستحداد والختان، وقصّ الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، وإعفاء اللحية، والسواك، وغسل عقد الأصابع، والاستنجاء.
  •  المسلم يتجنب النجاسات، ويسعى لتطهيرها إذا أصابت ثوبه أو جسده، أو تقليلها إذا لم يمكن الاحتراز منها، مثل: الحيض والنفاس.
  •  الطهارة الظاهرة والباطنة لها صلة بسلوك الإنسان وعمله.
  •  المسلم يسعى للطهارة بعلمه، فإن الله تعالى - يحب التوابين ويحب المتطهرين.
  •  الصلاة ركن من أركان الإسلام، وشرط صحتها الطهارة، وذلك بالوضوء، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك