الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ – صلى الله عليه وسلم – مصلحة الدين لا تتمّ إلا إذا اقترنت النصرة بسلطان العِلم والحجّة الحلقة السابعة
ما زال الحديث مستمرًا حول الضَوابِط الشَّرعِيَة في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرنا أن النُّصرة الشرعية الممدوحة لا تتحقق على أرض الواقع إلا بوجودِ الضوابط الشرعية، والوقوف على المقاصد الدينية، واستخراج الأحكام من الأدلة الصحيحة، واستظهار النتائج من المقدمات العلمية، والاتصاف بالتوسط الشرعي في الأقوال والأعمالِ، وأن يكون التعامل مع الأحداث خارجاً مخرج الصدق والديانة والأمانة، من هنا صار الكلام في ضوابط الدفاع عن نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم .
الضابط الرابع ألا يعتدي المدافع في دفعه
أَذِن الشرعُ للمؤمنين أن ينتصروا لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - بكل سبيلٍ شرعيٍّ، وأوجب عليهم ذلك ورغبهم فيه، لكن من غير تجاوز للحد المشروع ؛ إذ لا يجوز مقابلة الظلم بالظلم، والفساد بالفساد، والبدعة بالبدعة ؛ فالمؤمنون قد أُمروا - إذا أرادوا الدفاع عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - بالعدل لا بالظلم، وبالحقّ لا بالباطل، وبالصلاح لا بالفساد، وبالسنة لا بالبدعة.
قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}. (الشُّورى: 39-43).
قال الإمام الطبري -رحمه الله: «وقوله -تعالى-: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ}، يقول -تبارك وتعالى-: إنما الطريق لكم أيها الناس على الذين يتعدّون على الناس ظلماً وعدواناً، بأن يعاقبوهم بظلمهم لا على من انتصر ممن ظلمه، فأخذ منه حقه».
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «وذلك أن المظلوم وإن كان مأذوناً له في دفع الظلم عنه بقوله -تعالى- {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ}، فذلك مشروط بشرطين:
- أحدهما: القدرة على ذلك.
- والثاني: ألا يعتدي.
فإذا كان عاجزًا، أو كان الانتصار يفضي إلى عدوان زائد لم يجز».
طعن أعداء الدين في النبي - صلى الله عليه وسلم
وعندما يبدأ أعداء الدين بالطعن في نبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - بالشتم والسخرية والاستهزاء والانتقاص تثور ثائرة المسلمين بعد أن اشتعلت نيران الغيرة على الدين في قلوبهم، وتحرّك الغيظ في صدورهم، وتنادت الأصوات في ساحاتهم: الجهاد الجهاد ؛ وحينئذٍ قد ترى وتسمع - في ثغور المدافعة والمناصرة - بصيرةً وعدلاً وإنصافاً ؛ كما قد ترى وتسمع – تحت تخدير العاطفة أو الجهل بأحكام النازلة – تعديّاً وظلماً وطيشاً... وفصل الخطاب في فقه الأزمات يتجلى في الرجوع للعلماء لا إلى الرؤوس الجهلاء، وفي وصايا الحكماء لا في الرايات العمياء.
الضابط الخامس مصلحة الدين لا تتمّ إلا إذا اقترنت النصرة بسلطان العلم والحجّة
نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - المجرّدة عن العلم والحجّة صفة نقص وضعف، بخلاف النُّصرة المصاحبة لهما تكون صفة كمال وقوة ؛ فالنُّصرة مثلما تقوم بالردع والقوة فهي تقوم بالعلم والحجّة، والقوة تطلب طلب وسائل، والحجّة تطلب طلب مقاصد، والقوة تابعة والحجّة متبوعة؛ فالحجّة تطلب على الدوام، والقوة تطلب عند الاحتياج.
قال الرازي عند تفسير قوله -تعالى-: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ} (غافر:51): واعلم أن نصرة الله المحقين تحصل بوجوه، أحدها: النصرة بالحجة، وقد سمى الله الحجة سلطاناً في غير موضع، وهذه النصرة عامة للمحقين أجمع، ونِعْمَ ما سمى الله هذه النصرة سلطاناً لأن السلطنة في الدنيا قد تبطل، وقد تتبدل بالفقر والذلة والحاجة والفتور، أما السلطنة الحاصلة بالحجة فإنها تبقى أبد الآباد.
وقال -تعالى-: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} (الفرقان:31)؛ قال أبو السعود العمادي: «وعدٌ كريمٌ له -عليه الصَّلاة والسَّلام- بالهدايةِ إلى مطالبِه كافة، والنَّصرِ على أعدائِه، أي كفاك مالكُ أمرِك ومُبلِّغك إلى الكمالِ، هادياً لك إلى ما يُوصلك إلى غاية الغاياتِ التي من جُملتها تبليغ الكتاب أجلَه وإجراء أحكامه في أكناف الدُّنيا إلى يوم القيامة ونصيراً لك على جميع من يُعاديك».
قوة الحجة ووجود القدرة
ومدار نصرة الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - على قوة الحجة ووجود القدرة؛ فتارة يكون الانتصار له بالحجة والقدرة، وتارة يكون بالحجة فقط، ولا يكون الانتصار له بالقدرة من غير حجة ؛ كما قال -تعالى-: {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ} (الصَّفات:171-174).
قال الإمام الطبري -رحمه الله-: «أي: أن لهم النُّصرة والغلبة بالحجج، ونقل ذلك عن السُّدي».
سلطان الحجّة
لذلك كان سلطان الحجّة أعظم من سلطان القدرة؛ لأنّ الدين لا يظهر ولا ينتصر إلا بظهور الحجّة، كما في ظهور حجّة الغلام في قصة أصحاب الأخدود أمام جموع الناس؛ فكانت حجته سببًا في إيمان المؤمنين، بخلاف القدرة فلا تؤثر إلا بواسطة الحجّة، يقول ابن القيم -معللًا تفضيل الحجّة على القدرة-: «لأنّ صاحب الحجّة له سلطان وقدرة على خصمه وإن كان عاجزًا عنه بيده».
والمتتبع للسيرة النبوية يقطع جازماً أن الصحابة -رضي الله عنهم- قد نصروا رسولهم - صلى الله عليه وسلم - بمكة - بالحجّة؛ ونصروه بالمدينة بالحجّة والقدرة ؛ وقد بينت ذلك بعض الآيات التي نزلت بالمدينة ؛ كما قال -تعالى-: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الغَالِبُونَ} (المائدة:56).
قال البغوي - رحمه الله- في تفسير الآية: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا}: يعني: يتولى القيام بطاعة الله، ونصرة رسوله والمؤمنين، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: يريد المهاجرين والأنصار، فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ (يعني: أنصار دين الله ) هُمُ الغَالِبُونَ.
المصاحبة بين القوة والحجّة
فالمصاحبة بين القوة والحجّة وعدم إلقاء العداوة بينهما في مواضع الدفاع عن الدين ونصرة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - شرط لازم لرفع الدرجات وبلوغ الغايات، يقول ابن القيم: إنّ العلم بالحجج والقوة على الجهاد مما رفع الله به درجات الأنبياء وأتباعهم، كما قال -تعالى-: {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة:11)، وقال: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ} (ص:45) ؛ فـ«الأيدي»: القوى التي يقدرون بها على إظهار الحق وأمر الله وإعلاء كلمته وجهاد أعدائه، و«الأبصار»: البصائر في دينه.
لاتوجد تعليقات