رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 1 فبراير، 2018 0 تعليق

الضوابط الفقهية في الأعمال الوقفية 28 – إذا فاض ريع الوقف صُرف في نظيره ثم في أقرب مقاصد الواقف فالأقرب

 

من الضوابط الفقهية المهمة في الأعمال الوقفية قولهم: إذا زاد ريع الوقف على تغطية المصارف المعتادة له، من مستحقّات الموقوف عليهم، ونفقات الصيانة والإعمار ونحو ذلك، فإنّ الفائض عن هذه الحاجات من غلّة الوقف، يُصرف في أقرب الجهات إلى الجهة الموقوف عليها.

أقوال أهل العلم

والحقّ أنّ أهل العلم قد اختلفوا في مسألة صرف فائض الوقف على أقوال، هي:

- القول الأوّل: يجوز صرفه في مثل مصرف الوقف ونظيره، وكذلك في المصالح الخيريّة العامّة، ولا يجوز التصدّق به، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله، وتفريعٌ منه على إحدى الروايات عن أحمد، أنّه يجوز صرف الفاضل في مثل مصر ف ذلك الوقف، فزاد شيخ الإسلام -رحمه الله- التعميم على سائر المصالح.

- القول الثاني: يُصرف في جنس ما وُقف فيه فقط، دون ما سواه، وهو مذهب المالكيّة، وبعض الشافعيّة، وبعض الحنابلة، وأبي يوسف من الحنفيّة، وزاد الشافعيّة: إذا لم يمكن صرفُ الزائد لنفس الموقوف عليهم.

- القول الثالث: يجوز صرفُه في مثل مصرف ذلك الوقف، ويجوز التصدّق به كذلك، وهو المعتمد عند الحنابلة.

- القول الرابع: يجب حفظُه وعدم إنفاقه، حتى يُحتاج إليه فيما وُقف فيه، وهو قول بعض الحنفية، والمذهب عند الشافعية.

- القول الخامس: أنّه يرجع إلى ملك الواقف، قال به محمد بن الحسن.

والراجح من هذه الأقوال هو الأوّل، لقوّته ووضح أدلّته وعلله؛ إذ الأصل مراعاة شروط الواقف ما أمكن، ورعاية مقاصده، مع جواز مخالفة أصوله إذا تعذّر تحقيق المصلحة التي قصدها إلا بمخالفة شرطه.

     لكن مع بعض التقييد الذي لا بدّ منه لهذا القول، نقول: «الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام من أنه يُصرف في مثله، وفي سائر المصالح، لكن صرفه في جنس الوقف أولى وأظهر ما لم تكن مصلحة أعلى، لتحقيق مقصود الواقف، وتحقيق مقصود الواقف يراعى ما أمكن ما دام مشروعاً، وإذا ظهرت مصلحةٌ أعلى صُرف؛ لما تقدّم من الدّليل على جواز تغيير شرط الواقف لظهور المصلحة الراجحة، لكن يقيّد هذا الترجيح بما إذا لم تكن حاجة الوقف للفاضل قريبةً، كما لو كان يحتاج بعد فترة قريبة إلى إصلاح وترميم، ونحو ذلك من الحاجات، فإنّه يظهر القول بإرصاد الفاضل من الوقف للوقف نفسه».

وعلى هذا فإنّه يتّضح لنا مجال العمل بهذا الضابط، فنستطيع القول بأنّ هذا الضابط يطبّق على وقفٍ:

لم تظهر مصلحةٌ أرجح من مصلحة إنفاق الفاضل منه في نظيره.

لم تظهر حاجةٌ قريبةٌ لإعماره وإصلاحه.

     هذا فيما يتعلّق بالشقّ الأوّل من الضابط، وهو الصّرف في نظير الوقف؛ فأمّا الشق الثاني فيُنتقَل إليه عند تخلُّف الأوّل من الشرطين السابقين؛ لأنّ المصلحة العامّة لا بدّ أن يُراعى فيها شرطُ الواقف ومقصده ما أمكن.

     وثمّة قيدٌ آخر لتبيُّن مجال تطبيق هذا الضابط وهو: أن يكون الوقف على غير معيّن، بمعنى أن يكون على جهةٍ بجنسها؛ كالعلماء والفقراء والقرّاء والموتى، أمّا إن كان على معيّنٍ كمن وقفَ على عليٍّ وأولاده؛ فالفائض من هذا الوقف له نظرٌ آخر سيأتي إن شاء الله.

التطبيقات

     تُصرف غلّة الوقف على عمارته أولاً، ولو لم يشترط الواقف ذلك؛ لأن الواقف قد قَصد بوقفه تأبيد صرف غلّة الوقف، وتحقيق قصده دون عمران الموقوف متعذّر، الأمر الذي يثبُت به وجوب التعمير قضاءً باتفاق الأئمة، وهذا بدوره يقتضي أن يُحتاطَ لتكاليف الإعمار بما سبق بيانه في القول الرابع في مصرف الفاضل عن غلّة الوقف، بإرصاده لغرض الإعمار إذا كانت حاجة الوقف المتوقّعة قريبة.

الفاضل عن مصلحة المسجد من وقْفه يجوز صرفه في مساجد أخرى، وفي المستحقّين للصّدقة من أقارب الواقف، وجيران المسجد، أو في غير ذلك من المصالح.

يجوز تحويل الحُصُر والزيت المستغنى عنها في مسجد إلى مساجد أخرى تحتاجه.

     إذا أُنشئت قناةُ سبيل للسُّقيا؛ ففاضَ ماؤها عن الحاجة، وأمكن سَوْق ذلك الفائض -أو نقله- إلى قناة أخرى قليلة الماء مع كونها مُحتاجاً إليها، فإنّ ذلك جائزٌ بإذن الجهة المسؤولة عنها، ويتعيّن على تلك الجهة القبول بالنّقل إذا كان الفائض مهدوراً ضائعاً.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك