الضوابط الفقهية في الأعمال الوقفية – المتعدِّي أفضل من القاصر
المتعدِّي أفضل من القاصر؛ فالأعمال الصالحة باعتبار قصور أثرها على العامل، أو تعدِّيها إلى غيره، تنقسم إلى قسمين:
- الأوّل: أعمال قاصرة على العامل نفسه، لا يمتدّ لها أي تأثير إلى غيره، ولا يجني منها غيره منفعةً أو فائدة، وهذا كالعبادات التي يتقرَّب بها الخلق إلى الله فيما بينهم وبينه، دون أن تتعلّق بمخلوق.
- الثاني: أعمالٌ متعدِّية إلى الخلق، وهي كلُّها الأعمال التي تتحقَّق بها مصلحة دينيّة أو دنيويّة لغير العامل.
وقد تردّد بعضهم في إطلاق القول بأنّ المتعدِّي أفضل من القاصر، لوقُوفهم على بعض الأعمال القاصرة التي فُضِّلَت شرعاً على أعمال صالحة متعدِّية، فالإيمان والتوحيد قاصران، وهما أفضل من كلِّ ما سواهما، بل لا يصحّ غيرهما إلا بهما، وقد رجّح آخرون تعديل هذا الإطلاق، فقالوا: الأصل أنّ المتعدِّي أفضل من القاصر، إلا بدليل.
معنى القاعدة
«يتناسب الثواب مع شيُوع الخير وانتشاره وكثرة المستفيدين منه، فإذا كان الفعل يتعدَّى صاحبَه إلى غيره، فيكون ثوابُه أكثر من ثواب الفعل الذي يقتصر أثرُه على صاحبه فقط».
من أدلّة القاعدة
1- قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: 110).
2- قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (الأحقاف: 33).
3- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إنّ مثل ما بعثني الله به -عز وجل- من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقَوْا ورَعَوْا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنّما هي قِيْعَان، لا تمسك ماءً ولا تنبت كَلَأً، فذلك مثل من فَقُهَ في دين الله ونفعه بما بعثني الله به، فعَلِمَ وعَلَّمَ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذى أُرسلتُ به».
4- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من دعا إلى هدىً، كان له من الأجرِ مثلُ أُجور من تَبِعَه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تَبِعَه، لا ينقصُ ذلك من آثامِهِم شيئًا» رواه مسلم.
ووجه الدَّلالة من هذه النّصوص ظاهر؛ إذ في جميعها أُنِيطَ التفضيلُ بالخير المتعدِّي إلى الآخر.
«وفي الجملة فخير الناس أنفعهم للناس، وأصبرهم على أذى الناس، كما وصف الله المتقين بذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}».
من تطبيقات القاعدة
1- كلُّ مكلَّفٍ قادرٍ على بذل المال لحلّ أزمات المسلمين، واستنقاذهم من الخطر المحيط بهم في الحروب والنّكبات، فبذلُ ماله في هذا الوجه خيرٌ له من إنفاقه على نوافل عباداته، كالحجِّ والعمرة ونحوهما.
2- طالب العلم الذي يُغرق في القراءة، وتحقيق الدّقائق والتفاصيل، عملُه مفضولٌ إذا قُورن بطالب العلم الذي يخرج إلى النّاس فيذكّرهم بالله ويدعوهم إليه، والمؤسّسات الخيريّة التي تتولّى كفالة كثيرٍ من طلّاب العلم الشرعيِّ لها دورٌ أساس في التوجيه إلى الأمور الفاضلة.
3- يجب على المؤسسات الخيريّة أن تتخلّى عن النمط الاستهلاكيّ في العمل، باقتصارها على تلقِّي أموال المتبرِّعين وإنفاقها في وجوهها فقط، بل يجب عليها أن تتّجه إلى تنمية الأموال الخيريّة واستثمارها في المشاريع الوقفيّة؛ لأنّ هذا الاتجاه هو الذي يضمن لها تعدِّي خدماتها واتساع دائرتها، زمانيًّا بدوام ذلك في المستقبل، ومكانيًّا لكون التنمية والاستثمار يعني بداهةً زيادة القدرات الماليّة ومضاعفة إمكانيّة الإنفاق.
لاتوجد تعليقات