رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 23 مايو، 2019 0 تعليق

الضابط الثاني عشر – الضوابط الفقهية للأعمال الوقفية – الضوابط المتعلقة بالعين الموقوفة لا يصحّ وقف ما لا يملِك

 

باب الوقف من الأبواب المهمة التي من الأهميّة تقرير ضوابطه، ذلك أنّ عامّة أحكام الوقف اجتهاديّة؛ فلا مناص من الانطلاق في تقريرها من أصول الشريعة العامّة، الضابطة لباب المصالح والمنافع على وجه الخصوص، ثمّ من القواعد الفقهيّة الكلّيّة، ثم يترجم ذلك كله على هيئة ضوابط خاصّة بباب الوقف، وهو ما سنتناوله في هذه السلسلة المباركة إن شاء الله، واليوم مع الضابط الأول من الضوابط المتعلّقة بالعين الموقوفة وهو لا يصحّ وقف ما لا يملِك

معنى الضابط

      ما لا يملكُه الإنسان ملكاً خالصاً لا يصحّ له وقْفُه، لأنّ الوقْف تبرٌّعٌ، والإنسان لا يتبرّع بما لا يملك، ولا بنصيب غيره فيما تقع فيه الشّركة بينهما، وقد سبق لنا التعرُّضُ لاشتراط الملك في العين الموقوفة عند الكلام على الضابط: «صحّة الوقف منوطةٌ بأهليّة الواقف»، لأنّه إذا قام به مانعٌ يمنع ملكَه، كالرّقّ، لم يجز وقفُه ابتداءً.

     وعامّة عقود التبرّعات والمعاوضات من بيعٍ، أو إجارةٍ، أو صدقةٍ، أو هبةٍ، أو هديّةٍ، أو وقْف، لا تصحّ ولا تنفُذ من أحدٍ إلّا فيما يملكه ملكاً خالصاً، وإن كان العلماء قد اختلفوا في لزوم توفّر الملك الخالص وقتَ إنشاء صيغة الوقْف من الواقف، إلّا أنّهم اتّفقوا على أنّ الملك شرطٌ للّزوم والنّفاذ؛ فهو إمّا أن يُوصف بأنّه تبرُّع كالهبة، أو بأنّه إسقاط ملكٍ عن العين كالعتق، ولا سبيل إلى واحدٍ منهما لإنسانٍ إلا فيما يملك، أو فيما هو مأذونٌ له أن يتصرّف فيه بوكالةٍ أو ولاية.

     وقد صاغ الإمام القرافيّ هذا التحقيق صياغةً شاملة، فقال: «من وقف مال غيره على أنّه له، فلا يصحّ الوقف»، وهو ضبطٌ حسنٌ، مفهومه أنّ من الممكن أن يصحّح وقف مال الغير على أنّه للغير، وذلك بطريق الإذن السابق، أو الوكالة، أو الإجازة اللاحقة، ونحو ذلك، والذي أرى انطلاقًا من هذه الكلمة، واستكمالاً لما ذكرناه عند البحث في أهليّة الواقف حول الملك، أنْ أجعل هذا الضابط محلًّا للكلام على وقف الفضوليّ، فما حكمُه؟

وقف الفضوليّ

     الفضل هو الزّيادة، قال المناوي: «وقال الرّاغب: الزيادة على الاقتصاد. ومنه محمودٌ كفضل العلم والحلم، ومذمومٌ كفضل الغضب على ما يجب أن يكون، والفضل في المحمود أكثر استعمالًا، والفُضُول في المذموم، قال بعضهم: والفضلُ جمعُه فُضُول، وقد استُعمل الجمع استعمالَ المفرد فيما لا خير فيه، ولهذا نُسِبَ إليه على لفظِه فقيل: فُضُوليٌّ، لمن يشتغل بما لا يعنيه؛ لأنّه جُعِلَ عَلَمًا على نوعٍ من الكلام فنُزِّلَ منزلةَ المفرد، والفُضُوليُّ في عُرْف الفقهاء: من ليس بمالكٍ ولا وكيل ولا وليّ».

وصورة وقف الفُضُوليّ أن يقف إنسانٌ مالاً لا يملكه، وليس هو وكيلاً لمالكه فيه، ولا له عليه ولاية، أو هو وكيلٌ فيه لكن وكالةً قاصرةً على غير ما تصرّف به.

وقد انقسم الفقهاء على قولين في حكم هذا الوقف، هل هو باطلٌ مطلقًا أم صحيحٌ، لكنّه موقوفٌ على إجازة المالك؟

- القول الأوّل: وقف الفضوليّ باطلٌ مطلقًا، وإليه ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة، في المعتمد عندهم.

- القول الثاني: صحّة وقف الفضوليّ إذا أجازه المالك، وإليه ذهب الحنفيّة، وقال به بعض المالكيّة.

     وصحّة وقف الفضوليّ موقوفة على إجازة المالك هي القول الرّاجح -إن شاء الله-؛ «لأنّه لما جاز أن تكون الوصية بما زاد على الثلث موقوفة على إجازة الوارث، وكذا اللُّقَطَة إذا تصدّق بها الواجد كانت موقوفةً على إجازة المالك، جاز كذلك أن يكون وقف الفضوليّ موقوفًا على إجازة المالك».

     ويحسُنُ بنا في ختام هذا المبحث أن نطلّ على ما صاغه الأستاذ العلّامة مصطفى الزرقاء في شأن شرائط النّفاذ في الوقف، لتقرير أنّ ملك الواقف للعين الموقوفة ليس شرطًا في صحّة الوقف على الصّحيح، بل هو شرطٌ في نفاذ الوقف ولزومه، وتصوّر ذلك بتمام معناه.

قال -رحمه الله-: «قسّمنا هذه الشرائط إلى زمرتين؛ إحداهما لصحّة الوقف، والأخرى لنفاذه، للفرق الكبير في نتائج النّوعين؛ من حيث إنّ الوقف مع فقدان أحد شروط الصّحّة باطل، ومع فقدان أحد شروط النّفاذ صحيح.

     فيجب أن يُلحظ أنّ الوقف غير النّافذ صحيحٌ في ذاته، لكنّه لم تترتب عليه آثاره؛ فهو معلّق الحكم شرعًا إلى أمد، ومن المقرّر عند الفقهاء أن العقد الموقوف هو من قسم الصّحيح؛ لأنّ التوقّف ليس منشؤه نقص ركنٍ ولا شريطةٍ من شرائط الصّحّة، أي أنّه ليس لخلل ذاتيٍّ في العقد، بل هو لأمرٍ خارجيٍّ عنه، من تعلُّق حقّ الغير، ولا حاجة في صيانة هذا الحقّ إلى إبطال أو إفساد العقد الذي يمسّه، بل يكفي توقّف حكم العقد على رضى صاحب الحقّ؛ لأنّ ضرره إنّما ينشأ من سريان حكم العقد عليه، لا من أصل وجود العقد».

التطبيقات

1- الموصَى له بالمنفعة دون الأصل لا يصحّ منه وقف الأصل؛ لأنه لا يملكه، كمن أُوصي له بسُكنى الدّار، دون عينها.

2- لو غرس شجراً أو بنى بيتاً في أرض استأجرها أو استعارها، بعد انقضاء مدة الإجارة أو رجوع المعير في العارية، ثم أراد وقْف ذلك الشجر أو البيت، لم يصحّ الوقف منه؛ لأنّ العين الموقوفة حينئذ ليست مملوكة له، وإنّما هو مُنازعٌ فيها من صاحب الأرض، إمّا بالإزالة أو غيرها؛ لأنّ غرْسَه أو بناءه في أرض لا يملكها غصبٌ وظلم، فلا ينبني عليه ملك، وبالتالي لا يصحّ الوقف.

3- لا يصح وقف ما منافعه مستحقّة للغير على سبيل الدوام، أو كان استحقاقُها متقدِّمًا على الوقف، كمن أوصَى بسُكنى دارٍ له من بعده لأسرةٍ ما بقي منهم عقبٌ، فإن انقرضوا فلغيرهم على الصفة نفسها؛ لأنّ منافعها مشغولة، ولن يستفاد منها.

4- إذا وقف إنسانٌ مالَ غيره الذي يصحّ وقفُه دون إذنه، ثمّ أجاز المالكُ ذلك لاحقاً، صحّ الوقف على القول الراجح.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك