رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أيمن عبدالله عثمان 10 نوفمبر، 2020 0 تعليق

الصراع بين الحق والباطل قائم إلى قيام الساعة – الغاية من الإساءة للنبي – صلى الله عليه وسلم – هي الصد عن سبيل الله


إن الإساءة للنبي - صلى  الله عليه وسلم - ليست وليدة العصر، بل هي قديمة منذ بعثته - عليه الصلاة والسلام-؛ فالمشركون قديما قالوا عنه: ساحر وكاهن وشاعر ومجنون، إلى غير ذلك من الإساءات المعنوية والحسية، وإن تعجب فإنك تعجب من خُلُق هذا النبي الكريم، ورده على تلك الإساءات، فكان - صلى  الله عليه وسلم - يقول لأصحابه عن سب أم جميل (امرأة أبي لهب) وغيرها من المشركين له: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم؟! يشتِمُون مُذَمَّماً، ويلعنون مُذَمَّماً، وأنا محمّد» رواه البخاري. قال ابن حجر: «قوله: (يشتمون مُذَمَّمَاً): كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم في النبي - صلى  الله عليه وسلم - لا يسمونه باسمه الدال على المدح، فيعدلون إلى ضده، فيقولون: مُذَمَّم، وإذا ذكروه بسوء قالوا: فَعَلَ الله بمذمم، ومُذَمَّم ليس هو اسمه - عليه الصلاة والسلام -، ولا يُعرف به، فكان الذي يقع منهم في ذلك مصروفاً إلى غيره».

الإيذاء شمل الرسل

- وإن الإيذاء عموما لم يكن قاصرا على نبينا وحبيبنا محمد - صلى  الله عليه وسلم - بل هو عام قد شمل كثيرا من الرسل قبله، فهذا نوح يرد على قومه بقوله: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} (هود:38)، وهذا نبي الله صالح - عليه السلام - يُبيِّت له قومه المكائد، قال - تعالى -: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ. قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} (النمل:48،49)، أما نبي الله إبراهيم - عليه السلام - فقد أوذي في الله أشد الإيذاء، وابتلي أشد الابتلاء، حتى وصفه الله - تعالى - بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (النحل:120)، وحُقَّ أن يكون أمة فعلا، فقد آذاه قومه بإلقائه في النار التي أضرموها له، لكن الله - تعالى - أمر النار بقوله: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} (الأنبياء:69).

قتل الأنبياء

- وهناك الكثير من الأنبياء قد قُتلوا، قال - تعالى -: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (البقرة:61). وقوله - تعالى -: {أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} (البقرة:87). ولذلك فإن الله - تعالى - يُصبِّر نبيه بقوله - عز وجل -: {مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ} (فصلت:43). قال ابن كثير: «يقول - تعالى ذكره - لنبيّه محمد - صلى  الله عليه وسلم  -: ما يقول لك هؤلاء المشركون المكذّبون ما جئتهم به من عند ربك إلا ما قد قاله من قبلهم من الأمم الذين كانوا من قبلك, يقول له: فاصبر على ما نالك من أذى منهم, كما صبر أولو العزم من الرسل».

عن قتادة {مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ} قال: «يعزي الله نبيّه - صلى  الله عليه وسلم  - كما تسمعون», يقول: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} (الذاريات:52).

الصد عن سبيل الله

- إن دأْب أعداء الإسلام قديما وحديثا هو الصد عن سبيل الله بكل ما أوتوا من قوة، فهم لا يحبون سماع الحق فضلا عن اتباعه، بل ويحولون دون وصوله للناس، بمكرهم الذي وصفه الله -عز وجل- بقوله: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} (إبراهيم: 46).

التشويش على القرآن

- فمن أنواع صدهم قديما عن سبيل الله: قوله - تعالى -: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت:26). عن مجاهد قوله: «{وَالْغَوْا فِيهِ} قال: بالمكاء والتصفير والتخليط في المنطق على رسول الله - صلى  الله عليه وسلم  - إذا قرأ القرآن».

الحلف الكاذب

- أما المنافقون، فمن طرائقهم في الصد عن سبيل الله قوله - تعالى -: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (المنافقون:2)، قال ابن كثير - رحمه الله -: «وقوله: {اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله} أي: اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة، والحلفات الآثمة، ليُصَدَّقوا فيما يقولون، فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبلا فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس.

المكر بعباد الله

- ومن الصد عن سبيل الله كذلك المكر بعباد الله بالليل والنهار، قال -تعالى-: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا....} (سبأ:33). قال ابن كثير: «... فكانوا لهم رؤساء (بَلْ مَكْرُ) كم لنا بـ(اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) صدُّنا عن الهدى (إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ) أمثالا وأشباهًا في العبادة والألوهة». وما أشبه الليلة بالبارحة، فالمكر والصد عن سبيل الله قائم ولكن باختلاف طرائقه، فنحن نرى اليوم أناسا يخرجون على وسائل الإذاعة المرئية والمسموعة يشوهون صورة الإسلام، تارة باستخراج الأحاديث التي يشكل فهمها على بعض الناس -أخص العوام منهم - ونشرها بينهم، والتلبيس على الناس بأن الإسلام متناقض، وتارة يطعنون في كتب الأحاديث دون البخاري ومسلم، ثم تطور بهم الأمر فطعنوا في أحاديث البخاري ومسلم، بزعم أن هؤلاء بشر يصيبون ويخطئون، ولم يسلم من ذلك - بطبيعة الحال - صحابة النبي - صلى  الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم - من ذلك الطعن، ثم عرجوا بعد ذلك على الطعن في كتاب الله - جل وعلا -؛ فوصفوه بأنه كتاب فتنة، ويدعو إلى القتل وسفك الدماء، ومن ثم سهل عليهم الطعن في رسول الله - صلى  الله عليه وسلم - والإساءة إليه بما نراه ونسمعه اليوم.

إشاعة الفاحشة

- ومن أنواع الصد عن سبيل الله - تعالى- إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، لأن النفس تميل إلى اتباع الهوى، وما يعصمها إلا الله - تبارك وتعالى -، ولذا توعد الله أهل الباطل بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}(النور:19).

إنفاق الأموال

- ومن الصد عن سبيل الله إنفاق الأموال لذلك، قال - سبحانه وتعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (الأنفال:36). ثم أخبر - سبحانه وتعالى - بأنهم سينفقون هذا المال حتما، ويتحسرون عليه؛ فقال- عز من قائل -: {فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ} (الأنفال:36).

- والخلاصة أن الإساءة لرسول الله - صلى  الله عليه وسلم - ليست مقصودة لذاتها، إنما الغاية منها هو الصد عن سبيل الله - تعالى -؛ لأنهم يعلمون علم اليقين من هو محمد - صلى  الله عليه وسلم -؟ وما أخلاقه؟ فهم قرؤوا سيرته العطرة، وعرفوا الكثير عنه، لكن كما قال الله - تعالى -: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}، فهذا الصد مشترك بين أعداء الإسلام قديما وحديثا.

- وأخيرا فإن الصراع بين الحق والباطل قائم إلى قيام الساعة، لكن الله - عز وجل - أبى إلا أن يظهر الحق على الباطل أبدا، قال - تعالى-: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (الإسراء:81)، وقوله - عز من قائل -: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء:18)، وقوله- سبحانه -: {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} (سبأ:49)، وقوله - تعالى -: {وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} (الشورى:24).

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك