الشيخ محمد ضاوي العصيمي في المخيم الربيعي لجمعية إحياء التراث الإسلامي: مواقع التواصل الاجتماعي بين النعمة والنقمة
أكد الداعية محمد ضاوي العصيمي أن بعض الناس في مواقع التواصل الاجتماعي تجده سلبيا؛ فلا يدعو إلى الله ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، وغاية همه تناول مقاطع الضحك والاستهزاء بالخلق؛ فلا تجد له كلمة ينتفع بها الناس مؤكدا على أهمية أن يحفظ الإنسان عمره ووقته في مواقع التواصل الاجتماعي، محذرا من الكلمة التي تكتب هنا أو هناك قد تردي بصاحبها للجحيم وقد ترفعه لجنات النعيم.
جاء ذلك في المحاضرة المتميزة التي نظمتها جمعية إحياء التراث الإسلامي فرع محافظة الجهراء في الأسبوع الثاني من المخيم الربيعي الثاني والعشرون بعنوان: (مواقع التواصل الاجتماعي بين النعمة والنقمة) التي أدارها الشيخ سعد عبيد الشمري في منطقة استراحة الحجاج وسط حضور جيد.
بدأ الشيخ العصيمي حديثه حول هذه المواقع التي لم تقتصر على فئة الشباب، بل أصبح جميع أفراد المجتمع يستخدمها ويسترسل معها، فمن محاسنها أنها توفر الوقت والجهد، وفيها أشياء إيجابية لا تعد ولا تحصى، ومن الإجحاف أن ننظر لها دون أن نبين المنافع التي يستفيد منها المرء المسلم، فقد يطلب الإنسان فيها علما وقد يستمع لنصيحة أو لحق، وفيها أيضا يصل الإنسان رحمه وينصح غيره، ويستخدمها البعض لإرشاد المجتمع وتوجيهه؛ فكم من إنسان في هذه المواقع ضال ثم اهتدى بنصيحة! وكم من إنسان وفّق للخير بمقطع يسير! وكم من إنسان أحدثت في قلبه الخوف من الله! مبينا أن هذه المواقع أوجدت مسارات جديدة في حياة الناس.
وأشار العصيمي إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءا من حياتنا لا تنفك عن المجتمع، والمطلوب أن نتعامل معها بالنفع، فمن توفيق الله عز وجل أن يستخدم الإنسان هذه المواقع بما يعود على نفسه وأهله ومجتمعه بالخير، موضحا بالأرقام والإحصائيات خطورة إساءة استخدام مثل هذه المواقع، ولاسيما في ظل الاندفاع المحموم الذي نشاهده من الأمم للاشتراك في هذه المواقع؛ إذ يبلغ عدد مستخدمي الفيس بوك في العالم مئتان وخمسون مليون مشترك، مبينا أنه يعتري استخدام هذه الأجهزة أخطاء شنيعة لا ترضي الله عز وجل؛ ففي الكويت أشارت إحصائية وزارة العدل أن 60٪ من المشكلات بين الزوجين تعود لسوء استعمال هذه الأجهزة؛ لذلك ارتفعت لدينا أرقام حالات الطلاق والمشكلات الأسرية، موصيا الخطباء والأئمة بالاهتمام بهذه الظاهرة - أي ظاهرة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي - وتنبيه الناس إلى الأخطاء والمشكلات التي تترتب عليها في حال إساءة استخدامها.
وعدّد العصيمي كونه داعية بعض الأخطاء الشرعية التي تتخلل هذه المواقع ومنها أن هذه المواقع تكون اختبارا لإخلاص العبد لله عز وجل، ولاسيمامن الذين يعجبهم الثناء على أنفسهم ومدحها أمام الملأ، مؤكدا على أن السلف الصالح رضوان الله عليهم كانوا يخشون من مداخل الشيطان، ولاسيما في الرياء، مبينا أن السلف عملوا لله -عز وجل- ولم يعملوا للخلق، فالرياء كثير في مواقع التواصل الاجتماعي وهو من مداخل الشيطان، ويدخل في باب المدح والذم على حد سواء .
وتناول العصيمي موضوع الوقت المهدر أحيانا في هذه المواقع؛ فيجعله الشيطان يتمادى حتى يضيع كثيرا من الحقوق في جنب الله ثم خلقه، فتضيع بسبب هدر الوقت أمامها الصلوات، وتضيع أحيانا حقوق الأهل والوالدين وصلات الأرحام، متسائلا: إذا ضاع وقتك من يعيده؟ ونبّه العصيمي إلى أن أخطر ما في (التويتر والفيس)بوك وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي أن فيها منكرات متعدية، أي تمس الناس ومنها تتبع عورات المسلمين وغيبتهم وبث الأخبار الكاذبة والترويج لها دون التثبت، فهذا يفضي إلى عذاب القبر، مشيرا إلى حديث النبي[ ليلة أسري به: «مر على رجل مستلق على قفاه ورجل قائم على رأسه بكلّوب يشرشر شدقه إلى قفاه، فقلت: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يكذب الكذبة تبلغ الآفاق»، فبتغريدة أو رسالة لا ينتبه لها تصل للآلاف وقد يترتب عليها عرض مسلم أو افتراء أو كذب؛ لذلك ابن القيم -رحمه الله- ذكر أن بعض الذنوب قد يتوب صاحبها ويختفي أثرها، وبعضها قد يتوب منها صاحبها ويعلق أثرها.
وشدد العصيمي على بعض المظاهر السلبية التي تعتري هذه المواقع ومنها أن الإنسان يعتقد أنه إذا كتب تغريدة أو رسالة أنه يغيب عن عين الله؛ وذلك بسبب ضعف الإيمان بالله. فهذه المواقع من أعظم الأشياء التي يختبر الإنسان نفسه في الخلوات وأقلها النظر إلى الحرام، مشيرا إلى قول الله عز وجل: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ}(غافر: 19)، موضحا بأن أخطر ما في استخدامات هذه المواقع من بعض الناس هو تلبيس الباطل بالحق، فتجده يسوغ للغيبة ويلبسها لباس توضيح الخطأ حتى يقع فيها، ومنهم من يقع في أعراض شخصية عامة، ويتتبع عورته، ويحتج بأنه يجوز لنا نقده مادام هو شخصية عامة! فبعض الناس يغلف بعض المواقف بلبوس الشرع لكي يصبح موقفه صحيحا ومقبولا عند الناس.
وعدد العصيمي بعضا من السلوكيات السيئة التي يمارسها بعض من يستخدم هذه المواقع، ومنها السب والشتم وبذاءة اللسان، فالله عز وجل يقول: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}(البقرة: 83)، وبعضهم ليست لديه مهمة سوى التحريض، وبعضهم تتملكه النظرة السوداوية تجاه كل شيء، داعيا في ختام محاضرته إلى تقوى الله عز وجل في استخدام هذه المواقع، وأن يحافظ الإنسان على عمره ووقته، فهي من أعظم المكاسب التي قد نندم على التفريط فيها، ودعا إلى اغتنام هذه المواقع للدعوة لدين الله عز وجل ونشر الإسلام والتعامل مع هذه المواقع بقدر: فلا إفراط ولا تفريط.
لاتوجد تعليقات