الشيخ فيصل قزار الجاسم: نحن بحاجة إلى تهدئة الناس وبيان الحكم الشرعي في مسألة السمع والطاعة
أكد الشيخ فيصل قزار الجاسم أنه يجب على الدعاة إلى الله أن يهتموا بالمناصحة للمجتمع ولولاة الأمور، وأن يعلموا الناس أهمية طاعة ولاة الأمر، مشيرا إلى خطورة تأليب الشارع على الحاكم وخطورة الخروج الذي يضر مصلحة الأمة كلها، قائلا: إن الفرقة الوحيدة التي ذكرت بالاسم في الأحاديث هي الخوارج, ورغم أن الكثيرين يعتقدون أنها كانت تكفّر بجميع الذنوب لكنهم على الصحيح لم يكفّر أوائلهم إلا في موضوع التحكيم، وهذا من ابرز علاماتهم أنهم يكفرون الحاكم المسلم ويستحلون الخروج عليه، فعن أبي الوليد عبادة بن الصامت ] قال: «بايعنا رسول الله [ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وعلى ألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالى فيه برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم».متفق عليه، وقال: فإن بعض الناس يحتجون على ما أجمع عليه أهل العلم ويحاولون تأويل الأدلة بطرق غريبة لم يسبقهم إليها أحد.
جاء ذلك في محاضرة ألقاها في ديوانية الدكتور وائل الحساوي في الفيحاء حيث قال الشيخ فيصل قزار: إن من أجمع الأحاديث التي وردت في هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يَغُلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله, ومناصحة ولاة الأمور, ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتهم تحيط من ورائهم» رواه مسلم، ومعناه: لا يحمل الغلَّ ولا يبقى فيه مع هذه الخصال.
وقوله أيضا: «إنَّ الله يَرْضَى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تَعْتَصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تَنَاصَحوا من ولاَّه الله أمركم»، مشيرا إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه لهذه الأحاديث حيث قال: «فقد جمع في هذه الأحاديث بين الخصال الثلاث، إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة».
وأعرب الشيخ عن استغرابه لما يفعله الكثير من طلاب العلم الذين يقعون في الشبهات بسبب إكثارهم قراءة كل شيء ومتابعة شبهات المنحرفين وأهل البدع مما يؤدي إلى أن تصبح هذه الشبهات من الأمور من المسلمات عنده بحيث لا يستغربها من كثرة سماعها وقراءتها رغم أنها تخالف الكتاب والسنة، مؤكدا أن علماء السلف كانوا يحذرون من قراءة كتب أهل البدع ومجالستهم؛ خوفا من التأثر بشبهاتهم ممن ليس عنده ما يدافع به عن نفسه، فالإغراق في قراءة كل ما يُكتب وسماع كل ما يقال يؤدي إلى انحراف الفكر من حيث لا يشعر صاحبه، وقال أيضا: لا شك أننا نعيش فتنة, وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها حيث قَالَ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ ؟ قَالَ: «الْقَتْلُ وَالْكَذِبُ، الْقَتْلُ وَالْكَذِبُ». مَرَّتَيْنِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَقْتُلُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: «لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنْ قَتْلٌ يَكُونُ بَيْنَهُمْ مَعَاشِرِ أَهْلِ الإِسْلامِ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقْتُلُ أَخَاهُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقْتُلُ أَبَاهُ » قَالَ: وَفِينَا كِتَابُ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَفِيكُمْ كِتَابُ اللَّهِ» قَالَ: وَمَعَنَا عُقُولُنَا؟... قال: «تطيش عقولكم».
وشدد الشيخ على أهمية الرجوع إلى العلماء الكبار في مثل هذه النوازل الكبرى قائلا: كان العلماء يفرقون بين عالم وعالم في باب التراجم بقولهم: إن هذا العالم يرجع إليه الناس في النوازل، للدلالة على سعة علمه، ومن المشكلة أن يتكلم المرء في المسائل المدلهمة بعيداً عن أقوال العلماء رغم ما قد يترتب عليها من سفك للدماء وخراب للبيوت وضياع الدول, ومن العجيب أن كثيراً من الإخوة يحاولون التقليل من مثل هذه الأمور بقولهم: إن هذه من المسائل الخلافية، رغم أن أكابر العلماء يفتون في قديم الزمان بحرمة المظاهرات وإيغار صدور العامة على ولي الأمر، بل نجد أن كثيرا من الناس جعلوا مسألة إسقاط الرئيس هدفاً بحد ذاته, مع أنه كان ينبغي أن يكون المقصد دعوة الرئيس إلى إصلاح أوضاع البلد وحتى لو تم تغيير الرئيس يجب أن يكون سعي الدعاة إلى التغيير إلى الأحسن، وأن يخلفه من هو خير منه؛ لأن هم الداعية هو الإصلاح إلى الأحسن ما استطاع إليه سبيلا، فإسقاط الرئيس والحاكم الذي يزعم بعضهم أنه مطلب هو في حقيقته وسيلة وليس غاية، مؤكداً أن إصلاح الأحوال لا يتم بين عشية وضحاها، والأصل أن نتأنى في مجال إصلاح المجتمع والعقيدة بروية وألا نستعجل ويجب أن نصبر.
وأشار الشيخ إلى ما كان عليه السلف في أيام الحجاج الذي عرف بكثرة ظلمه وقتله للعلماء وقد كفره بعضهم لأقوال له في القرآن على خلاف في ثبوتها عنه، ومع ذلك عندما سئل الحسن البصري قال: «أخشى إن قُتل الحجاج أن يُولى عليكم أمثال القردة والخنازير».
وحذر الشيخ من اختلاط المفاهيم حيث قال: إننا نجد بعض الناس يقولون: لابد أن يكون في الجهاد إراقة الدماء، متذرعين بتأييد ما يجري في بعض البلاد الإسلامية، بينما نجد أن الأصل في الجهاد أن يكون الجهاد خارج البلاد؛ ولذا فالنساء والضعفة آمنون، إلا أن يداهمهم العدو في ديار المسلمين فيكون دفع الصائل من باب الضرورة حفاظاً على النساء والضعفة، وإذا وقع يكون بغير اختيار منا بخلاف ما لو استجلب المسلمون الشر لبلادهم وعرضوا النساء والضعفة للقتل والانتهاك، ولنا أن نعود إلى الآيات التي نزلت في فتح مكة، قوله تعالى: {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء}. ففتح مكة أخره الله حفاظاً على ضعفاء المسلمين في مكة.
وقال: نجد اليوم أن الجميع يتكلم عن المشكلات الحاصلة في البلد ويريد حلها بطريقته الخاصة رغم أن دستور البلاد يجيز للنائب محاسبة الجميع حتى من رئيس الوزراء, وتساءل قائلا: لماذا لا نستخدم هذه الأمور في مكانها الصحيح؟! وشدد الشيخ على رفضه الفساد المالي وما سمي بالإيداعات المليونية؛ حيث قال: كلنا يرفض هذا الفساد المالي ولا أحد يرضى عما حدث ولكن يجب أن ننظر إلى مصلحة البلاد والحفاظ على سلمها الاجتماعي كما تأمرنا نصوص الكتاب والسنة، مشيرا إلى أننا نعاني ضعفاً في تعظيم النصوص ونجد من يستهزئ ومن يؤول الأحاديث بغير دليل شرعي، حتى إن عددا ممن يتحدث في هذا الشأن يفسرون الأحاديث بتفسيرات لم يسبقهم إليها أحد من العلماء.
وأشار الشيخ إلى عدم مجابهة الناس بما لا تدركه عقولهم ووصمهم بألفاظ قد تبعدهم عن أهل الدعوة كالخوارج وغير ذلك؛ لأن هذا يكون نوعا من السباحة ضد التيار وهو أمر قد يكون له أثر سلبي ولا تتحقق به مصلحة الدعوة من جلب المصلحة ودفع المفسدة، وقال: نجد من أغرق في مجابهة هؤلاء الثوار والرد عليهم، وهذا قد يسبب مشكلات نحن في غنى عنها؛ ولذلك ينبغي ألا نجابههم بعنف حتى لا يفروا من الدعوة؛ لأن هذه المجابهة لا تأتي إلا بالعناد, والإنسان لابد أن يكون كلامه في وقت الفتن موزوناً ولابد من بيان فوائد طاعة ولي الأمر وكذلك استخدام القنوات الدستورية ولزوم الجماعة وسماع كلام العلماء الكبار, وعلينا أن نبين قوائم الإصلاح الذي يقصد بإصلاح المرء نفسه وإصلاح غيره، وشأن الداعية ينبغي أن يكون إصلاح الآخرين من غير التشفي.
وشدد الشيخ على عدم التصدي للفتاوى في الأمور التي لم يستفت بها العالم أو الداعية كالأمور التي تحدث في البلدان العربية التي لا يلتفت أصحابها إلى الحكم الشرعي بما يفعلون، ولماذا يتطوع الدعاة بإعطائها شرعية أو انتقادها رغم أن أصحابها لم يسألوا عنها ولم يحرصوا على ذلك؟! مشيرا إلى قول العلماء: إن بذل العلم لمن لا يريده إهانة للعلم، ونحن بحاجة إلى تهدئة الناس وبيان الحكم الشرعي في مسألة السمع والطاعة من غير تهييج ولا اتهامات.
ولفت الشيخ أهمية بيان المنهج السلفي للناس في وسط هذه الفتن؛ لأنه يجب في مثل هذه الأوقات أن يترك الناس آراءهم الشخصية ويرجعوا أقوال العلماء الأكابر, قائلاً يجب أن نوضح للناس أننا نعود إلى الدستور إذا لم يخالف الشرع، أما إذا خالف الشرع في مسألة من مسائله مثل إباحته للمظاهرات فلا يجوز أن نأخذ به؛ لأنها تخالف الشرع وأقوال العلماء في هذا الباب واضحة، كما قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: فالمظاهرات كلها شر سواء أذن فيها الحاكم أو لم يأذن، وإذن بعض الحكام بها ما هو إلا دعاية، وإلا لو رجعت إلى ما في قلبه لكان يكرهها أشد كراهة، لكن يتظاهر بأنه كما يقول: ديمقراطي وأنه قد فتح باب الحرية للناس، وهذا ليس من طريقة السلف.
لاتوجد تعليقات