رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 1 أغسطس، 2016 0 تعليق

الشيخ فيصل غزاوي: نعمة الإيمان باللـه

الإيمان أعظمُ نعمةٍ على العبدِ ومتى حظِيَ بها فقد نالَ نعمً لا تُدانِيها نعمة ولا تُوازِيها منَّة بها تتحقَّقُ سعادةُ الدنيا والآخرة

الإيمانَ يُغيِّرُ كيانَ العبد فيكونُ باعِثًا له على بَذلِ المعروف ودافِعًا إلى استِباقِ الخيرات

 

 

ألقى فضيلة الشيخ فيصل بن جميل غزاوي - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (نعمة الإيمان بالله)، التي تحدَّث فيها عن نعمة الإيمان بالله -تعالى- ووجوب شُكرها، مُبيِّنًا صُورَ ومظاهر هذا الإيمان؛ من سعيٍ في الخير، وبَذل المعروف، وتفريج كُربات المُسلمين وقضاء حاجاتهم، وما إلى ذلك، وكان مما جاء في خطبته:

إن نعمةَ الإيمان أعظمُ نعمةٍ على العبدِ، فإنه متى حظِيَ بها فقد نالَ نعمً لا تُدانِيها نعمة، ولا تُوازِيها منَّة. بها تتحقَّقُ سعادةُ الدنيا والآخرة، وتأمَّلُوا قولَ الباري - سبحانه -: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الحجرات: 17).

كيف ندرك نعمة الإيمان؟

      فالإيمانُ أكبرُ من منَّةِ الوجود الذي يمنَحُه الله ابتِداءً لهذا العبدِ وسائرِ ما يتعلَّقُ بالوجود، من آلاء الرِّزقِ، والصحَّة، والحياةِ، والمتاعِ. إنها المنَّةُ التي تجعلُ للوجودِ الإنسانيِّ حقيقةً مُميَّزة، وتجعلُ له في الحياةِ أثرًا فاعِلاً، وحتى نُدرِكَ قيمةَ هذه النعمة، فلنتدبَّر قولَ الله - جلَّ ثناؤُه -: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 122).

      فهل يستوِي من كان ميتًا في الضلالةِ هالِكًا حائِرًا، فأحيَا الله قلبَه بالإيمانِ، وهداهُ الله له، ووفَّقَه لاتباعِ رُسُله، هل يستوِي هذا مع من يعيشُ في الجهالات والضلالات المُتفرِّقة، لا يهتدِي إلى مُنقِذٍ ولا إلى مُخلِّصٍ له مما هو فيه؟! من فقَدَ الإيمانَ ولم يعرِف ربَّه الذي خلقَه، ولا نبيَّه الذي أرسلَه بالحقِّ، تخبَّط وهلَك؛ فالجهلُ بالله سُمٌّ مُهلِك.

آثار الإيمان على حياة المسلم

إن الإيمانَ - عباد الله - رِبحٌ ومغنَمٌ ومنَّة، لا يقدُرُ قدرَه إلا من عرفَ قيمتَه، وله آثارٌ عظيمةٌ تعودُ على حياةِ العبدِ المُسلم؛ فمن آثاره التي حُقَّ لنا أن نقِفَ عندها:

يُغيِّرُ كيانَ العبد

     إن الإيمانَ يُغيِّرُ كيانَ العبد؛ فيكونُ باعِثًا له على بَذلِ المعروف، ودافِعًا إلى استِباقِ الخيرات؛ فإن الصادقَ المصدُوق - صلى الله عليه وسلم  - قد أخبَرَنا أن إيمانَ العبدِ لا يكمُلُ حتى يُحبَّ لإخوانه المُسلمين ما يُحبُّ لنفسِه، قال - صلى الله عليه وسلم  -: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحبَّ لأخيهِ ما يُحبُّ لنفسِه»؛ رواه البخاري ومسلم.

وعند الإمام أحمد بإسنادٍ صحيحٍ: «والذي نفسِي بيدِه؛ لا يُؤمِنُ عبدٌ حتى يُحبَّ لأخيهِ ما يُحبُّ لنفسِه من الخيرِ». عليه، فالمُؤمنُ مُستشعِرٌ أن له إخوةً في الدين يُحبُّهم ويُجِلُّهم، ويُحبُّ أن ينالَهم من الخير مثلُ ما نالَه، ويتحقَّقَ لهم من الفضلِ مثلُ ما تحقَّقَ له.

     والمُؤمنُ يبعَثُه إيمانُه ليكون فاعِلاً مُنتِجًا، فكم يشعُرُ بالسعادة عندما يبذُلُ لله ويأنَسُ بمُساعدةِ غيره وخِدمته، وتَطيبُ نفسُه عندما تُفرَّجُ كُربةُ أخيه على يدَيه؟! وهو حريصٌ أن يكون له سَهمٌ في شتَّى المجالات الخَيِّرة، وأن يحظَى بنصيبٍ وافِرٍ من الأجر، وحظٍّ عظيمٍ من الدرجَات.

تحويل العبادة إلى أداة فاعلة

     حقًّا إن الإيمانَ يُحوِّلُ العبادةَ إلى أداةٍ فاعِلةٍ مُثمِرةٍ مُنتِجة؛ لذا فالمُؤمنُ يحرِصُ مُدَّة بقائِه في الدنيا أن يكسِبَ من الحسنات، ويجمعَ من خِصالِ الخير، ويزدادَ قُربةً من ربِّه، ولأنه في سِباقٍ لا ينتهي حتى الموت، فهو يُبادِرُ بالأعمال الصالِحة، ويضِنُّ بالوقتِ أن يذهبَ عليه سُدًى، وبالعُمر أن يفنَى بلا فائِدة.

     لقد تمثَّلَت تلك القضيَّة بصُورةٍ واضِحةٍ جلِيَّة، في واقعِ خير البريَّة، وسيرةِ أزكَى البشريَّة: محمدٍ - صلى الله عليه وسلم  -، أعلمِ الناسِ بالله وأخشَاهم له، الذي كان دائِمَ الصِّلةِ بربِّه، لا يفتُرُ عن ذِكرِه، ولا ينقطِعُ عن عبادتِه، يُعلِّمُ الناسَ الخير، ويدعُوهم إلى كل فضيلةٍ، وينهَاهم عن السُّوء والفَحشاء وكل رَذِيلَة، فكلُّ من جالسَه أو اجتمعَ به نالَتْه بركتُه، وسعِدَ بمُصاحبَته. وهكذا يكونُ حالُ المُؤمن الصادقِ.

     يقولُ ابن القيم - رحمه الله -: «إن بركةَ الرجُلِ تعليمُه للخيرِ حيث حَلَّ، ونُصحُه لكل من اجتمَعَ به، قال -تعالى- إخبارًا عن المسيحِ - عليه السلام -: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} (مريم: 31)؛ أي: مُعلِّمًا للخير، داعِيًا إلى الله، مُذكِّرًا به، مُرغِّبًا في طاعته. هذا من بركةِ الرجُل، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة، ومُحِقَت بركةُ لقائِه والاجتِماعِ به».

النبي القدوة صلى الله عليه وسلم 

     معاشر المُسلمين: إن قُدوتَنا الكريم - صلى الله عليه وسلم  - كان لا يألُو جُهدًا في عملِ الخير، وبَذلِ المعروف، ونفعِ الناس، فيُعلِّمُ هذا، ويدعُو لهذا، وينصَحُ لهذا، ويُعاتِبُ هذا، ويُشيرُ بالرأيِ على هذا، ويحُثُّ على الخيرِ هذا، ويُحذِّرُ من الشرِّ هذا، ويسعَى في قضاءِ حاجةِ هذا، ويشفعُ لهذا، ويُهدِي هذا، ويتصدَّقُ على هذا، ويُمازِحُ هذا، ويزورُ هذا، ويُضيفُ هذا، وينتصِفُ لهذا، ويأخُذُ الحقَّ من هذا، وهكذا.

فلا تجِدُه إلا نفَّاعًا للناس، يُحبُّ الخيرَ لهم، ويحرِصُ على منفَعتهم، ويُحسِنُ إليهم بأنواع الإحسان، حتى كان لذلك أثرٌ في بدنِه - صلى الله عليه وسلم  -، فكان يُصلِّي في آخر حياتِه جالِسًا بعد أن حطَمَه الناسُ.

جيل رباني

     ولم يقتصِر - عليه الصلاة والسلام - على هذا؛ بل ربَّى جِيلاً على هذه القِيَم والمبادِئ، فكانُوا رجالاً عُظمَاء، مُبادِرين إلى فعلِ الخيرات. لقد ربَّى النبيُّ الكريمُ - عليه الصلاة والسلام - الصحابةَ الكرام على التقديمِ والعطاءِ، والتضحيةِ وبَذلِ الأنفُسِ في سبيلِ الله، فكانوا مضرِبَ المثَلِ في ذلك:

     فهذا أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ - رضي الله عنه - كان إذا أدركَ رجُلاً من بعيدٍ سلَّم عليه، وقال يومًا للأغَرِّ المُزنيِّ: «أما ترَى ما يُصيبُ القومُ عليك من الفضلِ؟ لا يسبِقنَّك إلى السلامِ أحدٌ»، فقال الأغَرُّ: فكُنَّا إذا طلعَ الرجلُ ابتَدرنَاه بالسلامِ قبل أن يُسلِّم علينا، وكيف لا يستبِقُ الصحابةُ ذلك وقد علَّمَهم مُربِّيهم وقُدوتُهم - صلى الله عليه وسلم  - أن أَولَى الناسِ بالله من بدأَهم بالسلام؟ فهم حرِيصُون على أن يكونوا أقربَ الناسِ من الله بطاعتِه، وأخصَّهم برحمتِه.

     وعندما بلغَ ابنَ عُمر أجرُ اتباعِ الجنازةِ والصلاةِ عليها ودَفنِها، وأنه قِيراطان، ضربَ بالحصَى الذي في يدِه الأرضَ، ثم قال: «لقد فرَّطنَا في قَرارِيطَ كثيرة»، هكذا هم العُظماء، يتحسَّرون على ما فاتَهم من أُجور الأعمالِ الباقِية، وليس على ما ذهَبَ عنهم من حُطام الدنيا الفانِية.

     وجاء عن عبد الله بن مسعُودٍ - رضي الله عنه- أنه قال: «كنا إذا افتَقَدنا الأخَ أتينَاه، فإن كان مريضًا كانت عِيادة، وإن كان مشغُولاً كانت عَونًا، وإن كان غيرَ ذلك كانت زِيارة»، فانظُرُوا - رحمَكم الله - كيف يتفقَّدُون غيرَهم بالسُّؤال والزيارة، وكيف يدفعُهم باعِثُ الإيمان إلى التعرُّف على حالِ إخوانِهم، ومدِّ يدِ العَون لهم ومُساعدَتهم!

وهكذا نجِدُ المُؤمنَ حريصًا على إخوانِه، يسعَى في نفعِهم وبَذل المعروفِ لهم، يُفرِحُهُ ما يُفرِحُهم، ويسوؤُه ما يسُوؤُهم، ويُشارِكُهم أحزانَهم وأفراحَهم.

قالت الحُكماء: «مُروءةُ الرجلِ: صِدقُ لسانِه، واحتِمالُ عثَراتِ جيرانه، وبَذلُه المعروف لأهل زمانِه، وكفُّه الأذَى عن أباعِدِه وجِيرانه».

     ويبلُغُ ببعضِهم الحِرص أن يُسهِمَ في فعلِ الخير وكسبِ الحسنَات بما قد يتعجَّبُ له المرءُ، فعن عديِّ بن حاتمٍ - رضي الله عنه - أنه كان يفتُّ الخُبزَ للنملِ، ويقول: «إنهنَّ جاراتٌ، ولهنَّ علينا حقُّ الجِوار». فما أعظمَ بِرَّه وإحسانَه الذي يرجُو من ورائِه ثوابَ الله ورِضوانَه!

      فتأمَّلُوا - رحمَكم الله - هذه الصورةَ المُشرِقة، كيف يُصبِحُ المرءُ لا يُبالِي بما أصابَه إذا عُوِّضَ عن ذلك الأجرَ من الله؟! وهكذا هي النفوسُ الكِبار، يحمِلُ أصحابُها قلوبًا نقيَّة لا تعرِفُ الحِقدَ ولا الغِلَّ، ولا البَغضاءَ للمُسلمين، فما أحوجَنا - عباد الله - أن نُحيِيَ معاني الإيمان في قلوبِنا، ونحرِصَ على أن نكون فاعِلين ومُؤثِّرين في واقعِنا ومُجتمعِنا، ونسعَى جاهِدين في إعادة تلك الصُّور المُشرِقة لأسلافِنا التي تدلُّنا على ما كان يتحلَّى به المُجتمعُ المُسلمُ من التعاوُن والترابُط، والتكافُل الاجتماعيِّ، وأن نستشعِرَ أيضًا أن لنا إخوةً في الدين يُعانُون من الظُّلم والاضطِهاد في سبيلِ الله، ويلقَون من الأذَى والتعذيبِ من قِبَلِ أعداءِ الدين ما يلقَون.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك