الشيخ عبدالمحسن القاسم: مخالفة أفعال الجاهلية
ألقى فضيلة الشيخ عبد المحسن بن محمد القاسم - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (مخالفة أفعال الجاهلية)، التي تحدَّث فيها عن أجل النِّعم على الخلق، وهي: الإسلام، مُبيِّنًا وجوبَ معرفة الجاهلية لمعرفة حقيقة الإسلام وفضلِه، ثم تطرَّقَ لذِكر مُخالفة هذا الدين العظيم لعقائد المشركين وأهل الكتاب وعاداتهم، استِنادًا إلى ما جاء في كتابِ الله وسُنَّة رسولِه صلى الله عليه وسلم ، وكان مما جاء في خطبته:
من أكبر مقاصِد الدين: مُخالفةُ أعدائِه، لئلا يعودَ الناسُ إلى جاهليَّتهم؛ فنهَى عن التشبُّه بما يختصُّ به أهلُ الكتاب والمُشرِكون في عباداتهم وعاداتهم، ونهَى عن اتباع أهوائِهم، قال -تعالى-: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الجاثية: 18)، وكل أمرٍ من الجاهليَّة فهو مُهان، قالصلى الله عليه وسلم : «ألا كلُّ شيءٍ من أمر الجاهليَّة تحت قدميَّ موضوع» رواه مسلم، وأعظمُ باطلٍ كانوا عليه: الشركُ بالله، وهذا أكبرُ ما خالفَ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أهلَ الجاهليَّة، فأتاهم بالتوحيد وإخلاص الدين لله وحده، والإعراضُ عما جاء به الرسولُ صلى الله عليه وسلم سبيلُ الضلال، وإذا انضافَ إلى ذلك استِحسانُ الباطل تمَّت الخسارة، قال -سبحانه-: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}(العنكبوت: 52).
من أعمال الجاهلية
ومن أعمال الجاهلية إساءة الظن بالله، فمن أساءَ الظنَّ بربِّه فقد سلكَ طريقَ الجاهلين، قال -تعالى-: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ}(آل عمران: 154)، ومن ذلك: القدحُ في حكمته، والإلحادُ في أسمائِه وصفاتِه، ونسبةُ النقائِصِ إليه، والأمرُ لله وحدَه فهو الربُّ وبيدِه مقاليد كلِّ شيءٍ، وإتيانُ السحرة والكُهَّان قدحٌ في الدين، وضعفٌ في العقل، ومُتابعةٌ لأهل الجاهليَّة، قال مُعاويةُ بن الحكم: يا رسولَ الله! أمورًا كنا نصنعُها في الجاهليَّة، كنا نأتي الكُهَّان، قال: «فلا تأتوا الكُهَّان»؛ رواه مسلم.
التوكل على الله
وأُمِرنا بالتوكُّل على الله وتفويضِ الأمور إليه، وأما الاستِعاذةُ بالجنِّ عند السحرة وغيرهم لعمل التمائِم ونحوِها، لا تزيدُ صاحبَها إلا خوَرًا وضعفًا، قال -تعالى-: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا}(الجن: 6)، وفي الإسلام أبدَلَنا الله بالاستِعاذة به، «ومن نزلَ منزلاً ثم قال: أعوذُ بكلماتِ الله التامَّات من شرِّ ما خلَق لم يضُرَّه شيءٌ حتى يرتحِلَ من منزلِه ذلك» رواه مسلم.
دعاء الأموات
والأمواتُ أفضوَا إلى ما قدَّموا، والصالِحون يُدعَى لهم ولا يُدعَون مع الله، واتخاذُ القبور مساجِد ودعاءُ أهلها من سُنَّة أهل الكتاب، قال صلى الله عليه وسلم: «لعنةُ الله على اليهود والنصارى، اتَّخذُوا قبورَ أنبيائِهم مساجِد» متفق عليه.
الحكم لله وحده
والحكمُ لله وحدَه، والتحاكُمُ إلى دينِه وشرعِه عدلٌ، والاعتِياضُ عن ذلك بغيرِه فسادٌ للمُجتمع، قال - سبحانه -: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(المائدة: 50).
التشاؤم
والتشاؤُم يُوهِنُ العزائِمَ، ويُضعِفُ اليقينَ بالله أو يُزيلُه، والمُسلمُ يُؤمنُ بقضاءِ الله وقدَرِه، ويُحبُّ الفألَ في جميعِ شُؤونِه، فلا عدوَى ولا طِيَرَة ولا هامةَ ولا صفَر.
البركة من الله وحده
والبركةُ تُرجَى من الله وحدَه، وطلبُها من الأشجار والأحجار، أو الأحياء والأموات، أو اعتقادُها منهم طريقُ عبَدَة الأصنام، ومن نسَبَ النعمَ إلى غير الله؛ فما عرفَ فضلَه ولا شكَرَه، وهذا طريقُ الجاهلين، {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ}(النحل: 83).
الاستسقاء بالنجوم
ومن سُنن الجاهليَّة: الاستِسقاءُ بالنُّجوم والتعلُّق بحركات الفلَك، فجاء الإسلامُ بإبطالِها، وتعليق القلوب بالله وحده، والزمانُ مخلوقٌ مُسيَّرٌ، فمن سبَّه أو أضافَ له فعلاً ففيه من شُعب الجاهليَّة؛ حيث قالوا: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْر}(الجاثية: 24).
الإيمان بالقدر
والقدَرُ قُدرةُ الله، وعلى المُؤمن الإيمانُ به والتسليمُ لأمر الله وقدَره، والمُشرِكون يُنكِرون القدَرَ ويُعارِضُون به الشرعَ، فقالوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا}(الأنعام: 148).
التكذيب بالبعث
والتكذيبُ بالبعث أو الشكُّ فيه كفرٌ من طُرق الجاهليَّة؛ حيث قالوا: {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}(الأنعام: 29)، ومن كذَّب بآيات الله فهو مُتابِعٌ للمُشرِكين؛ إذ قالوا: {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِين}(الأنعام: 25).
الله هو الذي يحلل ويحرم
والله - سبحانه - هو الذي يُحلِّلُ ويُحرِّم، وليس للخلقِ من ذلك شيءٌ، خلافًا لما كان عليه أهلُ الكتاب؛ حيث اتخذوا أحبارَهم ورُهبانَهم أربابًا من دون الله؛ فحُجَّةُ المُؤمن ومصدرُ تلقِّيه لدينِه هو الكتابُ والسنَّة بفهم سلَف الأمة، والتقليدُ والاحتِجاجُ بالآباء من حُجَج الجاهلين، وعلى ذلك بنَوا دينَهم، قال -تعالى- عنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا}(لقمان: 21).
الاغترار بالكثرة
والكثرةُ في العدَد لا تدفعُ حقًّا، ولا تُحقُّ باطلاً، والاغتِرارُ بها ليس من نَهج المُرسَلين، والمُؤمنُ لا يستوحِشُ من قلَّة السالِكين، ولا ينخدِعُ بكثرَة الهالِكين. ومن ردَّ الحقَّ لضعفِ أهله أو قلَّتهم فقد جهِل الدين، والاعتِياضُ عن الكتاب والسنَّة بكُتُبِ أهل الضلال من طُرق أهل الكتاب؛ حيث نبَذُوا كتابَ الله وراءَ ظُهورهم، واتَّبعوا ما تتلُو الشياطين.
الصبر في المصائب
وعند المصائِب أُمِرنا بالصبر والاحتِساب، ونُهِينا عما يُخالِفُ ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: «ليس منَّا من لطَمَ الخُدودَ وشقَّ الجيوبَ ودعا بدعوَى الجاهليَّة» رواه البخاري.
الكبر والخيلاء
والكِبرُ والخُيلاء من عادات الجاهليَّة، قال - عليه الصلاة والسلام -: «أربعٌ في أمَّتي من أمر الجاهليَّة لا يترُكونَهنَّ: الفخرُ في الأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستِسقاءُ بالنُّجوم، والنِّياحةُ على الميت» رواه مسلم.
من التواضع
ومن التواضُع: عدمُ الأكل والشُّرب في آنيةِ الذهبِ والفضَّة؛ بل الثيابُ منهيٌّ عن الفخر بها والمُباهاة، فنهَى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثيابِ المُعصفَرة، وهي المصبُوغَة بناتِ العصفِر، وقال: «إن هذه من ثيابِ الكُفَّار، فلا تلبَسُوها»؛ رواه مسلم.
حمية الجاهلية
وحذَّرَنا الإسلام من الحميَّة، فهي سبيلُ النِّزاع والافتِراق، {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ}(الفتح: 26)؛ ولما قال الأنصاريُّ: يا للأنصار! وقال المُهاجريُّ: يا للمُهاجِرين! قال: «ما بالُ دعوَى الجاهليَّة!» متفق عليه، وإذا كان هذا التداعِي في هذه الأسماء الشرعيَّة، فكيف بغيرِها؟
الاعتِزاز بمُعاملاتنا
وأُمِرنا بالاعتِزاز بمُعاملاتنا في البُيوع وغيرِها؛ لما فيها من الصدقِ والعدلِ والأمانة، ونُهِينا عن بُيوعِ الجاهليَّة، وعن نقصِ المِكيالِ والميزان، واكتِسابِ المالِ بالميسِر والقِمار، وشدَّد في الرِّبا، وأحلَّ الله لنا أكلَ الطيبات وحرَّم علينا أكلَ الخبيث، وهم عكَسُوا ذلك.
عادة أهل الكتاب
وكان من عادة أهل الكتاب: تغييرُ خلق الله، اتباعًا للشيطان الآمِر بذلك؛ فنهَى صلى الله عليه وسلم عن مُتابعتِهم وقال: «خالِفُوا المُشرِكين؛ وفِّروا اللِّحَى، وأحفُوا الشوارِبَ» متفق عليه، وأمرَ بصبغِ الشَّيب ومُجانبَته السواد، وتبرَّأَ ممن عقدَ لحيتَه أو تقلَّد وَترًا.
امتهان المرأة من عادات الجاهلية
وكانت المرأةُ مُمتهَنةً في الجاهليَّة، فلا حجابَ يستُرُها ولا رجُلَ يحمِيها، وإذا بُشِّر أحدُهم بالأُنثَى ظلَّ وجهُه مُسوَدًّا وهو كظيم، وكانوا يئِدُون البنات، ومن قضائِهم: توريثُ الرجالِ دون النساء واستِحلالُ المحارِم، فجاء الإسلام بتكريمِ المرأة وسترِها وقال لهنَّ: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}(الأحزاب: 33)، وجعلَ لهنَّ حقوقًا وعليهنَّ واجِبات، وفي الإرثِ كتبَ لهنَّ نصيبًا مفرُوضًا، ومن عالَ جاريتين فأكثرَ كُنَّ له سترًا من النار.
عدم الأمر بالمعروف
ومن سُنَّتهم: لا يأمرُون بمعروفٍ ولا ينهَون عن مُنكرٍ، وإذا أمرُوا نسَوا أنفسَهم، فكانت هذه الأمةِ خيرَ أمةٍ أُخرِجَت للناسِ؛ تأمرُ بالمعروف، وتنهَى عن المُنكَر، وقُدوةً لغيرهم.
شعار الجاهلية
وشِعارُ الجاهليَّة الفُرقةُ والاختِلافُ، فلا يجتمِعُون على دينٍ ولا دُنيا، قال -تعالى-: {وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون}(الروم: 31، 32)، والاجتماعُ قُوَّةٌ وأُلفةٌ جاء الإسلام به ونهَى عن ضدِّه، قال -سبحانه-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: 103)، فاجتماعُ الناسِ على والٍ واحدٍ أمنٌ ورخاءٌ وقُوَّةٌ على الأعداء، ومن سُنن الجاهليَّة: الخروجُ على السُّلطان ومُفارقةُ الجماعة، قال صلى الله عليه وسلم: «من خرجَ على السُّلطان شِبرًا ماتَ ميتةً جاهليَّةً» متفق عليه. «ومن قاتلَ تحت رايةٍ عِمِّيَّةٍ فقُتِلَ فقِتلةٌ جاهليَّة» رواه مسلم.
وإن الله يرضَى لكم ثلاثًا: أن تعبُدوه ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأن تعتصِموا بحبلِ الله جميعًا ولا تفرَّقُوا، وأن تُناصِحُوا من ولاَّه الله أمرَكم، قال الشيخُ محمدُ بن عبد الوهابِ -رحمه الله-: «ولم يقَع خللٌ في دينِ الله ودُنياهم إلا بسببِ الإخلالِ بهذه الثلاثِ أو بعضِها».
دينُنا دينُ كمالٍ وعزَّة
وبعد، أيها المسلمون: فدينُنا دينُ كمالٍ وعزَّة، والتمسُّكُ به أصلُ كل خيرٍ وفلاح، واقتِفاءُ آثار الجاهليَّة أمارةُ ضعفِ المرء، ومن اتَّخذَ شيئًا منها أبغضَه الله، قال صلى الله عليه وسلم: «وأبغضُ الناسِ إلى الله: مُبتغٍ في الإسلام سُنَّةَ الجاهليَّة» رواه البخاري، والمُتابعةُ تُورِثُ المحبَّة، والمُشاركةُ في الظاهر وسيلةٌ إلى مُوافقَة الباطِن، ومن تشبَّه بقومٍ فهو منهم، وما ابتدَعَت أمةٌ بدعةً إلا نُزِع عنها من السنَّة مثلُها، وما أحيَا قومٌ سُنَّةً جاهليَّةً إلا ترَكوا من الهُدى أضعافَها، قال -تعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه}(الأنعام: 153).
لاتوجد تعليقات