رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 7 مارس، 2016 0 تعليق

الشيخ صالح بن محمد آل طالب: فضل الرباط والمرابطين في سبيل الله

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (فضل الرباط والمرابطين في سبيل الله)، و تحدَّث فيها عن الرباط في سبيل الله، مُتحدِّثًا عن فضائله وفضائل المُرابطين في سبيل الله، مُجلِّيًا المفهوم الصحيح له دون ما أدخلَه عليه السفهاءُ، كما وجَّه نصائحَه للكُتَّاب والإعلاميين بضرورة ترك الخلافات الداخلية والاهتمام بما يُحاكُ للأمة من مُؤامراتٍ، ووجوب حفاظ المُسلمين على الثغور الداخلية كما يُحافظُ المُرابطون على الحدود، من كل عدوٍّ مُتربِّصٍ بالمُسلمين، وكان مما جاء في خطبته:

     الأمنُ والأمانُ نعمةٌ من الله على البشر، كما أنه فِطرةٌ يتطلَّبُها كلُّ حيٍّ على هذه الأرض. وفي ظلِّ الأمن يعبُد الناس ربَّهم في طُمأنينة، ويغدُو الناسُ إلى معايشِهم ومعاهِدهم في سَكينة، فتُعمرُ الدنيا ويُسعَى إلى الآخرة، وكما تُوضعُ الأقفالُ على الأبواب خشيةَ اللُّصوص، وتُبنى السُّدود خشيةَ دمار الطُّوفان، فإن على حدود البلاد سُدودًا وأبوابًا، يحرُسُونها - بإذن الله - من طُوفان الشرِّ وخرابِ الديار، رجالٌ يسهَرون لينام الناس، وينصَبون لراحة الآخرين، في ميزانهم الصالح كلُّ عبادةِ عابِدٍ، وعلمِ مُتعلِّمٍ، وكسبِ تاجرٍ، ودعوةِ هادِ، إنهم المُرابِطون عل الثُّغور، والحارِسون للحدود، والحافِظون للأمن.

فضل الرباط

     الرِّباطُ هو الإقامةُ في الثُّغور، وهي الأماكنُ التي يُخافُ على أهلها من العدوِّ، والمُرابِطُ هو المُقيمُ على الثُّغور، والمُعِدُّ نفسَه للجهاد في سبيلِ الله والدفاعِ عن دينه وإخوانِه المُسلمين، وهو واجبٌ أمرَ الله به في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران: 200).  وهو عبادةٌ مُمتدَّةُ الأثر، عظيمةُ الخطر، وقد نقلَ شيخُ الإسلام في فضلِ المُرابَطةِ في سبيل الله الاتفاقَ بين أئمةِ الإسلام على أنها أفضلُ من المُجاورةِ بالمسجِد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصَى. فكيف بمن رابطَ لأجل حماية هذه المُقدَّسات، وحِراسة أراضِيها، ورعايةِ قاصِديها؟!

     عن سهل بن سعدٍ - رضي الله عنهما -، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  قال: «رِباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها، وموضِعُ سوط أحدِكم من الجنة خيرٌ من الدنيا وما عليها، والرَّوحةُ يروحُها العبدُ في سبيل الله أو الغَدوة خيرٌ من الدنيا وما عليها». رواه البخاري ومسلم.

الرباط فرض شرعي

     الرِّباطُ والجهادُ فروضٌ شرعية، لها معالِمُها وحُدودُها وفقَ الشريعة لا وفقَ الأهواء، ولا كما يُصوّرُها الأعداء، أو يتبنَّاه السُّفهاء. الرِّباطُ والجهادُ شُرِعا لحفظ الدين والأنفُس والأموال والديار، من قاتلَ لتكون كلمةُ الله هي العُليا فهو المُجاهدُ في سبيل الله. فهل يُعلِي كلمةَ الله من يقتلُ المُصلِّين في المساجد، وينتهِكُ الحُرمات، ويُزعزِعُ الأمنَ في ديار الآمِنين، ويستهدِفُ المُسلمين قبل غيرهم بالقتل والتخريب والتدمير؟!

إن اختطافَ المارِقين للمُصطلحات الشرعية لا يُلغِيها، ولا يُسوِّغُ تركَ الحقِّ لمُنازعَة المُبطِلين به.إن من يحمِي ثُغورَ المُسلمين، ويدفعُ عنهم هو المُرابِطُ في سبيل الله، والذين يقِفون على حدود البلاد يُؤمِّنونها ويحرُسُونَها هم المُرابِطون في سبيل الله.

من هو المرابط؟

المُرابِط كلُّ من وقفَ نفسَه على ثغرٍ من ثُغور الإسلام، يدفعُ عنه ويحرُسُه ويحمِيه، حتى ولو لم يُقاتِل. إن مُجرَّد المُرابطَة ولو بدون قتالٍ هو رِباطٌ تامٌّ يُؤجَرُ عليه المُرابِط. وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم : «رِباطُ يومٍ» يعني: مُلازمةَ الحُدود من أجل حمايتِها.

     عن سلمان -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «رِباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقِيامه، وإن ماتَ فيه جرَى عليه عملُه الذي كان يعمل، وأُجرِيَ عليه رِزقُه، وأمِنَ من الفتَّان»؛ رواه مسلم. وعن فضالَة بن عُبَيدٍ -رضي الله عنه-، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  قال: «كلُّ ميتٍ يُختَمُ على عمله، إلا المُرابِط في سبيل الله؛ فإنه ينمِي له عملُه إلى يوم القيامة، ويُؤمَّنُ من فتنة القبر»؛ رواه أبو داود والترمذي بإسنادٍ صحيح.

فضل الله واسع

     وفضلُ الله -تعالى- واسِع؛ فكلُّ قائِمٍ على ثغرٍ من ثُغور المُسلمين فهو مأجُور ولو كان في داخل البلاد. فعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم  يقول: «عينانِ لا تمسُّهما النار: عينٌ بكَت من خشية الله، وعينٌ باتَت تحرُسُ في سبيل الله»؛ رواه الترمذي بإسنادٍ صحيح.

     وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : «إن في الجنةِ مائةَ درجة أعدَّها الله للمُجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض؛ فإذا سألتُم اللهَ فاسأَلوه الفردوسَ فإنه أوسطُ الجنة، وأعلى الجنة، وفوقَه عرشُ الرحمن، ومنه تفجَّرُ أنهارُ الجنة»؛ حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين.

القتل ليس مقصودًا لذاته

لا شكَّ أن القتالَ أمرٌ صعبٌ تكرَهُه النفوسُ، قال الله -عز وجل-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(البقرة: 216).

     وإن القتلَ ليس مقصُودًا لذاتِه؛ فالمُسلمُ لا يذهبُ للجهاد لأجل أن يُقتل، وإنما لأجل أن ينصُر دينَ الله، ويُدافِعَ عن المُسلمين وعن أرضِهم، ولأجلِ أن ينتصِر في مهمَّته. لكن الشهادةَ ضمانةٌ للحالِ الأخرى، وحُسنى لا ينفكُّ المُؤمنُ من تحصيلِ أجرها أو النصر، قال الله -عز وجل-: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُون}(التوبة: 52).

إن الحقَّ لا بُدَّ له من صوتٍ يُعلِيه، وقوَّةٍ تَحمِيه، ورجالٍ يذُودُون عنه. فيا أيها المُرابِطون في سبيل الله، إنكم والله تُغبَطون على ما أنتم فيه من عظيم العمل وجزيل الثواب؛ فهنيئًا لكم الأجرُ والشرفُ.

     اقتَدُوا بالنبي وصحبِه في الصبر وذكرِ الله ودُعائه، وأبشِروا بالظَّفَر والنصر، {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(آل عمران: 146- 148).

     ويا أيها المُسلمون: إن المُجاهدين والمُرابِطين عل الحُدود لهم عليكم حقٌّ عظيم، يُعرِّضُون أنفُسَهم للموت والخطر، والتعبِ والنصَب، من أجل أن تعيشُوا في أمنٍ ورخاءٍ، وراحةٍ وأمنٍ وطُمأنينة، ورغدِ عيشٍ. يُعرِّضُون أنفُسَهم لكل أنواع المصائِب والأهوال، يُفارِقون الزوجات والأولاد والأهل، من أجل أن ينعَمَ إخوانُهم بعيشةٍ طيبةٍ؛ فهم يقُومون بواجبٍ عظيمٍ.

رباط أهل الداخل

     وكما أن الرِّباط عادةً يكون في الثُّغور وعلى أطراف البلاد، فإن لأهل الداخِل رِباطًا آخر لا يقلُّ أهميَّةً عن رِباط الحُدود، ولاسيما إذا كانت البلادُ قد دخلَت في غِمارِ الحروب. إنه حِراسةُ وحدة الصفِّ، واجتماع الكلمة، وهو ثغرٌ يحرِصُ العدوُّ عل النَّفاذِ منه إذا أعجزَته ثغورُ الأطراف؛ بل إنه لا قيمةَ لكل جهدٍ عل الحُدود إذا تمَّ النَّيلُ من ثغر الداخِل، وهو الثَّغرُ الذي يستهدِفُه المُنافِقون عادةً، وقد يستجِرُّون إليه المُغفَّلين والجُهَّال.

     إن العقلَ والمنطِقَ يقضِي بتأجيل أيَّة خلافاتٍ داخليَّة، أو خُصومات ولو كانت خلافاتٍ مُستحقَّة، ما دامَت البلادُ في حربٍ. فكيف إذا كانت خُصوماتٍ مُفتعلَة، وخلافاتٍ ساذَجة، تُشغلُ بها المُجتمعات، ويصطَفُّ لأجلِها النُّخبُ وذوو الهيئات؟! ترجُفُ بها وسائلُ التواصُل والإعلام، تُوغَرُ بها الصدور، وتُستجاشُ الأحقاد، يصحُو المُجتمعُ وينامُ لأيامٍ على تطوُّراتها وجديدها، يكونُ الانتصارُ فيها للنفسِ أكثرَ من الحقِّ، في استِهانةٍ بالحالةِ التي تعيشُها البلاد، وعدم مُبالاةٍ بجديَّة الأحداث التي يعيشُها الوطن.

     وثمَّة خواصِرُ ليِّنةٌ في كل مُجتمع، كثيرٌ منا يعرِفُها، إذا تمَّ مسُّها بحقٍّ أو باطِل ثارَ غُبارُ الجدل حولها، وانشغلَ المُجتمعُ بها، واستُحضِرَت الشَّحناءُ عل عتَبَاتها. هذه الخواصِرُ ينخَسُها المُغفَّلون، أو المدفُوعون بلا مُبالاةٍ ولا تقديرٍ للعواقِب، ولا إحساسٍ بالحالةِ الرَّاهِنة للدولةِ، فينسَى الناسُ حربَهم الداخلية، لينشغِلوا باحترابٍ مُجتمعيٍّ داخليٍّ.

     إن تلك القضايا الحسَّاسة التي تُمسُّ إن كانت إثارتُها بحقٍّ فليس هذا وقتُه، وإن كان بباطلٍ فإنما هي غارةٌ داخليَّةُ الرميِ والمرمَى، فلقد تجاوزَ النبي صلى الله عليه وسلم  الانشِغال بخيانة بني النَّضير في غزوة الخندق، وكشفِهم ظهور المُسلمين، حتى تفرَّق الأحزاب، وانهزَمَ غُزاةُ الخارِج، ثم حاسبَهم بعد ذلك. فكيف نشغلُ المُجتمع ونُرجِفُ به في مسائل أقل، وهي قابلةٌ للتأجيل؟!

وفي أول آيةٍ من سورة الأنفال:{فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}(الأنفال: 1). وفي أوسطها: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين}(الأنفال: 46).

لابد من إدراك الواقع

     والتعجُّلُ في الأمور وتوظيفُها للأهواء والشهوات من مُؤشِّرات الفشل وذهابِ الرِّيح، كما أن على صاحبِ كل منبرٍ أو قلمٍ ووسيلةٍ إعلاميَّةٍ خاصَّةٍ أو عامَّةٍ أن يُدرِك الظروفَ المُعاشَة، والنوازِلَ المُحيطَة بأمَّتنا. فإن كثيرين لم يُجارُوا الأحداث، ولم يستشعِرُوا الواقِع، ففُقِدَت الجديَّةُ في الطَّرح، وغابَ الترفُّعُ عن هَزيلِ البرامِج ودعايات الغرائِز.

     وإنك لتعجَبُ من قنواتٍ محسُوبةٍ على العربِ والمُسلمين قد انبَتَّ طرحُها عن أخلاق العربِ وشريعة المُسلمين. وآخرون يستَعدُون الرأيَ العام، ويُقلِّبُون الأمور عبرَ الكلمات والتغريدات والمقالات، في ضَجيجٍ تُؤجِّجُه العواطِف، واستِعداءٍ تؤُزُّه الأهواءُ الجامِحة، لا تُنتِجُ إلا إيقاظَ الفتن.

     فعلى كل قائلٍ وكاتبٍ أن يسعَى لتوجيهِ فيوضِ القول لجمع الكلمة، وتوحيد الصفِّ والجهد لتحقيق الهدف؛ فالزمنُ بأوجاعه ومُخاتلة أشراره لا يحتمِلُ التصعيد والمُناكفات. لابُدَّ من حَقن الأحبار، وكفِّ الألسُن، حتى يأذَن الله بانفِراج الأزمَات المُحدِقة بالأمة، وانكِشاف الغُمَّة، ولاسيما والأمةُ تمُرُّ بأوضاعٍ تستدعِي التوقُّف حتى عن بعضِ المُباح. فكيف بالإثم؟!

ومبادئُ الأمة التي قامَت عليها قرونًا لخَّصَها القرآنُ بقوله: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}(الحج: 41).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك