الشيخ داود العسعوسي يحاضر عن الفتن- في حفل توزيع جوائز مسابقة مجلة: (كنوز الخير الرمضانية) العاشرة
أقامت لجنة الدعوة والإرشاد - فرع محافظة مبارك الكبير بجمعية إحياء التراث الإسلامي - حفل توزيع جوائز مسابقة مجلة (كنوز الخير الرمضانية) العاشرة، وكان ضيف الشرف في هذا الحفل الشيخ داود العسعوسي - الوكيل المساعد لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - الذي ألقى محاضرة بعنوان: (وصايا وسنن في زمن الفتن).
عشر سنوات من الإنجاز
عشر سنوات هي عمر مجلة: (كنوز الخير الرمضانية) التي تصدرها لجنة الدعوة والإرشاد فرع محافظة مبارك الكبير، حيث يتم إصدارها في شهر رمضان المبارك من كل عام، وهي مجلة تحتوي العديد من المقالات المهمة لكوكبة من مشايخ الدعوة السلفية وعلمائها في الكويت، فضلا عن مسابقة ثقافية، وهي ما تميزت به المجلة؛ حيث توزع جوائزها كل عام في حضور كوكبة من وجهاء الكويت وعلمائها ومشايخها، وتميزت المجلة هذا العام بأنها وزعت على جميع مناطق الكويت بعد أن كانت توزع داخل محافظة مبارك الكبير فقط.
وصايا وسنن في زمن الفتن
افتتح الحفل المبارك فضيلة الشيخ عادل عباس في حضور الشيخ عادل هادي رئيس لجنة الدعوة والإرشاد، وقدم لمحاضرة فضيلة الشيخ داود العسعوسي، التي كانت بعنوان: ( وصايا وسنن في زمن الفتن) ؛ حيث تناول فيها الشيخ أهم الأصول والسنن التي يجب على المسلم مراعاتها في أزمنة الفتن، وبدأ الشيخ محاضرته بالتحذير من الفتن والتعرض لها، وكان مما جاء في المحاضرة:
لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن وبين أن كثرتها دلالة على قرب قيام الساعة؛ فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم : استيقظ من الليل ، وهو يقول : «لا إله إلا الله، ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات، كم من كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة»، وعن أسامة بن زيد:« أن النبي صلى الله عليه وسلم أشرف على أطم (حصن) من آطام المدينة ثم قال: «هل ترون ما أرى» إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر؟». وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم : الصلاة جامعة فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جُعلت عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تُنْكَر، فتجيء فتنة، فيرقق بعضها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو مؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإذا جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر».
الفتن شأنها عظيم وضررها جسيم
الفتن شأنها عظيم وضررها جسيم؛ لأنها كثيرة ومتنوعة، فأما فتنة الرجل في أهله وما له وجاره فهذه تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن الحذر كل الحذر من النوع الآخر من الفتن التي أصابت وتصيب الأمة، وهي الفتنة التي تموج كموج البحر، وهي التي يخاف فيها الرجل على دينه ويخشى فيها من سوء الخاتمة، والاصطلاء بنارها، بل قد ورد أن من شدة هذه الفتن أن يتمنى الرجل الموت ليرتاح من البلاء، فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه». فحين تشتد الفتن ويعظم بلاؤها يضيق بها المرء ويخشى على نفسه ولا يدري ماذا يفعل إلا تمنى الموت؛ لكي يتخلص مما هو فيه من الفتن العظيمة مع أن الإنسان مفطور على الخوف من الموت فكيف يتمناه؟ قال ابن مسعود: «سيأتي عليكم زمان لو وجد أحدكم الموت يباع لاشتراه» كما قيل:
وهذا العيش ما لا خير فيه
ألا موت يباع فأشتريه!
والفتن من أشراط الساعة كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : « لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ ، وَيَكْثُرُ الْهَرَجُ قِيلَ : وَمَا الْهَرَجُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ: « الْقَتْلُ ، ثَلاثًا ، وَأَنْ سَيَفِيضَ الْمَالُ فِيكُمْ حَتَّى يُهِمَّ الرَّجُلَ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ» .
ومما يدل على خطورة الفتن أنها تعرض على القلوب عرضًا دقيقاً حتى تفسدها، ولا ينجو منها إلا من عصمه الله، فعن حُذيفة بن اليمان رضي الله عنه : قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً فأي قلب أشربها نُكت فيه نُكتة سوداء وأي قلب أنكرها نُكت فيه نُكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين : على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً لا يعرف مَعروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه ». فالفتن تعرض على القلوب واحدة بعد أخرى كما تعرض قضبان وأعواد الحصير على صانعها واحدا بعد واحد، فالقلب المعصوم يردها بتوفيق الله وتقواه، فيكون صافيا بالإيمان لا خلل فيه، والقلب الذي يشربها يكون كالإناء المقلوب المنكوس لا يثبت الماء فيه، فكذا القلب لا يكون فيه خير ولا هدى ولا نور إلا الهوى والمعصية حتى يمتلئ بها فيسود.
أصول وقواعد وسنن وقت الفتن
الفتن الوادرة في النصوص كثيرة جدًا، مثل: التنافس على الدنيا وموت السنن وانتشار البدع، الافتراق والاختلاف، اتباع عادات اليهود والنصارى، تسلط الكفار على المسلمين.. الخ، وليس المراد هنا سردها وتفصيلها، ولكن نريد التركيز على الأسس والأصول التي ينبغي مراعاتها عند الفتن حتى نسلم من شرها.
- أولاً: يجب فهم النصوص الواردة في الفتن والتعامل معها وفق سنن الله الكونية في خلقه:
فنحن جزء من أمة الإسلام، وأمة الإسلام ليست بدعًا من الأمم، تجري عليها سنن الله في خلقه التي لا تتغير ولا تتبدل في الأمم السابقة واللاحقة {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} (الفتح: 23) .
ولم تخل أمة من الأمم من وقوع الفتن والأحداث الجسام فيها، وأمتنا كما جاء في النصوص السابقة تجري عليها هذه الفتن لنعلم أن المسألة ليست محاباة لأحد، أو ظلما لأحد، بل هي سنة الله جارية في خلقه حتى قيام الساعة.
وهذا الأصل مهم جدا حتى لا يتعامل الناس مع نصوص الفتن وفق أهوائم ونظراتهم القاصرة فيخطئون في الحكم عليها ثم التعامل معها ثم تحليلها واستخلاص نتائجها بما يكون بعيدًا جدًا عن مراد الله تعالى من تقريرها في الأمة، فلا يجوز فهم ما يصيب الأمة من فتن وفق الأهواء المضللة أو السياسات الجائرة أو العواطف الكاذبة فهذا زلف خطير جدًا.
- ثانيًا: قراءة قصص الأنبياء في كتاب الله تعالى مع أقوامهم، واستلهام العبر والدروس منها والتأسي بها {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ} (الأنعام) أوذي النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا فكان يقول: «رحم الله أخي موسى فلقد أوذي بأكثر من هذا فصبر».
ثالثا: دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع الصحابة وما واجهوه من فتن مع أعداء الإسلام، وكيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم معها وحث أصحابه عليها، فعن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.
- رابعًا: التحصن بالعلم الشرعي، والتفقه في الدين يقيك من شر الفتن، ويعصمك - بعد الله - منها؛ لأن العلم الشرعي نور وهداية ووقاية، هداية ينير لك الطريق الصحيح ويوضح لك علاماته، ووقاية من كل ما يعترضك من فتن صغيرة وكبيرة؛ لأنه يبصرك بطريقة التعامل معها.
لما قص الله قصة قارون وكنوزه وأن الذين يريدون الحياة الدنيا فتنوا به وبما يملك وقالوا: {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ، القصص أردف الله ذلك ببيان موقف أهل العلم الذين عصمهم وعلمهم من هذه الفتنة العظيمة: { وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} القصص). فانظر إلى أهمية العلم في العصمة من الفتن ومضلاتها.
ولذلك قال ابن القيم: « الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر ما أزالت يقينه ولا قدحت فيه شكا؛ لأنه قد رسخ في العلم فلا تستفزه الشبهات، بل إذا وردت عليه ردها حرس العلم وجيشه مغلولة مغلوبة»
- خامسًا: من حكم الإخبار بأحاديث الفتن أمران: تحذير الناس منها حتى لا يقعوا فيها، وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يعملوه معها:
فالإخبار عن الفتن وتفاصيلها ليس إخبارًا مجردًا، بل له حكمة؛ لأن الفتن واقعة واقعة، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بها، ومع ذلك بين في بعضها بل كثير منها ماذا ينبغي علينا عمله وقت وقوعها.
- سادسًا: لا يجوز أن يبث من أحاديث الفتن بين العوام ما لا تبلغه عقولهم:
هناك من النصوص الواردة في الفتن لا تتحملها عقول الناس، فلا يكون من المناسب ذكرها لهم حتى لا تكون فتنة لهم؛ فقد يردونها أو يعترضو. عليها أو لا ينزلونها منزلتها الصحيحة في الفهم والتعامل معها، ففي وقت الفتن ليس كل ما يعلم يقال، بل قد تكون المصلحة في ترك الحديث عنها أو نشرها في المجتمع حتى لا يفتن بها من لا تبلغها عقولهم، ولا يدخل هذا في النهي كتم العلم؛ لأن مراعاة المصلحة مطلوبة، ثم إن هذه الأحاديث ليس فيها أحكام شرعية.
والدليل على ذلك قول أبي هريرة قال: «حفظت من رسول الله [ دعاءين: فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم قال ابن حجر في الفتح (1/261) ما حاصله: «وهذا محمول على الأحاديث التي فيها تسمي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم، فرأى أبو هريرة أن المصلحة عدم التحديث فيها في زمانهم خشية الفتنة عليه وعلى غيره، وقيل محموله على ما يتعلق بأشراط الساعة والملاحم التي لا تبلغها عقول العوام فيكون لهم فتنة»، ومن ذلك قول علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكَذَّب الله ورسوله»؟، وقول ابن مسعود: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» ولذلك بوّب البخاري في كتاب العلم فقال «باب: من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا» و«باب: من ترك بعض الاختيار ومخافة أن يقصر الناس عن فهمه فيقعوا في أشد منه».
- سابعًا: التفرغ للعبادة وقت الفتن.
لأن الناس وقتها منشغلون بما يضرهم، والحال قد اختلطت عليهم فلعلهم بل أكثرهم غافل عن أداء العبادات، فيكون الانشغال بالله وأداء العبادات، التي قد تثقل على الناس من أعظم القربات لله تعالى، ودليل ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر الفتن: «من يوقظ صواحب الحجرات لكي يصلين؟! فرب كاسية في الدنيا عارية في الأخرة». وحديث «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا»، ولفظ «بادروا» فيه حث للإسراع قبل الانشغال بالفتن والاختلاط فيها فيغفل عن العبادة والعمل الصالح بسبب ذلك.
وهذا من كثرة الفتن وقلة من يتفرغ للعبادة وقتها، ولذلك يرد في كتاب الله تعالى كثيرًا الحث على الطاعة والتقرب إلى الله تعالى بالعبادات بعد ذكر الفتن والبلاء ونحو ذلك، قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿76﴾ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴿77﴾أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴿78﴾} (الإسراء: 76-78)، {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (البقرة: 110)، وبالعموم: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}البقرة: (45) ولذلك: كان صلى الله عليه وسلم إذا أهمه أمر فزع إلى الصلاة.
لاتوجد تعليقات