رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 5 يناير، 2017 0 تعليق

الشيخ المعيقلي: فقه الابتـلاء

لقِيَ النبي صلى الله عليه وسلم من البلاء ما لقِي حيث أذَاه قومُه وطرَدُوه من بلدِه، وتآمَرُوا على قتلِه فكان صلى الله عليه وسلم أجملَ الناس صبرًا وأحسنَهم بالله ظنًّا

المُنافِقون والذين في قلوبِهم مرضٌ حالُهم كما هو في كل زمانٍ ومكانٍ، يُرجِفُون ويُخذِّلُون لينشُرُوا الخوفَ والضعفَ في صفُوفِ المُؤمنِين

ألقى فضيلة الشيخ ماهر المعيقلي - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (فقه الابتلاء)، التي تحدَّث فيها عن الابتلاءِ وأنه من سُنن الله -تعالى- الإلهيَّة، مُبيِّنًا أن أعظمَ الناس ابتلاءً وأشدَّهم هم أنبياءُ الله -تعالى- ثم الأمثَلُ فالأمثَلُ من الناس، وأن الابتِلاء يكون على حسبِ دينِ العبدِ، كما أرشدَ إلى السُّبُل التي من شأنها ألا يضيعَ أجرُ المسلم إذا حلَّ به ابتلاءٌ أو نزلَت به مُصيبَة، كل ذلك من خلالِ قصَّة غزوة الأحزابِ المذكُورة في كتابِ الله -تعالى- وسُنَّة رسولِه صلى الله عليه وسلم ، وكان مما جاء في خطبته:

     لم يجعَل الله -تعالى- الدنيا مقرًّا دائمًا لعبادِه، ولا دارَ نعيمٍ لأوليائِه، ولكنه أرادَها بحكمتِه دارَ ابتِلاءٍ واختِبار، يُمحِّصُ عبادَه فيها بالبلايا، ويختبِرثهم بالمِحَن والرَّزايَا {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}(الأنبياء: 35)، وما من مُؤمنٍ بالله واليومِ الآخر إلا كان له نصيبٌ من الابتِلاء، كما أخبرَ بذلك ربُّ الأرض والسماء، فقال - جلَّ جلاُه وتقدَّسَت أسماؤُه -: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}(العنكبوت: 2، 3).

الابتلاء على قدر العطاء

     الابتِلاءُ يكون على قَدر العطاء؛ فعن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ - رضي الله عنه - قال: قُلتُ: يا رسولَ الله! أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟ قال: «الأنبياءُ، ثم الأمثَلُ فالأمثَلُ، فيُبتَلَى الرجلُ على حسبِ دينِه؛ فإن كان دينُه صُلبًا اشتدَّ بلاؤُه، وإن كان في دينِه رِقَّة ابتُلِيَ على حسبِ دينه، فما يبرَحُ البلاءُ بالعبدِ حتى يترُكَه يمشِي على الأرض ما عليه خطيئة». رواه الترمذي، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، فلذا كان الأنبياءُ - عليهم السلام - مع ما هم فيه من البلاء - أشرَحَ الناس صدرًا، وأكثَرَهم تفاؤُلاً:

ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم 

لقِيَ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم من البلاء ما لقِي؛ أذَاه قومُه وطرَدُوه من بلدِه، وتآمَرُوا على قتلِه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}(الأنفال: 30)، فكان صلى الله عليه وسلم أجملَ الناس صبرًا، وأحسنَهم بالله ظنًّا.

     وفي معركةِ أُحُد كُسِرَت رَباعيتُه، وجُرِحَ وجهُه، وشُجَّ رأسُه، فلم تزَل دماؤُه الزكيَّةُ تسِيلُ على وجهِه الطاهِر؛ فجعلَ يسلُتُ الدمَ عنه ويقول: «كيف يُفلِحُ قومٌ شجُّوا نبيَّهم؟!»، وكسَروا رباعيتَه وهو يدعُوهم إلى الله». متفق عليه، وأُصيبَ صلى الله عليه وسلم يوم أُحُدٍ في أصحابِه، وفي أعزِّ الناس عليه وأقرَبِهم إلى قلبِه: عمِّه حمزة رضي الله عنه وقد بُقِرَ بطنُه، وجُدِعَ أنفُه ومُثِّلَ به، فدُفِن في سَفْح الجبل مع سبعين رجُلاً من خِيرَة أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى تمنَّى صلى الله عليه وسلم أن لو كان شهيدًا يوم ذاك معهم؛ ففي (مسند الإمام أحمد) بسندٍ حسنٍ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما واللهِ لودِدتُ أني غُودِرتُ مع أصحابِي بحضنِ الجبَل».

اجتماع الأحزاب

     وفي السنة الخامسة من الهِجرة النبوية اجتمَعَ الأحزابُ لقتالِ النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فجاؤوا من كل صَوبٍ وحدَبٍ، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم صابِرٌ مُحتسِبٌ مع شدَّة الأمر والكربِ؛ ففي (صحيح البخاري)، عن البراء رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينقُلُ الترابَ يوم الخندَقِ حتى اغبَرَّ بطنُه يقولُ: «واللهِ لولا الله ما اهتَدينَا، ولا تصدَّقنَا ولا صلَّينَا، فأنزِلَنْ سكينةً علينا، وثبِّت الأقدامَ إن لاقَينَا، إن الأُلَى قد بغَوا علينا، إذا أرادُوا فتنةً أبَينَا»، ورفعَ بها صوتَه: «أبَينَا، أبَينَا».

     وبينما هم كذلك في حفرِهم للخندَقِ، وقد مكَثُوا في حفرِه نصفَ شهرٍ، أنهكَهم الجوعُ فيها وأرهقَهم السهرُ؛ إذ عرضَت لهم صخرةٌ شديدةٌ كسَرَت معاوِلَهم، وأوهَنَت قُواهم، يصِفُ ذلك الحالَ جابِرٌ رضي الله عنه بقولِه: «إنا يوم الخندَقِ نحفِرُ، فعرَضَت كُديةٌ شديدةٌ» أي: صخرة، “فجاءُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: هذه كُديةٌ عرَضَت في الخندَقِ، فقال: «أنا نازِلٌ»، ثم قام وبطنُه معصُوبٌ بحجَرٍ - أي: من الجُوع -، ولبَثنَا ثلاثةَ أيامٍ لا نذُوقُ ذواقًا، فأخذَ النبي صلى الله عليه وسلم المِعوَلَ فضرَبَ، فعادَ كثيبًا أهيَل». رواه البخاري.

     ولما اجتمعَ الأحزابُ حول المدينة النبوية - وكان ذلك في ليالٍ بارِدة -، وهم أكثرُ من عشرة آلافِ مُقاتِلٍ، وأصحابُ النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيدُون عن ثلاثة آلاف؛ إذ نقَضَ يهودُ بني قُريظةَ عهدَهم مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فضاقَ الخَطبُ، واشتدَّ الكربُ، وظهرَ الخوفُ مع الجُوع والبردِ، وانقطَعَت الأسبابُ الظاهرةُ للنصر؛ فلا عددَ ولا عُدَّة، فكانت شدَّةٌ وأيُّ شِدَّة؟! وصفَها الله - عز وجل - بقولِه: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا}(الأحزاب: 10، 11)، ومع ذلك كلِّه كان صلى الله عليه وسلم يُبشِّرُ أصحابَه بموعُودِ ربِّهم، وتفريجِ كربِهم، وهلاكِ عدوِّهم.

     ففي (السنن الكبرى) للبيهقي: لما اشتدَّ البلاءُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابِه، نافقَ ناسٌ كثيرٌ، وتكلَّمُوا بكلامٍ قبيحٍ، فلما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما فيه الناسُ من البلاءِ والكربِ، جعلَ يُبشِّرُهم ويقولُ: «والذي نفسِي بيدِه؛ ليُفرَّجنَّ عنكم ما ترَونَ من الشدَّة والبلاء، فإني لأرجُو أن أطُوفَ بالبيتِ العتيقِ آمنًا، وأن يدفعَ الله - عز وجل - مفاتِحَ الكعبة، وليُهلِكنَّ الله كِسرَى وقيصَر، ولتُنفقنَّ كنوزُهما في سبيلِ الله».

انفراج الكروب بالتوحيد

وما انفرَجَت الكروبُ - يا عباد الله - إلا بالتوحيدِ؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم حالَ حِصارِهم يُكثِرُ من قولِ: «لا إله إلا الله وحده، أعزَّ جُندَه، ونصَرَ عبدَه، وغلَبَ الأحزابَ وحدَه، فلا شيءَ بعدَه». (رواه البخاري ومسلم).

     وأما المُنافِقون والذين في قلوبِهم مرضٌ فحالُهم كما هو في كل زمانٍ ومكانٍ، يُرجِفُون ويُخذِّلُون؛ لينشُرُوا الخوفَ والضعفَ في صفُوفِ المُؤمنِين، فكان بعضُهم يقولُ: يعِدُنا محمدٌ كنوزَ كِسرَى وقيصَر، وأحدُنا لا يأمَنُ أن يذهبَ إلى حاجتِه! بل أخذَ بعضُهم يستأذِنُ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالرُّجوع إلى الدُّور ويقولُ: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا}(الأحزاب: 13)، {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}(الأحزاب: 12).

المُؤمنون الصادِقون

     وأما المُؤمنون الصادِقون فإنهم لا يفقِدُون صِلَتهم بربِّهم، وثِقَتَهم بخالِقِهم، مهما أُصِيبُوا في سبيلِ الله؛ فالصحابةُ - رضي الله عنهم وأرضاهم - أحسَنُوا الظنَّ بالله فثبَتُوا، وتوكَّلُوا عليه فنُصِرُوا، قال شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: غزوةُ الأحزاب نصَرَ الله فيها عبدَه، وأعزَّ فيها جُندَه بغير قتالٍ؛ بل بثباتِ المُؤمنين بإزاءِ عدوِّهم، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}(الأحزاب: 22).

حُسنَ الظنِّ بالله

     إن حُسنَ الظنِّ بالله عبادةٌ قلبيَّةٌ جليلةٌ لا يتمُّ إيمانُ العبدِ إلا بها، وهو ما تقتَضِيه أسماءُ الله الحُسنى وصفاتُه العُلَى، ومن أحسَنَ ظنَّه بالله آتاه الله إياه؛ ففي الحديثِ المُتَّفقِ على صحَّته: يقولُ الله -تعالى-: «إن عند ظنِّ عبدِي بي»، قال عبدُ الله بن مسعُودٍ رضي الله عنه : «والله الذي لا إله غيرُه؛ ما أُعطِيَ عبدٌ مُؤمنٌ شيئًا خيرٌ من حُسنِ الظنِّ بالله، الذي لا إله غيرُه؛ لا يُحسِنُ عبدٌ بالله - عزَّ وجل - الظنَّ إلا أعطَاه الله - عزَّ وجل - ظنَّه؛ ذلك بأن الخيرَ في يدِه»، ولئِن كانت الحاجةُ إلى حُسن الظنِّ بالله مطلَبًا في كل الأحوال، فإنها حالَ المصائِبِ والشدائِد تعظُمُ الحاجةُ وتتأكَّد.

     ففي (صحيح البخاري)، عن خبَّاب بن الأرَتِّ رضي الله عنه قال: شكَونا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو مُتوسِّدٌ بُردةً له في ظلِّ الكعبَة، فقُلنا: ألا تستنصِرُ لنا؟ ألا تدعُو لنا؟ فقال: «قد كان من كان قبلَكم يُؤخذُ الرجُلُ فيُحفَرُ له في الأرض فيُجعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنشار فيُوضَعُ على رأسِه، فيُجعَلُ نصفَين، ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دُون لحمِه وعظمِه فما يصُدُّه ذلك عن دينِه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسيرَ الراكِبُ من صنعَاءَ إلى حضر موتٍ لا يخافُ إلا الله والذئبَ على غنَمِه، ولكنَّكم تستعجِلُون».

أحداثٌ جِسام

     وفي تاريخِ أمَّتِنا الطويلِ أحداثٌ جِسام، وواقِعاتٌ عِظام، كشَفَها الله -تعالى- بالتوبةِ إليه والرُّجوعِ إلى كتابِه وسُنَّة رسولِه صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}(غافر: 51)، والمُؤمنُ - يا عباد الله - قد يشتَدُّ عليه الكربُ والخَطبُ، وتُحيطُ به الفتنُ والمِحَن، ويُخيِّمُ عليه الهمُّ والغمُّ، ولكنَّه مُؤمِّلٌ في ربِّه، واثِقٌ بنصرِه، مُستبشِرٌ بتأيِيدِه، مُترقِّبٌ لفرَجِه وكرَمِه، آخِذٌ بأسبابِ النصر والتمكينِ كما أمرَه.

الوقوف بحزم وعزم

     إن ما يحدُثُ في بلاد المُسلمين اليوم يُوجِبُ عليهم أن يقِفُوا بكل حزمٍ وعزمٍ أمام كل ما يُهدِّدُ استِقرارَهم، أو يعتَدِي على مُقدَّساتهم، أو يُسبِّبُ الفُرقةَ بينهم، وما أحوجَ المُسلمين اليوم إلى التعاضُدِ مع قادَتهم وولاةِ أمرِهم؛ لتجتمِعَ كلمتُهم، ويقِفُوا صفًّا واحدًا أمامَ عدوِّهم، وصدَقَ الله إذ يقولُ: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}(الأنفال: 46).

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك