رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: إعداد: قسم التحرير 28 ديسمبر، 2020 0 تعليق

الشيخ البدر: أهل السنة والجماعة قولهم في الاعتقاد واحد وإن اختلفت بلدانهم وتباعدت أزمانهم

 

ما زلنا نستعرض محاضرة الشيخ عبد الرزاق عبد المحسن البدر حول خصائص عقيدة أهل السنة والجماعة، وصفاتهم، وذكرنا في العدد الماضي ما طرحه الشيخ من خصائص هذه العقيدة ومنها: أنها عقيدة مستقاةٌ من القرآن والسنة، وأنها عقيدة توافق الفطَر السليمة، وأنها سليمة من التناقض والاضطراب، وتتسم بالوضوح وعدم الغموض، وتُكسب القلوب الطمأنينة والراحة، ثم هي عقيدة وسط بين الإفراط والتفريط، واليوم نستعرض ما ذكره الشيخ حول خصائص أهل السنة والجماعة.

في البداية عرف الشيخ أهل السنة والجماعة بأنهم الذين أكرمهم الله -سبحانه وتعالى- بالاعتقاد الصحيح والإيمان السليم، وحُسن التلقي من كتاب الله وسنة رسوله -صلوات الله وسلامه عليه-، ثم عدد خصائصهم قائلاً:

أولاً: ليس لهم اسم إلا السنة

     ذكر الشيخ أن أول خصيصة من خصائص أهل السنة والجماعة أنهم ليس لهم اسم إلا السنة، أو إن شئت قل ليس لهم اسم إلا الإسلام، وما كان من الأسماء موافقًا لهذا الاسم مترتبًا عليه {هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِين} (الحج:78)، {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33)، فأهل السنة لا ينتسبون إلى شيء إلا إلى الإسلام أو المعاني أو الألفاظ التي تدل على الإسلام الصحيح مثل السنة، عندما يقال أهل السنة، ما هي السنة؟ السنة هي الإسلام الصحيح؛ لأن الإسلام الصحيح هو المتلقَّى من النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -، مثل أهل الأثر ونحو ذلك من الألفاظ والكلمات التي تدل على استمساكهم بالإسلام الذي ليس فيه شائبة؛ ولهذا لما سُئل الإمام مالك -رحمه الله تعالى- من هم أهل السنة؟ قال «هم الذين ليس لهم اسم كغيرهم» كالجهمي وغيره؛ ولهذا قال ابن القيم لما سُئل بعض أئمة أهل السنة من هم أهل السنة؟ قال «هم الذين ليس لهم اسم إلا السنة»، يعني لا ينتسبون إلى أشخاص، أو إلى أعمال، أو إلى أمور، وإنما ينتسبون للإسلام الخالص المتمثل في سنة النبي الكريم -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه-؛ ولهذا جاء عن ميمون بن مهران أنه قال: «إياكم وكل اسم يسمى بغير الإسلام!» ومراده بذلك الأسماء المحدثة التي تنتسب إلى بدعة معينة، أو إلى مُنشئ لبدعة معينة، فحذَّر -رحمه الله- من ذلكم أشد التحذير.

ثانيًا: قولهم في الاعتقاد قول واحد

     ثم بين الشيخ أن من خصائصهم أيضًا أن قولهم في الاعتقاد قول واحد، وإن اختلفت بلدانهم وتباينت ألسنهم وتباعدت أزمانهم، واتفاقهم على قولٍ واحدٍ في العقيدة راجعٌ إلى كون المنبع الذي استقى منه هؤلاء عقيدتهم منبع واحد، ولهذا تراهم في العقيدة على قلب رجلٍ واحد، وقولهم فيها قول واحد، فإذا قرأت كتاباً في العقيدة لإمامٍ من أئمة أهل السنة في قرنٍ متأخر، وطابقته مع كتابٍ لإمام من أئمة أهل السنة في قرنٍ متقدم تجد القول واحد والطريقة واحدة، مثل: «نعتقد كذا؛ لقول الله -تعالى- كذا، ونعتقد كذا؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كذا»، بينما إذا نظرت في العقائد الأخرى كالعقائد التي تبني قولها على علم الكلام -على سبيل المثال- فتجد أن القول عند أحدهم - وإن كانوا تلقوا علْمهم على شيخٍ واحد - تجد القول عند هذا مخالف للقول عند الآخ؛ لأن العقول متباينة والآراء متفاوتة، بل إن الواحد منهم تجده يتنقل بسبب ارتباطه بالكلام من عقيدة إلى عقيدة، فلا يثبت على عقيدة، ولهذا فإن السلف قديما لما ذمُّوا أهل الكلام، ذموهم بقولهم: «إياكم والتنقل في الدين!»؛ لأن من سمة هؤلاء أنهم يتنقلون، وقد قال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى-: «من جعل دينه عرضة للخصومات أكثر التنقل»، فهذا معلم من معالم أهل السنة وخصِّيصة من خصائصهم.

ثالثاً: الاقتصار في التلقي على الكتاب والسنة

     وعن الخصيصة الثالثة من خصائص أهل السنة، قال الشيخ البدر: أهل السنة يقتصرون في التلقي على الكتاب والسنة، وهذا سبق بيانه وإيضاحه؛ فأهل السنة إنما يستمدون عقيدتهم ويتلقونها من الوحي المبين وكلام رب العالمين، قال الإمام الزهري -رحمه الله-: «من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم»، وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: «نصِف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا نتجاوز القرآن والحديث «، وقال الإمام الأوزاعي -رحمه الله-: «ندور مع السنة حيث دارت -أي نفياً وإثباتا- فما أثبت في الكتاب والسنة أثبتناه، وما نُفي في الكتاب والسنة نفيناه».

رابعًا: الحرص على الاتباع والبعد عن الابتداع

     كما بين الشيخ أن من أهم خصائص أهل السنة التي من أجلها سُموا أهل السنة والجماعة حرصهم على اتباع السنة، وأهل جماعة لحرصهم على الائتلاف والاجتماع، وهذه من خصائصهم ومعالمهم الواضحة، أنهم حريصون كل الحرص على لزوم سنة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - والتمسك بها، وحريصون كل الحرص على جمع القلوب على السنة والاتباع للرسول الكريم -صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

خامسًا: أهل وسطية واعتدال

وعن وسطية أهل السنة واعتدالهم قال الشيخ البدر: هذا أمر سبق بيانه في ذكر خصائص العقيدة الإسلامية، فأهل هذه العقيدة هم أهل الوسطية، ليس عندهم غلو ولا جفاء، ولا إفراط ولا تفريط.

سادسا: البعد عن المراء والخصومة في الدين

     أما عن الخصيصة السادسة فقال عنها الشيخ: من خصائص أهل السنة والجماعة، البعد عن المراء والخصومة في الدين، وقد قال الله -سبحانه وتعالى-: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (الزخرف:58)، فالخصومة في الدين مذمومة، ولا يجوز أن يُجعل الدين عرضة للخصومات والمراء والجدل، وليس الدين أمرًا يعرَّض للخصومات؛ بحيث يكون الدين للغالب من المتخاصمين ليس الدين كذلك.

سابعًا: سلامة القلوب وسلامة الألسن

     وأكد الشيخ البدر على أن سلامة القلوب وسلامة الألسن خصِّيصة مهمة وعظيمة من خصائص أهل السنة؛ أما القلوب فليس فيها غل ولا حقد ولا ضغائن ولا غير ذلك من الأمراض والأسقام، وأما الألسن فهي سليمة أيضاً من الدخول في الأعراض والنيل من الناس والوقوع في السباب والشتائم وغير ذلك، فأهل السنة في سلامة، سلامة في القلوب وسلامة في الألسن، وهذا جمعه قول الله -سبحانه وتعالى-: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر:10)، فقوله {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} هذا فيه سلامة اللسان، فاللسان ليس فيه إلا الدعاء، الدعاء للمسلمين بالمغفرة والرحمة والعافية، والسلامة والنجاة بحصول الخير والبركة، وحصول الأمن والطمأنينة، وسلامة القلوب في قوله: {وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا}، فالآية جمعت بين سلامة القلب وسلامة اللسان، سلامة اللسان تكون بالدعاء، وبالنصح، وببيان الخير، أما الذي -والعياذ بالله- يكون سليط اللسان على الناس، مقذِعاً سبَّاباً طعَّاناً لعَّاناً فاحشاً بذيئاً والعياذ بالله، أو أيضا يكون قلبه مليئا بالأمراض من ضغائن وأحقاد ونحو ذلك أين هو من السنة؟! ما أبعده منها! فالسنة جاءت بسلامة القلوب وجاءت بسلامة الألسن؛ بحيث يكون القلب صافيا تجاه المسلمين، ليس فيه إلا النصح ومحبة الخير، «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه»، والألسن ليس فيها إلا الدعاء، حتى وإن كان الإنسان ضالا يُدعى له بالهداية، ويدعى له بالصلاح، ويدعى له بالتوفيق، ويدعى له بالسداد.

ثامنًا: كرم الأخلاق والاستقامة على الهديِ

     الأمر الثامن من خصائص أهل السنة التي بينها الشيخ: كرم الأخلاق، وكذلك الاستقامة على الهدي والسمت الطيب، ولزوم السنة في الظاهر والباطن، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما بسط في كتابه العقيدة الواسطية (عقيدة أهل السنة والجماعة) ختم كتاب العقيدة الواسطية بذكر الآداب الإسلامية والأخلاق الكريمة الفاضلة التي هي نبعٌ من الاعتقاد الصحيح، بمعنى أن من صحَّ اعتقاده حسُن خلقه؛ لأن المخلص الصادق المؤمن المقبل على الله -سبحانه وتعالى- الذي عُمِر قلبه بالإيمان والاعتقاد الصافي هذا ولاشك يولِّد الأخلاق الفاضلة والآداب الرفيعة، كما يشهد لذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

تاسعًا: الاشتغال بأبواب الخير كلها

     ثم ختم الشيخ حديثه بالأمر الأخير من خصائص أهل السنة ألا وهو الاشتغال بأبواب الخير كلها وعدم الاقتصار على بعضٍ دون بعض، قال الله -سبحانه وتعالى- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} (البقرة:208)، وترى في الطوائف من يقتصر على جانب معيَّن من الدين، ويكون هو موضع اهتمامه ومحل تركيزه وعنايته، بينما السنة تجمع الخير كله، والدعاة إليها وأهلها دعاةٌ إلى الخير كله في جميع أبوابه، وفي جميع مجالاته؛ نصحاً للخلق، ورحمةً بالناس، ودعوة إلى الخير، وتكثيراً للفضائل والبركات بين الناس وفي المجتمعات؛ فهذا معلم من معالم أهل السنة وخصيصة من خصائصهم.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك