الشيخ أحمد فريد لـ«الفرقان»: الخروج من الأزمة الراهنة يحتاج استعانة بالله عز وجل؛ لأن الأحداث أكبر من طاقة الإسلاميين
الحديث عن الدعوة السلفية في مصر له أهميه كبيرة؛ كون الدعوة السلفية كانت ولا تزال أهم قوة في الشارع المصري وأبرزه، ولا شك أن هناك عددا من الناس لا يزالون يجهلون الكثير عن تلك الدعوة المباركة، والحديث عن الدعوة في الفترة الأخيرة حديث ذو شجون؛ كون الدعوة تحملت الكثير من الأعباء نتيجة مشاركتها في العملية السياسية، وثار جدل كثير حول العديد من المواقف التي اتخذتها الدعوة من الأحداث الأخيرة التي تمر بها البلاد، فكان لزامًا علينا الالتقاء بأحد مؤسسي هذه الدعوة المباركة، وعضو مجلس إدارتها الشيخ الدكتور أحمد فريد – حفظه الله - للتعرف - عن قرب - على كثير من التساؤلات التي تدور في أذهان الناس تجاه الدعوة وتجاه مواقفها.
- سألنا الشيخ بداية عن تقييمه الوضع الراهن والأحداث التي تمر بها مصر مؤخرًا، وهل يتحمل الإخوان نتيجة هذه الأحداث؟
- فقال مشكورًا: الحمد لله رب العالمين, بداية أرحب بالأخ محمود صلاح مراسل مجلة الفرقان الكويتية، وأسأل الله أن يبارك فيه، وأن يبارك في مجلة الفرقان، وأن يجعلها بحق فرقانًا بين الحق والباطل، وأن يجري الحق على صفحاتها.
لا شك أن مجريات الأمور تحمل كثيرًا من المعضلات، وبالتالي فنحن بحاجة إلى توفيق من الله عز وجل، ونحمد الله أننا لم نكن سببًا في جلب تلك الفتنة، وكذلك لا نستطيع أن نتهم جماعة الإخوان المسلمين أنها وحدها مسؤولة عن هذا الوضع، ولكنه مكر الليل والنهار دام من ثورة 25 يناير حتى هذه اللحظة على أيدي فلول النظام السابق، وهذا لا ينفي أن أخطاءهم أسقطتهم أيضًا، ونصحناهم في موقفهم من القضية السورية، وإيران، والضباط الملتحين، وغيرها من الأمور، ولكنهم لم يستجيبوا.
- هل ترى أن ما يحدث الآن في مصر فتنة؟
- هو فتنة من وجه، وليس فتنة من وجه آخر، فهو فتنة من جهة أنه تقاتل بين المسلمين، فقد نجد الشرطي المسلم أو الجندي المسلم يقتل أخاه من المتظاهرين فهو من هذا الوجه فتنة, لكن من وجه آخر أنه من جملة الصراع بين الحق والباطل، فكما وضح هو صراع بين الذين يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا من أنصار الهوية الإسلامية، وبين العلمانيين والليبراليين الذين يريدون أن يمسخوا هوية الأمَّة، ولذلك حرصوا من بداية الأمر على تغيير الدستور؛ لأنه ينص على الشريعة الإسلامية، في حين أن هذا الدستور قد صوَّت عليه من جهة الشعب، وأقره الشعب، فليس من حق أحد أن يغيره.
- ما نصيحتك لأهل مصر في هذا الوقت وللأمة جميعًا؟
- النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «إنها ستكون فتن يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا، قالوا فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله»، فأنا أنصح المسلمين عمومًا بالاعتصام بكتاب الله، بالقيام به بتدبره، بالاهتداء بهديه، بالتخلق بأخلاقه وآدابه, كما أنصح الأمَّة بالاقتراب من أهل العلم؛ لأن الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل, والعبرة أن نعرف الفتنة وهي مقبلة وليست وهي مدبرة.
- بما أنكم ذكرتم أهمية الالتفاف حول العلماء؛ فما الدور المنوط بهم في هذه الأيام تحديدا؟
- لا بد أن نعلم أنه سيكون هناك تضييق على الدعوة وعلى الدعاة، فينبغي أن تُستغل هذه الفرصة، والدعوة انتشرت في زمان التضييق طوال العهد السابق - عهد مبارك - مع هذا التضييق, فلو ضيق على العمل العام وعلى الفضائيات وعلى العمل السياسي، فينبغي أن يستغل الوقت في العمل التربوي وتزكية النفوس وتعليم الناس وتبيين المنهج والفكر الإسلامي الصحيح.
- بعضهم ذكر أنكم خالفتم مجلس إدارة الدعوة السلفية حينما أفتيتم بجواز الخروج السلمي لتأييد الشرعية، فما سبب ذلك؟
- أولاً أنا ملتزم بإداريات الدعوة وقرارتها، ولكن تعبدًا لله عز وجل أفتيت - منفردًا - بجواز الخروج، لأن طلب السيسي التفويض كان من أجل مواجهة إخواننا في ميداني رابعة والنهضة بالعنف، فأفتيت بجواز الخروج معهم لتكثير سوادهم ولنصرتهم ولدفع الضرر عنهم، ففتواي لها وجه شرعي، ووضعت لها ضوابط منها: ألا يواجهوا من اعتدى عليهم بالسلاح، بل ينسحبوا، ولا يخربوا شيئا من الممتلكات العامة والخاصة.
- هل معنى ذلك أن هناك تضاربًا في قرارات الدعوة، وأن بعضهم غير راض عن بعض تلك القرارات؟
- قرارات الدعوة لا تُتخذ فرديا، بل هي نتاج مشورة واستخارة ومباحثات طويلة، ثم يُتخذ القرار بأغلبية مجلس إدارة الدعوة السلفية، وبعض العلماء أعضاء المجلس قد تكون معطيات المشهد السياسي ليست مكتملة عندهم، بخلاف مشايخ آخرين كالشيخ ياسر برهامي فهو يلمس الواقع بسبب تواصله مع جهات متعددة فاعلة، وينقل رؤيته لهذا الواقع إلى مجلس إدارة الدعوة، وغالبا من يحضرون مجلس إدارة الدعوة ويكونون على علم بهذه المعطيات، وإذا كان بعض علماء الدعوة لا يحضرون هذه المجالس، فقد يخالف رأيهم رأي الدعوة بسبب عدم إلمامهم بتلك المعطيات، مع احترامنا لكل العلماء سواء كانوا من داخل الدعوة أم من خارجها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المسائل مسائل اجتهادية، كمسألة الخروج للتظاهر أو عدمه فهي مسائل اجتهادية، فلا يستطيع أن يجزم فيها أحد بأنه على حق وغيره على باطل.
- هل ندمتم على المشاركة في العملية السياسية؟ وهل تأثرت الدعوة نتيجة تلك المشاركة؟
- لا، لم نندم على ذلك، والدعوة لمّا قررت المشاركة في العمل السياسي بعد ثورة 25 يناير، لم يكن مقصودها أبدًا أن يترك الناس الدعوة ويشتغلوا بالعمل السياسي، وقلنا: إن النهر العظيم هو نهر الدعوة، وأن العمل السياسي سيكون كقناة صغيرة تصب في النهر الكبير وهو نهر الدعوة، وأنه للمحافظة على الدعوة سيكون هناك حزب يدافع عن الدعوة ويحرص عليها.
وأنا لا أرى في المشاركة ضررًا كبيرًا، ولكن الاستغراق في العمل السياسي وانشغال أكثر الناس به هو الخطأ، ولكن أن يكون هناك عدد من الإخوة ينشغلون بالعمل السياسي، كما أن هناك إخوة منشغلين بالعمل الإغاثي أو الإعلامي فكذلك العمل السياسي مطلوب, وجود حزب يدافع عن الدعوة ويبين فكر الدعوة ويحافظ عليها مطلوب, لكن التوسع في ذلك بحيث صار كثير من الناس مشغولين بالعمل السياسي هذا هو الخطأ.
- كيف ترون ظاهرة استهداف الإخوة والأخوات أصحاب السمت الإسلامي (اللحية والنقاب)، لدرجة أن بعضهم بدأ يحلق لحيته خوفًا من الاضطهاد والأذى؟
- أقول: إن جو الدعوة ليس دائمًا في أمان, قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، قد تحدث فتن, فنحن عاصرنا مثلاً فتنة (الفنية العسكرية عام 1975)، وكنا وقتئذ ملتزمين منذ عامين أو ثلاثة في بداية الصحوة الإسلامية, ثم عاصرنا (مقتل السادات)، و(أحداث أسيوط عام 1981م) ثم عاصرنا أحداث (1987م) وأحداث (1990م), فكان في كل فتنة من هذه الفتن يتساقط أناس عن الطريق فهي كزلزلة أرضية, يسقط أناس ويثبت آخرون, والحمد لله من يثبت كثير, فهذه طبيعة الدعوة, ونصيحتي للإخوة عمومًا كما قال بعض السلف: «لقد وبخ الله التاركين الصبر على دينهم حين أخبرهم عن المشركين أنهم قالوا: {امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} (ص: 6)، فإذا كان الذين يعبدون الأصنام المنحوتة يتواصون بالصبر على عبادتها فكيف بالذين يعبدون الله عز وجل؟
- وماذا تقولون فيمن أفتى من العلماء بجواز حلق اللحية في هذه الظروف؟
- ما تعرَّض له الملتحون أو المنتقبات إنما هي أحداث فردية لا تصل لحد الظاهرة أبدًا , أن يحدث في البلد حادثة أو اثنتين أو ثلاث أو عشرة ويكون البلد به مائة ألف ملتحِ ومنتقبة، فهذا لا يترتب عليه حكم, فالمشايخ الذين أفتوا بالحلق نقول لهم: إنها لم تكن ظاهرة، فلم نسمع مثلا أن ألفا في الإسكندرية أو عشرة آلاف في القاهرة قتلوا لأجل اللحية، أو حلقت لهم لحاهم بالقوة، ولكنها حوادث فردية ونادرة وليس لها حكم العام.
- بعد موقف حزب النور والدعوة السلفية تجاه الانقلاب العسكري، اتهمكم بعضهم بالخيانة أو بالعمالة لأمن الدولة فما تعليق فضيلتك على هذا الكلام؟
- هذا كلام ساقط بنفسه؛ لأن الكل يعلم أننا أكثر الناس الذين كان يتم التضييق عليهم من أمن الدولة، وأنا كنت معتقلا قبل الثورة بأربعة أشهر، والشيخ ياسر تم اعتقاله عام 2002، ولم يكن مسموحًا لنا بالسفر إلى خارج مصر للدعوة، ونسافر للحج والعمرة بصعوبة.
كما أن التحدث في النيات لا يجوز, فلا يجوز أن تتهم أحدًا لمجرد أنه خالفك في الاجتهاد أنه عميل أو منافق أو متآمر، فهذا لا يجوز, وهذا للأسف وقع فيه مشايخ أسأل الله أن يعفو عنهم وأن يتوبوا ويرجعوا, لكن الاختلاف في الاجتهاد والنظرة وتقدير المصالح والمفاسد وارد, لأن المسألة لها أكثر من وجه, وجه النصرة والمناصرة والمناصحة، والوجه الآخر تقليل المفاسد , فالإخوة نظروا من جهة تقليل المفاسد قالوا: بدلاً من أن يضرب كل التيار الإسلامي تنحصر المعركة مع تيار واحد بدلاً من التيارات كلها، فهذا مما لا شك فيه أنه محافظة على الدعوة وتقليل المفاسد, حتى وإن كان هذا الاجتهاد خطأ فلا ينبغي رمي المخالف لهم بالخيانة ونحو ذلك فهذا لا يجوز.
- يعني يمكن القول إن المسألة ما بين مصيب ومخطيء لا بين أمين وخائن؟
- نعم قد يقول اجتهدوا فأخطؤوا، وإن كان هو ليس أهلاً للحكم، لكن قد يظهر بعد ذلك من الذي اجتهد فأخطأ ومن الذي أصاب، ونحن ليس عندنا شك أن الإخوان هم الذين اجتهدوا فأخطؤوا, ولم يقدروا المصالح والمفاسد بصورة حسنة، ولم يقدروا حسابات المعركة التي دخلوا فيها.
- بعضهم يتهمونكم أنكم كنتم سببًا في إسقاط الإخوان بتعمدكم نقدهم على الملأ وتشويه صورتهم؟
- الإخوان تصدروا المشهد ولم يتقبلوا أي نصيحة من إخوانهم السلفيين, فإذا حدث لهم ما حدث نتيجة أخطاء أو عدم نصر السُنَّة لا يحملونا أخطاءهم، وكانت انتقاداتنا للدكتور مرسي من باب النصح له لما فتح الباب للإيرانيين, ولما منع الضباط الملتحين من عملهم وقطع رواتبهم، مع أنهم محسوبون على الاتجاه الإسلامي, هذه الأشياء وغيرها الكثير نصحناهم فيها سرًا وعلانيةً ولم يستجيبوا, فليست نصيحتنا لهم هي سبب سقوطهم، لكن استمرارهم في الخطأ وعدم قبول النصيحة هي التي أسقطتهم والله أعلم.
- ولكن بعضهم وصف انتقادكم للرئيس مرسي بأنه خروج على الحاكم؟
- انتقادنا للرئيس مرسي في بعض الأشياء ليس خروجًا عليه، فنحن لم نرد إسقاطه، ولكنه كان من باب النصح هذا واجب علينا بوصفنا أهل علم أن ننكر على الحكام أخطاءهم.
- هل يسيطر تلامذة الشيخ ياسر على مجلس إدارة الدعوة السلفية، وبذلك يكون رأي الشيخ هو المسيطر دائمًا؟
- هم ليسوا تلامذة للشيخ ياسر وحده، إنما هم تلامذة للدعوة عموما باعتبارهم الصف الثاني, فأنت لا تقدر أن تقول: إن الشيخ سعيد السواح, والشيخ شريف الهواري, والشيخ جلال مرة، وبقية مجلس الإدارة تلامذة للشيخ ياسر، لكنهم تلامذة لمشايخ الدعوة الشيخ محمد إسماعيل، والشيخ سعيد عبد العظيم، والشيخ ياسر برهامي، والشيخ أحمد حطيبة، وبقية مشايخ الدعوة؛ لأنهم بطبيعتهم صف ثان في الدعوة , قد يكون منهم من هو أقرب للشيخ ياسر كالشيخ محمود عبد الحميد، والشيخ عبد المنعم الشحات، لكن أيضًا لا تستطيع أن تقول: إنهم تلامذة للشيخ ياسر فقط، وهناك آلية معينة في اتخاذ القرارات داخل مجلس إدارة الدعوة الذي يقوم على الشورى والتصويت الحر ولا سيطرة فيه لأحد على أحد، وكل هذه افتراءات وأكاذيب الهدف منها تشويه صورة الدعوة.
- لماذا فشل السلفيون في مصر أن يجتمعوا في كيان واحد؟
- هم حاولوا ذلك من خلال كيانات مثل الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، ومجلس شورى العلماء، ولكن الأولى سيطر عليها الإخوان واستقال عدد من القيادات السلفية منها، نتيجة لسيطرة الإخوان، أما الدعوة السلفية فهي مؤسسة منذ 40 سنة، لها فروعها، وتلاميذها، ونرجو أن يتحد السلفيون بوصفهم جماعة واحدة، ولكن يعوق ذلك النظرة إلى الواقع والخلاف في قياس الأمور والتطبيق.
- هل تتجه الدعوة السلفية لتكوين كيان دولي منظم؟
- أبناء الدعوة السلفية في كل مكان، ولا يوجد تنظيم بالمعنى المعروف، ولكن من يميل إلى المنهج نفسه ويحمل المعتقد نفسه منتشرون في كل العالم.
- أخيرًا: ما هو السبيل للخروج من الأزمة الراهنة التي تمر بها مصر والأمة جميعًا؟
- الخروج من هذه الأزمة يحتاج استعانة بالله عز وجل؛ لأن الأحداث أكبر من طاقة الإسلاميين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ويلٌ للعرب من شر قد اقترب»، وقال: «إني أرى مواقع الفتن بين دياركم كمواقع القطر» ثم قال: «أيقظوا صواحب الحجرات يصلين»، فهذا يدل على أنه مما تُستدفع به البلايا الهروع إلى العبادة والإكثار منها.
وكذلك الدعاء؛ فقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} الأنعام (42). وكذلك قال رسول الله [ «ستكون فتن يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض الدنيا «قالوا فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: كتاب الله»، وكتاب الله يعني الاجتماع عليه والاهتداء بهديه.
لاتوجد تعليقات