الشــام بحر الآلام.. مواقف وعبر
الضعف الذي فيه الأمة هو ثمرة مُرَّة لقرون من التقصير، والفساد العقدي، والعملي، والسلوكي
لنتوقف عن العواطف الجاهلة التي تظن أن سنن الله تكون في عدم الأخذ بالأسباب، ولا بحساب القوى الواقعة والنتائج المتوقعة
ما يحدث في (حلب) خاصة وفي سوريا عامة يدمى له قلب كل حي، ويؤلم كل مسلم، ومَن يشهد هذه الجرائم التي يرتكبها (بشار الأسد) ونظامه، التي فاقت جرائم أبيه في حماة وحلب وغيرهما في زمنه، بل وفاقت ما فعل القرامطة بالمسلمين في بيت الله الحرام منذ نحو ألف سنة! وفاق ما فعله اليهود بفلسطين!
رغم هذه البحور مِن الآلام؛ إلا أننا لا بد لنا مِن دروس ننتفع بها مِن هذه الأحداث:
نرجو رحمة الله ولا نيأس
- أولاً: إننا نرجو رحمة الله لأهل سوريا؛ لما يحدث لهم، ولا نيأس أبدًا مِن ذلك؛ فقد قال الله -تعالى- عن بني إسرائيل: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} (الإسراء:7-8).
أحيانًا يكون تسلط الأعداء كفارةً للذنوب، ومحوًا للسيئات، ومغفرةً للتقصير للفرائض والواجبات، ورحمةً بعموم المسلمين.
نهاية الطغاة قد اقتربت
- ثانيًا: إن نهاية الطغاة قد اقتربت مهما بلغ بطشهم، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود:102) (متفق عليه).

شر الكافر المرتد
- ثالثًا: إن شر الكافر المرتد أشد مِن الكافر الأصلي، ولربما رأينا أو سمعنا مَن يقبل ما يفعله (بشار)، أو يدافع عنه، أو يقول إنه لحماية سوريا مِن التقسيم، أو يقول إن هذه دعاية مغرضة يفعلها بعض المخالفين، مع أن تواتر الأحداث بالصوت والصورة، وبالشهود العدول الذين يشهدون هذه الجرائم يؤكدون صحة ذلك، والحقيقة أن ما يجري هو تحتيم لتقسيم سوريا وتدميرها إن لم يتوقف! ما الوطن إن لم يكن هو الشعب الذي يعيش فيه؟!
فمن يضحي بشعبه، وبدمائه، وبحرماته، وأعراضه، ودياره هو أعظم مُجرم في حق وطنه، هو الذي باع وطنه، وحقق مراد الأعداء، فلينته أقوام عن الرضا، أو التسويغ، أو المعاونة، أو المدافعة، ولو قلبيًّا برجاء نصرة هذا الطاغية بهذه الجرائم، وإلا فهم مثله شركاء في جرائمه عند الله يوم القيامة، يوم تجتمع الخصوم.
وإن الحفاظ على البلاد يقتضي إزاحة هذا النظام وأعوانه حتى يمكن إعادة تعمير سوريا، بل إعادة وجودها.
دور العلماء
- رابعًا: إن مطالبة بعض الناس للعلماء والدعاة بأن يصنعوا شيئًا - وهم لا يعجبهم الدعاء وجهود الإغاثة، ويعدون ذلك عجزًا وضعفًا- هي مجرد تنفيس عاطفي أو تعليق الأمر على شماعة الآخرين وتقصيرهم؛ فالعلماء والدعاة لا يملكون شيئًا غير ذلك.
والضعف الذي فيه الأمة هو ثمرة مرة لقرون من التقصير، والفساد العقدي، والعملي، والسلوكي، فتغيير هذا هو سبيل التغيير فـ{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد:11).
الاعتداد بأحوالهم
- خامسًا: يجب تجنيب بلاد المسلمين مثل هذا المسار والمصير؛ فهو مسار لا يمكن أن يرتضيه عاقل فضلاً عن مؤمن، ومَن يرجو خراب بلادنا وتدميرها بزعم أن الوضع عندنا مماثل لـ(نظام بشار)؛ ظالم برجائه، معتدٍ بقصده وحرصه، ومساواته ما ليس بمتساوٍ؛ فليحذر على نفسه عقوبة مَن فَعَل، فإن مَن عزم ومنعه العجز شريك في الإثم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عمن قال: لو أن الله أعطاني مثلما أعطى فلانًا الذي أنفق ماله في معصية الله وفي محاربة أمره لفعلتُ فيه مثلما فعل فلان، قال النبي[: «فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وقال صلى الله عليه وسلم : «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟! قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ» (متفق عليه).
مراعاة موازين القوى
- سادسًا: يلزم مراعاة موازين القوى وحساب المآلات والنتائج في كل صدام يُقدِم عليه المسلمون، ولنتوقف عن العواطف الجاهلة التي تظن أن سنن الله تكون في عدم الأخذ بالأسباب، ولا بحساب القوى الواقعة والنتائج المتوقعة، ومَن لم يراع ذلك مخالف لقول الله -تعالى-: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ . الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال:65-66)، فقد علّق الله -سبحانه- التخفيف بالضعف، وأوجب ثبات الواحد أمام الاثنين، وبشَّر بنصر الواحد المؤمن على العشرة، أما إذا وجدنا موازين القوى لصالح الأعداء بنسبة مائة إلى واحد أو ألف إلى واحد فلا يُقدم على الصدام مهما بلغ كفر العدو إلا جاهل ضال.
وإن كنا لا نلوم إخواننا في سوريا على إشعال الثورة وقتال الطاغية؛ لأن المقصود الأول لهؤلاء المجرمين هو إفساد دين الناس، ثم كانت الموازين يومها توهم بدعم عربي وعالمي، وإمكانية إسقاط النظام بالثورات السلمية أو حتى المسلحة، ووجود دول جوار تحتضن الثورة وتؤيدها، وتمدها بأنواع الإمداد اللازمة مِن المال والسلاح، ثم تبين الآن أن الكل يبحث عن مصالح نفسه، ويوزع الكلمات الطيبات على الآخرين، ويشجب ويُدين، مع أنه لو قدَّم نوعًا مِن السلاح كمضادات الطائرات للثوار لتغيرت الموازين.

رسالة إلى الشباب
فيا شباب الأمة... اعقلوا الأمر، واعرفوا خطر التوهم والغيبوبة عن الواقع، وعدم أخذ الأسباب؛ فإن الله لما أراد أن يجعل الكرَّة لبني إسرائيل على عدوهم أمدهم بأسباب النصر مِن القوة الاقتصادية = الأموال، والقوة العددية = البنين، والقوة العسكرية = النفير، قال الله -تعالى-: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} (الإسراء:6)، فإياكم والعبارات الجاهلة نحو تلقي الطلقات بالصدور العارية وغيرها؛ فإنها مخالفة للشرع والعقل.
الهدنة والتفاوض
- سابعًا: إن الدخول في مفاوضات لإيقاف إطلاق النار والالتزام بالهدنة هو في مصلحة المسلمين أمام ما نرى مِن العجز عن المقاومة مِن الثوار، وخذلان العالم لهم؛ فهو يتفرج على المجازر دون أن يصنع شيئًا.
اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسُلك، ولا يؤمنون بوعدك، اللهم نجّ المستضعفين مِن المسلمين في الشام وفي حلب وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم استر عوراتهم وآمن روعاتهم، اللهم احفظ دماءهم وأعراضهم وأموالهم، واجعل لنا فرجًا مِن عندك يا أرحم الراحمين، اللهم عليك ببشار الطاغية وجنده وحزبه، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين.
لاتوجد تعليقات