رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: اللجنة العلمية في الفرقان 30 نوفمبر، 2021 0 تعليق

الشريعة الإسلامية أرست القواعد والضوابط والحقوق للتعامل بين البشر – الحقوق العامة لغير المسلمين في بلاد المسلمين

إن من عظم شأن الشريعة الإسلامية أنها أرست القواعد والضوابط والحقوق للتعامل بين البشر، فليس هناك دين أو شريعة على ظهر الأرض قررت الحقوق كما فعل الإسلام، ومن هذه الحقوق المضمونة لغير المسلمين الذين يعيشون في بلاد المسلمين، حقهم في حفظ كرامتهم الإنسانية، وحقهم في حرية المعتقد، وحريتهم في التزام شرعهم، وحقهم في العدل، وحقهم في حفظ دمائهم وأموالهم وأعراضهم وحقهم في الحماية من الاعتداء، وحقهم في المعاملة الحسنة والتكافل الاجتماعي.

أولاً: حقهم في حفظ كرامتهم الإنسانية

     فرض الإسلام أفضل الحقوق للحفاظ على كرامة الإنسان، قبل أن تصدق الأمم المتحدة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأربعة عشر قرنا، وتدبر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التالية كيف أمرت الإنسانية بالمحافظة على كرامتها؟ قال -تعالى-: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاًﱠ} (الإسراء:٧٠)، وقال -تعالى-: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} (طه: ١١٦)، وقال -تعالى-: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (إبراهيم: ٣٤)، وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء: ١)

 

     وقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود إلا بتقوى الله، ألا هل بلغت؟»، قالوا: بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -. قال: «فليبلغ الشاهد الغائب»، ثم قال: «أي شهر هذا؟»، قالوا: شهر حرام. قال: «فأي يوم هذا؟»، قالوا: يوم حرام. قال: «فأي بلد هذا؟»، قالوا: بلد حرام. قال: «فإن دماءكم وأموالكم، قال: وأحسبه قال: وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟»، قالوا: بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، قال: «فليبلغ الشاهد الغائب».

 

حقهم في مجادلتهم بالتي أحسن: قال -تعالى-: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (العنكبوت: ٤٦).

 

    ويمنع المسلمون من ازدراء معتقداتهم وكتبهم وسب آلهتهم: قال -تعالى-: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (الأنعام: ١٠٨)، قال الكرماني: لقد أمرنا أن نؤمن بالكتب المنزلة على جميع الأنبياء، فالمسلمون يعظمون كل الرسل والأنبياء: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله».

ثناء النبي - صلى الله عليه وسلم - على الأنبياء

هناك كثير من الأحاديث النبوية التي يثني فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - على من سبقه من الأنبياء والرسل، ومن أفضل الأمثلة لاحترام المسلمين لغير المسلمين القصتان التاليتان:

1- قام النبي - صلى الله عليه وسلم - عند مرور جنازة يهودي فقيل: إنها جنازة يهودي فقال: أليست نفسا؟». (البخاري 2/86/87).

2- ثناء عمرو بن العاص - رضي الله عنه - لما سمع الحديث من المستورد القرشي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس، قال: عمرو بن العاص: ذلك لأن فيهم  خصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة: حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك». (صحيح مسلم:2898).

 

ثانيا: حقهم في حرية المعتقد

 

     قال -تعالى-: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}  (البقرة 256)، وقال -تعالى-: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}  (الكهف 29)، ومما يروى في ذلك أن الملك المنصور قلاوون سنة 680هـ  أخطأ بإلزام أهل الذمة الدخول في الإسلام، فغضب العلماء والقضاة، وبعد أشهر عاد أكثرهم إلى دينهم. البداية والنهاية.

 

وصية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه 

 

     وهذه وصية أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - لقائده يزيد بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- قبل أن يرسله إلى المعركة: إنك ستجد قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له: إني موصيك بعشر: «لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هَرِمنا، ولا تقطعنَّ شجرا مثمراً، ولا تُخرِبنَّ عامراً، ولا تَعُقرنَّ شاةً ولا بعيراً إلا لمأكلة، ولا تحرقنَّ نحلاً، ولا تفرقنه، ولا تَغْللّ، ولا تجبن»، (الموطأ: رواية أبي مصعب الزهري 1/357 ح 918).

 

عهد عمر بن الخطاب إلى أهل إيلياء (القدس)

 

     جاء في تاريخ الطبري: «هذا ما أعطى عبد الله عمر (أمير المؤمنين)، أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينقص منها ولا من حيِّزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضارّ أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود)، وقد حافظ المسلمون على كنائس النصارى، ويؤدون عبادتهم، ويقيمون شعائرهم في حرية وأمان.

كتب نصارى الشام إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح وهو في معسكر فحل يقولون:» يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا».

 

ثالثا: حريتهم في التزام شرعهم ويتمثل ذلك فيما يلي:

1. إعفاؤهم من دفع الزكاة.

2. لم يفرض عليهم الجهاد مع المسلمين.

3. الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق) بحسب تشريعاتهم.

4. الحدود لا تقام عليهم إلا فيما يعتقدون تحريمه كالسرقة والزنى لا فيما يعتقدون حله.

5. لهم محاكمهم الخاصة يحتكمون إليها إن شاؤوا، وإلا لجؤوا إلى القضاء الإسلامي {فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (المائدة 42)،  فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين متسامحين مثل العرب، ولادينا مثل دينهم (جوستاف لوبون حضارة العرب).

 

رابعًا: حقهم في العدل

 

     الإسلام دليل العدل: قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ} (النساء: ١٣٥)، وقال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ} (النساء: 58)، وقال -تعالى-: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} (المائدة: ٨)، فإن سرق مسلم مال ذمي قطعت يده مثله مثل الذمي لو سرق، ويقام حد القذف لو قذف رجلاً أو امرأة من أهل الذمة بغير حق.

 

خامساً: حقهم في حفظ دمائهم وأموالهم وأعراضهم

 

     ومن ذلك حقهم في الحماية من الاعتداء: الحياة منَّة من الله وهي مضمونة لكل أحد، فالأفراد والمجتمعات والدول مسؤولة عن حمايتها من كل اعتداء، ولقد حمى الإسلام الحياة البشرية والممتلكات من الأموال وغيرها من الاعتداء بقرون قبل اعتماد المواثيق الدولية لحمايتها، وهذه الحقوق تتضمن حق الدفاع عن النفس وحق العفو والصفح.

 

     ويحمي الإسلام حق الميراث لغير المسلمين كذلك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنّة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً» رواه البخاري، وتجب على الدولة الإسلامية حماية غير المسلمين في أراضيها، بل يلزم الدفاع عنهم، والقتال دونهم، وفك أسراهم بما دفعوه من الجزية. (ابن حزم).

 

مواقف مشرفة

1. ما ذكر أبو يوسف في كتاب الخراج: من أن الصحابي أبا عبيدة عامر بن الجراح - رضي الله عنه - وهو الفاتح للشام- صالح أهل الشام على دفع الجزية، ثم قد جمع الروم جمعاً لم يّر مثله، ثم ردّ عليهم الجزية والخراج، «ما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وإنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم (نحميكم)، وإنا لا نقدر على ذلك».

2. موقف شيخ الإسلام: سمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين.. فما كان من الشيخ إلا أن قال: «لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسرى من اليهود والنصارى؛ فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً، لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة، فلما رأى إصراره، وتشدده أطلقهم له».

 

سادسا: حقّهم في المعاملة الحسنة والتكافل الاجتماعي

 

قال -تعالى-: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الممتحنة: ٨)، وفي سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان له جيران منهم، فكان يداوم على برّهم، والإهداء لهم، وقبول هداياهم، حتى أن امرأة يهودية وضعت له السم في ذراع شاة أهدته له إياها، وكان يعود مرضاهم، ويتصدق عليهم، ويتعامل معهم في التجارة، ولما جاء إلى المدينة وفد نصارى الحبشة، أكرمهم النبي - صلى الله عليه وسلم .

ومن تلك الحقوق التي حفظها الإسلام لهم، أن كفالة العاجزين عن الكسب حقّ واجب على الدولة، فتنفق من بيت المال على المسلم وغير المسلم.

 

 

حقوق غير المسلمين في بلاد المسلمين

 

- حقهم في حفظ كرامتهم الإنسانية.

- حقهم في حرية المعتقد.

- حريتهم في التزام شرعهم.

- حقهم في العدل.

- حقهم في حفظ دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

- حقهم في الحماية من الاعتداء.

- حقهم في المعاملة الحسنة والتكافل الاجتماعي.

 

 

كلمة أخيرة

     هذه هي الحقوق العامة لغير المسلمين المضمونة في الشريعة الإسلامية، ولا يحق لأحد أن يتقدم بعد قراءتها بادعاء أن المسلمين لا يقدمون حقوقا لغير المسلمين، بل على العكس فإن المسلمين يوفرون الحقوق الإنسانية الأساسية لغير المسلمين أكثر بكثير من الحقوق التي تقدم للمسلمين من البلدان غير الإسلامية، وبعد قراءة هذه الحقوق المتجذرة لغير المسلمين القاطنين في بلاد المسلمين، ستعرف أن الإسلام والمسلمين يمثلون دين سلام وسماحة ورحمة بالعباد والبلاد، وأنه لا يعد خطرا على الذين لا يؤمنون بالدين الإسلامي.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك