رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: اللجنة العلمية في الفرقان 22 يوليو، 2024 0 تعليق

الشرك أعظـم الذنوب

   

1- آيات الشرك  في القرآن الكريم

2- أحاديث الشرك في السنة النبوية

3- أقوال العلماء في التحذير  من الشرك

 
  • قال الإمام مالك رحمه الله: «أكره -والكراهة عند السلف تعني التحريم- تجصيص القبور والبناء عليها وهذه الحجارة التي يبنى عليها
  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرك في الإلهية هو أن يجعل لله ندا أي: مثلا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته فهذا هو الشرك
  • قال الشيخ السَّعدي: حقيقة الشرك أن يُعبَد المخلوق كما يعبَد الله أو يعظَّم كما يعظَّم الله أو يصرَف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية
 

الشرك بالله -جلّ وعلا- هو أعظم الذنوب وأخطرها، وهو أظلم الظلم، وهو الذّنب الذي لا يُغفر؛ فالشرك بالله -جلّ وعلا- هضم للرّبوبية وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب البرية -جل وعلا- تسوية للناقص الفقير بالغني العظيم -جلّ وعلا-، إن الشرك بالله -جل وعلا- ذنب يجب أن يكون خوفُنا منه أعظمَ من خوفنا من أيِّ أمر آخر؛ ولذلك كانت قضية الشرك من أعظم الأمور التي نعتني بالعلم بها؛ لأن جهل كثير من الناس به أوقعهم في أعمال يجهلون حقيقة أمرها وهي من الشرك، صُرفوا بها عن العبادة الخالصة لله -تعالى.

1- آيات الشرك  في القرآن الكريم

     ورد في القرآن الكريم الحديث عن الشرك على نحوٍ مفصّل؛ ابتداءً من إرشاد الناس وتوجيههم إلى الإيمان بالله -تعالى-، وعبادته وحده، والابتعاد عن الإشراك به -سبحانه-، ومن ثم الإخبار عن بعض الأمم السابقة التي ضلّت طريق الصواب، واستحبّت العمى والشرك على الهدى، وبيان عاقبتها وعاقبة كل من سار على نهجها، وانتهاءً بإثبات الملة الحنيفيّة على لسان الأنبياء والمرسلين، وتبرُّئهم من الشرك والكفر والضلال؛ ولخطورة الشرك فقد ورد التحذير منه في العديد من الآيات القرآنية، وتنوع الخطاب القرآني في ذلك، بدءا من التحذير منه وبيان خطره، وانتهاءً ببيان حكم المشرك وعاقبته في الآخرة.

(1) النهي عن الشرك

     لخطورة الشرك فقد ورد النهي عنه في العديد من الآيات القرآنية، وتنوع الخطاب القرآني في ذلك، بدءا من التحذير منه وبيان خطره، وانتهاءً ببيان حكم المشرك وعاقبته في الآخرة، ومن تلك الآيات قول الله -تعالى-: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 64)، وقال -تعالى-: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا...}. (النساء: 36)، وقال -تعالى-: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا...}. (الأنعام: 151)، وقال -تعالى-: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ}. (الرعد: 36)، وقال -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. (لقمان: 13).

(2) التبرؤ من الشرك

       جاءت آيات القرآن الكريم واضحة في البراءة من الشرك والمشركين؛ فإن من الناس من يتخذ من دون الله آلهة يجعلونهم نظراء لله -تعالى-، يحبونهم كما يحبون الله، والذين آمنوا أشد حبًّا لله من هؤلاء لمعبوداتهم؛ لأنهم لا يشركون مع الله أحدًا ومن تلك الآيات ما يلي: قول الله -تعالى-: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}. (آل عمران:67)، وقال -تعالى-: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. (الأنعام: 19)، وقال -تعالى-: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. (الأنعام: 78)، وقال -تعالى-: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}. (هود: 54)، وقال -تعالى-: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ...}. (الممتحنة: 4).

عاقبة الشرك والمشركين

         وردت العديد من آيات القرآن الكريم التي تحذر من عاقبة الشرك والمشركين وتبين مصيرهما، ومن ذلك قول الله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}. (النساء: 48)، وقوله -تعالى-: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}. (المائدة: 72)، وقوله -تعالى-: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}. (الحج: 31)، وقوله -تعالى-: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}. (الكهف: 42).    

2- أحاديث الشرك في السنة النبوية

حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تجنيب أُمته ذلك الخطر العظيم وهو الشرك؛ فنهاهم عن اتخاذ القبور مساجد، ونهاهم عن الصلاة عندها، ونهاهم عن إيقاد السرج عليها، ونهاهم عن تجصيصها والبناء عليها والزيادة عليها من غير ترابها، وأمر بتسويتها، ونهى عن الألفاظ التي تحتمل الشرك وعدمه، ونهى عن الغلو في ذاته - صلى الله عليه وسلم - وحذر من ذلك، كل هذا وغيره كثير؛ حمايةً وصيانةً لجانب التوحيد، وسدًّا وقطعًا لمنافذ الشرك والتنديد، وحفظًا ومنعًا لأُمته من خطره العظيم، ومن تلك الأحاديث ما يلي:

التحذير من الشرك وخطره

       قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا قلته، ذهب عنك قليله وكثيرُه؟ قال: قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لِما لا أعلم»، وعن أبي واقِدٍ اللَّيثيِّ - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا خرج إلى حُنَينٍ مَرَّ بشَجَرةٍ للمشركينَ يقال لها: ذاتُ أنواطٍ، يُعَلِّقونَ عليها أسلِحَتَهم، فقالوا: يا رَسولَ اللهِ، اجعَلْ لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواطٍ، فقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «سُبحانَ اللهِ! هذا كما قال قومُ موسى: «اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ»، والذي نفسي بيَدِه لتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَن كان قَبْلَكم».

الشرك من السبع الموبقات

     وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات»، فعَدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول ما عدَّ من هذه الموبقات المهلكات الشركَ بالله -سبحانه وتعالى-، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لقِي الله لا يشرك به شيئًا، دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا، دخل النار».

تعوذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشرك

وعن أنَسٍ - رضي الله عنه - قال: كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يدعو يقولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من العَجْزِ والكَسَلِ، والبُخلِ والهَرَمِ، والقَسوةِ والغَفلةِ، والذِّلَّةِ والمَسكَنةِ، وأعوذُ بك من الفَقرِ والكُفرِ، والشِّرْكِ والنِّفاقِ، والسُّمعةِ والرِّياء».

الشرك يحرم الإنسان من الأجر

      وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله -تبارك وتعالى-: أنا أغْنَى الشُّركاءِ عنِ الشِّركِ، مَنْ عمِلَ عملًا أشركَ فيه معِيَ تركتُهُ وشِركَهُ»، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جمعَ اللَّهُ النَّاسَ يومَ القيامةِ ليَومٍ لا رَيبَ فيهِ، نادى مُنادٍ: مِن كانَ أشرَكَ في عَملٍ عملَهُ للَّهِ أحدًا فليطلب ثوابَهُ من عندِ غيرِ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ أَغنى الشُّرَكاءِ عنِ الشِّركِ» وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حلفَ بغيرِ اللهِ فقَدْ أشرَكَ».

الشرك هو الفتنة

       قال الإمام أحمد -رحمه الله-: نظرت في المصحف فوجدت فيه طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة وثلاثين موضعا: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الفتنة: الشرك، لعله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ فيهلك، وقرأ: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

3- أقوال العلماء في التحذير من الشرك

الإمام محمد بن إدريس الشافعي

        جاء عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله- النهي عما هو من وسائل الشرك كتجصيص القبور وتعليتها، والبناء عليها، والكتابة عليها وإسراجها، واتخاذها مساجد، والصلاة إليها، واستقبلها للدعاء والطواف بها، والقعود عليها، وتقبيلها ومسحها باليد، وأن يضرب عليها مظلة، أو بعض التحدث ببعض الألفاظ التي تؤدي للشرك، مثل وحياتك، أو يقول ما شاء الله وشئت، ومن نماذج الشرك التي حذر منها الإمام الشافعي -رحمه الله- وبعض أتباعه النهي عن الشرك الأكبر والأصغر: كالدعاء والاستغاثة بغير الله، والسجود لغير الله، والنذر لغير الله، والذبح لغير الله، أو اعتقاد أن أحداً يعلم الغيب، والحلف بغير الله، وقول ما شاء الله وشئت، واعتقاد أن السحر لهُ تأثير بذاته.

شيخ الإسلام ابن تيمية

       قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: الشرك نوعان: شرك في الإلهية وشرك في الربوبية، فأما الشرك في الإلهية فهو: أن يجعل لله ندا - أي: مثلا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، قال -تعالى-: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم - مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية، قال الله -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ}، وأما النوع الثاني فهو الشرك في الربوبية فإن الرب -سبحانه- هو المالك المدبر المعطي المانع الضار النافع الخافض الرافع المعز المذل فمن شهد أن المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل غيره فقد أشرك بربوبيته؛ لأن النعم كلها لله -تعالى- كما قال -تعالى-: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} وقال -تعالى-: {كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} فالله -سبحانه- هو المعطي على الحقيقة فإنه هو الذي خلق الأرزاق وقدرها وساقها إلى من يشاء من عباده؛ فالمعطي هو الذي أعطاه وحرك قلبه لعطاء غيره، فهو الأول والآخر.  

الإمام ابن القيم

      قال ابن القيم -رحمه الله-: فلما كان الشرك أكبر شيء منافاة للأمر الذي خلق الله له الخلق وأمر لأجله بالأمر، كان أكبر الكبائر عند الله، وكذلك الكبر وتوابعه فإن الله -سبحانه- خلق الخلق وأنزل الكتاب لتكون الطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك؛ ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، ولا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، وأصل الشرك بالله الإشراك في المحبة كما قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ} (البقرة:،165) فأخبر -سبحانه- أن من الناس من يشرك به ندا يحبه كما يحب الله، وأخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد لأندادهم، والشرك به -سبحانه- في الأقوال والأفعال والإرادات والنيات، فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض، وتقبيل القبور واستلامها، والسجود لها، وقد لعن النبي -صلى الله عليه وسلم - من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله؟ وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، ومن الشرك به -سبحانه- الشرك به في اللفظ، كالحلف بغيره، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بغير الله فقد أشرك»، ومن ذلك قول القائل للمخلوق: «ما شاء الله وشئت»، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال له رجل: «ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندا؟ قل: ما شاء الله وحده»، وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه؛ فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته.

الشيخ محمد بن عبدالوهاب

 قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله تعالى-: اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة، منها ما يلي:
  • الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النِّسَاء: ٤٨)، وقوله -تعالى-: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} (المائدة:72)، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن، أو القباب.
  • الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، كفر إجماعًا.
  • الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعاً.
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، وأكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه.

الشيخ عبدالعزيز ابن عبدالله ابن باز

       قال الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله-: الشرك نوعان شرك أكبر، وأصغر، فالشرك الأكبر صرف العبادة لغير الله، أو بعضها، كدعاء الأموات، والاستغاثة بالأموات، والنذر لهم، أو للجن أو للملائكة أو غيرهم من الأموات والغائبين، هذا يقال له: شرك أكبر، كما كانت قريش وغيرها من العرب يفعلون ذلك عند أصنامهم وأوثانهم، ومن ذلك أيضًا إذا جحد الإنسان أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة وجوبًا أو تحريمًا، من جحده كان كافرًا ومشركًا شركًا أكبر، كمن قال: إن الصلاة لا تجب على المكلفين من المسلمين، أو قال: إن الزكاة لا تجب على من عنده أموال الزكاة، أو قال: صوم رمضان لا يجب على المسلم المكلف، فهذا يكون كافرًا ومشركًا شركًا أكبر، أو أحل ما حرمه الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، مما أجمع عليه المسلمون، كأن يقول: الزنا حلال، أو شرب المسكر حلال، أو العقوق للوالدين حلال، أو السحر حلال، أو ما أشبه ذلك، فهذا يكون كافرًا ومشركًا شركًا أكبر، وأما الشرك الأصغر فهو أنواع أيضًا، مثل الحلف بغير الله، بالنبي، بالأمانة، برأس فلان، هذا شرك أصغر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف بشيء دون الله فقد أشرك» وهكذا الرياء كونه يقرأ يرائي، أو يتصدق يرائي هذا من الشرك الأصغر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه، فقال: الرياء»، وهكذا قول: ما شاء الله وشاء فلان بالواو، أو لولا الله وفلان، أو هذا من الله ومن فلان، فهذا من الشرك الأصغر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله، ثم شاء فلان ولما قال رجل: «يا رسول الله، ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله نداً؟ ما شاء الله وحده».  

الشيخ محمد ناصر الألباني

       قال الشيخ محمد ناصر الألباني -رحمه الله-: شرك الألوهية، ويعبّر تارة عنه بشرك العبادة، فشرك العبادة أو شرك الألوهية هو أن تعتقد مع كونك تعتقد بأن الله لا شريك له في ذاته، مع ذلك فأنت تعبد غيره بأي عبادة من العبادات التي تعبد الله بها الناس فأي مسلم يشهد بلسانه ألا إله إلا الله ويعتقد بقلبه ألا رب ولا خالق مع الله، ولكن هو في الوقت نفسه يعبد غير الله أي عبادة كانت، فقد وقع في شرك الألوهية، وهذا ينافي التوحيد الخالص؛ لأن التوحيد الخالص لا يكون خالصًا إلا إذا تنزّه صاحبه من هذه الشركيات الثلاث شرك الربوبية وشرك الألوهية أو العبودية والشرك الثالث شرك الصفات.  

الشيخ: محمد ابن صالح العثيمين

     قال الشيخ: محمد بن صالح العثيمين: الشرك نوعان: أكبر وأصغر، فمن دعا غير الله لكشف الكربات فقد أشرك شركاً أكبر حتى لو صلى وصام، حتى لو تصدق، حتى لو حج، ولا يحل له أن يحج إلا إذا تاب، لقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}، وإذا علمنا أنه يشرك بالله ويدعو غير الله منعناه من قربان المسجد الحرام، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}، والشرك الأصغر أنواعه كثيرة، وهو خفي جداً قد يحصل في القلب من غير أن يعلم الرجل، فالرياء شرك أصغر. مثال ذلك: رجل تصدق بدراهم أمام الناس من أجل أن يقول الناس: فلان جواد متصدق، هو يريد التقرب إلى الله، لكن يريد من الناس أن يمدحوه، لأنه يتقرب إلى الله، انتبهوا! هو لم يرد أن يتقرب للناس بهذا، لو كان يريد هذا لكانت المسألة خطيرة، ربما نقول: شرك أكبر، لكنه يريد أن يتقرب إلى الله فيمدحه الناس بأنه جواد، يتقرب إلى الله -تعالى- بالصدقات، كذلك إنسان قام يصلي وحوله أناس، فصار يطمئن في صلاته ولا يتحرك، وقد طأطأ رأسه من أجل أن يقال: إن فلاناً يتقن صلاته، هو لا يريد التقرب إلى الناس بالصلاة أبداً، يريد التقرب إلى الله لكنه حسنها من أجل أن يقول الناس: إن الرجل يتقن صلاته لله -عز وجل-، هذا رياء، هذا رياء.

الشيخ عبد الرحمن ابن ناصر السَّعدي

      قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السَّعدي -رحمه الله-: «حقيقة الشرك أن يُعبَد المخلوق كما يعبَد الله، أو يعظَّم كما يعظَّم الله، أو يصرَف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية»، فأمَّا الشرك الأكبر: فهو أن يجعل لله ندًا يدعوه كما يدعو الله أو يخافه أو يرجوه أو يحبُّه كحبِّ الله، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة، فهذا الشِّرك لا يَبقى مع صاحبه من التَّوحيد شيءٌ، وهذا المشرك الَّذي حرَّم الله عليه الجنَّة ومأواه النَّار، ولا فرق في هذا بين أن يُسمي تلك العبادة الَّتي صرفها لغير الله عبادةً، أو يسميها توسلًا، أو يسميها بغير ذلك من الأسماء فكلُّ ذلك شركٌ أكبر، لأنَّ العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها دون ألفاظها وعباراتها، وأمَّا الشِّرك الأصغر: فهو جميع الأقوال والأفعال الَّتي يتوسل بها إلى الشِّرك، كالغلوِّ في المخلوق الَّذي لا يبلغ رتبة العبادة، وكالحلف بغير الله ويسير الرِّياء ونحو ذلك».

الشيخ صالح بن فوزان الفوزان

      قال الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: الشرك أنواع: شرك أكبر يخرج من الملة، وهو أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله، كأن يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو يدعو غير الله، أو يستغيث بغير الله، فهذا شرك أكبر، يخرج من الملة، وفاعله خالد مخلد في نار جهنم إذا مات عليه، ولم يتب إلى الله، كما قال -تعالى-: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} (المائدة: ٧٢)، وهذا لا يغفره الله -عز وجل-، كما قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: ١١٦)، والنوع الثاني: شرك أصغر لا يخرج من الملة، لكن خطره عظيم، وهو أيضًا لا يغفر إلا بالتوبة، لقوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} (النساء: ١١٦)، فهذا يشمل الشرك الأكبر، والشرك الأصغر، والشرك الأصغر: مثل: الحلف بغير الله، ومثل: قول: ما شاء الله وشئت، بأن تعطف مشيئة المخلوق على مشيئة الخالق بالواو، والصواب أن تقول: ما شاء الله ثم شئت، ومثل: قول: لولا الله وأنت، وما أشبه ذلك، فهذا شرك في الألفاظ ويسمى شركًا أصغر، وكذلك الرياء شرك أصغر، وهو شرك خفي لأنه من أعمال القلوب ولا ينطق به، ولا يظهر على عمل الجوارح ولا يظهر على اللسان، إنما هو شيء في القلوب لا يعلمه إلا الله، إذا فالشرك على ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي وهو الرياء، وما في القلوب من القصود والنيات لغير الله -سبحانه وتعالى.  

الشيخ عبدالحميد ابن باديس

     قال الشيخ عبدالحميد بن باديس كلامًا نفيسًا عن الشرك في الدعاء فقال: الناظر إلى حالنا -معشر المسلمين-، يجد السواد الأعظم من عامتنا غارقا في هذا الضلال، فتراهم يدعون من يعتقدون فيهم الصلاح من الأحياء والأموات، يسألونهم حوائجهم من دفع الضر، وجلب النفع، وتيسير الرزق، وإعطاء النسل، وإنزال الغيث، وغير ذلك مما يسألون، ويذهبون إلى الأضرحة التي شيدت عليها القباب، أو ظلمت بها المساجد، فيدعون مَن فيها ويدقون قبورهم، وينذرون لهم، ويستثيرون حميتهم بأنهم خدامهم وأتباعهم، فكيف يتركونهم؟! وتراهم هنالك في ذُلٍّ وخشوع وتوجه قد لا يكون في صلاة من يصلي منهم، فأعمالهم هذه من دعائهم وتوجههم كلها عبادة لأولئك المدعوين وإن لم يعتقدوها عبادة؛ إذ العبادة باعتبار الشرع لا باعتبارهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك