الشجاعة الأدبيـــة عند الأطفال
النبيّ صلى الله عليه وسلم يُؤكِّد على رابطةِ الإسلام، ويُشهِد القومَ على أنَّ زيد بن محمد يَرِثني وأرِثه، قبل أن يُبطِل الشرع عادةَ التبنِّي، وهذا قِمَّة الحب في الله
كم نرجو أن تتَّسع عنايةُ المسؤولين بالنشْء، وتتضاعف في كلِّ ناحية مِن نواحي حياتهم القابِلة للتشكيل والتقويم، حتى يعرف الغلمانُ والأحداث كيف يتربَّوْن؟ وكيف يلعبون؟ وكيف يعاملون لِداتِهم ومَن هم أكبرُ منهم؟ وما على الرُّعاة كلٌّ في موقعه، بدءًا من الآباء، وصولاً إلى رؤساء الدول، لو جعلوا مِن وقتهم جزءًا يَلْتَقُون فيه بالنشءِ الصغير، يمازحونهم ويحاورونهم، ويَغْرِسون فيهم الثِّقةَ بالنفس وانتزاع الرَّهْبة مِن صدورهم، فيشبُّون فتيانًا وفتياتٍ أعزَّةً أُباة.
شجاعة مبكرة
فقد رَوى سِنانُ بن مسلمة بن المُحَبِّق الهُذلي، قال: كنتُ وأغلمةٌ بالمدينة في جذوعِ النَّخْل نلتقط البلحَ المسمَّى (خلال)، فخرَج علينا عمرُ، فتفرَّق الصبيانُ وثبتُّ مكاني، فلمَّا غشِيَني قلت: يا أميرَ المؤمنين، هذا ممَّا ألْقَتْ به الرِّيح، قال: أرِنِي أنظر وأنا لا يَخْفى عليَّ، فنَظر في حجري، فقال: صدقتَ، قلت: يا أميرَ المؤمنين، ترى هؤلاء الآنَ واللهِ لئن انطلقتَ لأغاروا عليَّ فانْتَزعوا ما معي، فمَشَى معي حتى بلَّغَني مأمني.
ليس هناك ما يمنع سِنانَ بن مسلمة الطفل مِن أن يمتلكَ تلك الشجاعةَ الأدبية في طفولته الباكِرة، فإذا هو نفرٌ ممن يَملِكون تلك الشجاعة، والقليل منهم مَن يملكها، فلا عجبَ في ذلك ولا صنو، فهو أمرٌ يسير أيسرُ ما فيه أنَّه شجاعة اختبار يهون معها الاضطرار، فليستْ عائقَ حَيْرة، تقلُّ فيه حِيلةُ الكريم، إذا كان مِن شأن الحاكِم أن يربِّت على كتِفي الطفل، ويتعهَّده برِعايته وحُنوِّه.
ثبات ورباطة جأش
هذا عمرُ -رضي الله عنه- يَنعطِف إلى الصِّبية وئيدَ الخُطَى فيَخافون وينفرون، ويثبُت أحدُهم في رباطةِ جأش لا نظيرَ لها، فمَّم يخاف الطفلُ وهو لم يرتكبْ جرمًا؟ حتى لو كان القادم هو أمير المؤمنين نفسه أو رئيس الدولة، فيُحاوره في حنان عطوف؛ ليعرفَ الهاربون أنَّه لا مسوغ لفرارهم، يَعرِض الطفل عليه حالَه في شجاعة أدبية رصينة، وعبارات عربية قوية، فيسأله ويُجيب، ويتَّضح صدقُ الغلام، وغلام لديه الشجاعة الأدبية فلا يفرُّ مِن الأمير، ولديه الشجاعة الأدبية فيردُّ عليه بعباراتٍ واثقة، لا بدَّ وأن يكون صادقًا في ردِّه، فيُطمِئنه ويبعث الهدوءَ إلى نفْسه، ويُطمئن الغلامَ، حتى يجدَ في نفسه الجرأةَ على مطالبةِ الخليفة أن يُبلغه مأمَنَه، ويجيبه عمر إلى سُؤْله؛ ليتعلمَ الغلمان أنَّ الخليفة لا يمنعهم لهَوهَم البريء، ويحنو عليهم، ويتألَّفهم فيتولَّد في نفوسهم عاملُ الثِّقة والاحترام، بدلاً من الخوف والرَّهْبة، يُنمِّي فيهم عاملَ الاعتداد والاتزان، بدلاً مِن عناصرِ الرَّهْبة والتفلُّت.
بيئة محفزة
لا عجبَ مِن تلك الشجاعة الأدبية لدَى الأطفال، لطالما كان ذلك في دِيارِ الإسلام، فكيف إذا كان الصبيُّ ممَّن تربَّى في البيت الذي خرجتْ منه الدعوة؟! وعرَف الإسلام من البيت الطاهِر قبل أن يعرِفَه من غيره، كيف بمَن الْتقى بالعاطفة المشبوبة، والإحساس المتطلِّع، إلى الرحمة والإكبار يَتعلَّمهما من النبيِّ المختار؟!
صبي يُؤسَر ويقَع أسْرُه في يدِ خير الخَلْق محمَّد، سُبِي وهو طفلٌ فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد، ووهبَه إلى عَمَّته خديجةَ، التي وهبتْه بدورها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويَعرِف أهلُه بمكانه، فيَذهبون إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلمليأخذوه، فيقولون له: يا ابن عبدِ المطَّلب، يا ابن هاشم، يا ابن سيِّد قومه، أنتم أهلُ حرَم الله وجيرانه، تفكُّون العاني، وتُطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندَك فامْنُنْ علينا، وأحسِنْ إلينا في فِدائه، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ومَن هو؟» قالوا: زيد بن حارثة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهلاَّ غير ذلك؟»، قالوا: وما هو؟ قال: «أدْعوه فأُخيِّره، فإنِ اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فواللهِ ما أنا بالذي أختارُ على مَن اختارني أحدا»، قالوا: قد زِدتنا على النِّصْف وأحسنت، فدعاه النبي فقال: «هل تعرِف هؤلاء؟» قال الصبي: نعم، قال: «مَن هذا؟» قال: هذا أبي وهذا عمِّي، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فأنا مَن قد علمتَ، ورأيتَ صُحبتي لك، فاخترني أو اخترهما»، فقال الصبي ممتلِكًا شجاعته الأدبية: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنتَ منِّي بمكان الأبِ والعم، فقالوا: ويحَكَ يا زيد، أتختار العبوديةَ على الحريَّة، وعلى أبيك وعمِّك وأهل بيتك؟! قال: نعم، قد رأيتُ مِن هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا.
ومن السِّياق يتَّضح ما يأتي:
- رابطة الحبِّ والرَّحْمة والشفقة تتأصَّل برابطة الدمِ بيْن أهلٍ فقَدوا ولدَهم أسيرًا، فيبحثون عنه حتى يجدوه، ويذهبوا إليه ليفتدوه، وهذا طبعُ الآباء.
- يُقدمون بين أيديهم جميلَ الكلام، ويُذكِّرون النبيَّ صلى الله عليه وسلمبحُسن خِصال الأفعال؛ استرحامًا ومودَّة، قائلين: يا ابن عبد المطلب، يا ابنَ هاشم، يا ابن سيِّد قوْمه، أنتم أهلُ حرَم الله وجِيرانه، تفكُّون العاني، وتُطعمون الأسير، جِئناك في ابننا عندَك، فامْنُن علينا، وأحْسِن إلينا في فِدائه؛ ليردَّ إليهم ولدَه، وهذا مِن شِيَم العرَب.

رابطة الإسلام أقوىمن الدم
- الصِّلة في الإسلام أقوى من الصِّلة في الدمِ والنَّسَب، مندهشًا محمَّد صلى الله عليه وسلم في أنَّ مَن يطلبونه هو «حِبُّه»، وهذا مِن دعائم الإيمان.
- النبيُّ صلى الله عليه وسلميترك الفُسْحةَ والمجال للصبي؛ ليختارَ دون جبْر أو ضغْط أو اضطرار، وهذا خُلُق الأنبياء.
- يسأل النبي صلى الله عليه وسلمالصبيَّ مستوضحًا أو يستوضحه سائلاً؛ ليُذكِّره بفضل أهله عليه: «هل تعرِف هؤلاء؟» وهذا علي سبيل استرحامِ الصبيِّ ودر استعطافه على أهله.
- يُؤكِّد الصبيُّ معرفتَه بهم، ويمتلك شجاعتَه الأدبية فلا يختار أحدًا على محمَّد بل ومُؤكِّدًا: أنت منِّي بمكان الأبِ والعم، بأبي أنت وأمِّي يا رسولَ الله.
- يندهش الأهلُ استغرابًا، أو يستغربون اندهاشًا، فيسألون الصبي: أتختار العبوديةَ على الحرية وعلى أبيك وعمِّك وأهل بيتك؟! والسؤال في غيرِ محلِّه؛ إذ محل السؤال أتختار محمدًا على أبيك وعمِّك وأهل بيتك؟ والسؤال لا يحتاج إلى جواب.
- يدعم الصبيُّ شجاعتَه الأدبية بأفْعل التفضيل، فيتمسَّك بمحمد صلى الله عليه وسلم مؤكِّدًا: قد رأيتُ مِن هذا الرجل شيئًا، ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا، مؤكِّدا قوله تعالى:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4)، وتلك أخلاقُ محمَّد صلى الله عليه وسلم.
- النبيّ صلى الله عليه وسلم يُؤكِّد على رابطةِ الإسلام، ويُشهِد القومَ على أنَّ زيد بن محمد يَرِثني وأرِثه، قبل أن يُبطِل الشرع عادةَ التبنِّي، وهذا قِمَّة الحب في الله.
صبي مِن صِبيان المسلمين، عبد رقيق، عندَ مَن لا يعامل العبيدَ والأرقاء معاملةَ الأسياد للعبيد والأرقاء، يقول مقولةَ مُفحِم لمَن؟! لأبيه وعمِّه، مُوجِّهًا كلامه للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أنتَ مني بمكان الأب والعمِّ»؛ فالعَلاقة مع محمد رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم لا تُقاس بمعاييرِ البشَر، وإنما تُقاس بمعايير الإسلام، فرُبَّ ابنٍ لم تلدْه.
ما جزاءُ تلك الشجاعةِ الأدبية البرَّاقة من الصبيِّ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم ؟ يُصبح مولى رسولِ الله وحِبَّه، ويُسمَّى بابن محمَّد، بل ويكون رابعَ مَن دخل الإسلام بعدَ خديجة، وأبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وفضلاً عن هذا وذاك يُؤاخِي النبيُّ[ بينه وبيْن عمِّه حمزة بن عبد المطلب فيما بعدَ الهِجرة إلى المدينة، بل ويُزوِّجه وهو عبدٌ بزينبَ بنتِ جحش ابنة عمَّته، قبل أن يُزوِّجها القرآنُ من محمَّد صلى الله عليه وسلمنفسِه.
لاتوجد تعليقات