رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: رجب أبو بسيسة 14 يناير، 2018 0 تعليق

الشباب في مرمى نيران الفتن وكيد الأعداء

 قد تتعجب إذا قلتُ لك: إن من أشد الحروب التي يواجهها البشر هي الحرب الفكرية، وأقصد بها: ما يحدث من تشويه متعمد ومحاولات مستميتة لتغيير الهوية في نفوس الشباب؛ فالشباب الآن صارت السهام تتناهشُهم من كل مكان، وأصبحوا في مرمى نيران الفتن والمكر وكيد الأعداء.

     ولا شك أن خُلُوّ الساحة ممن يقدم لهم النصيحة، أو بعبارة أدق تعمد تغييب الناصحين هو أمر في غاية الخطورة، ولا تستطيع أن تفسره إلا بمحاولة سريعة لتغيير تركيبة المجتمعات الإسلامية العربية، وتهيئة جديدة لعقول الشباب من أجل تَقَبُّلِ التبعيةِ العمياء للغرب ليصبحوا مُمْتنِّين لهم ومقلدين لهم في أحوالهم وشؤونهم جميعها.

قبول النموذج الغربي

     ويا ليتهم أرادوا أن يقلدَ الشبابُ الغرب فيما يُصلح شأنهم ويساعدهم على التقدم، وتحقيق الرُّقِي الاقتصادي والعِلمي! لا، إنما يبدو أن الطموح أكبر من ذلك وهو قبول النموذج الغربي وحضارته بحذافيرها كلها ودون استثناء.

     وهذا الذي يفعله القوم، ويدفعون الشباب إليه دفعًا، إنما هو تذويب متعمَّد للهوية الإسلامية والعربية، وتغيير ملحوظ ومخطط للمفاهيم، وترسيخ للتبعية الغربية والثقافة الأجنبية بدرجة أكبر بكثير مما هو حادثٌ الآن.

لابد من الوقاية

     ومن غير المعقول أن يُترك الأمرُ هكذا دون مقاومة ووقاية وتفنيد لشبهات هؤلاء الذين يطرحونها ليل نهار في كل مكان وبشتى الوسائل المعروفة، وإن لم يُوجَدْ مَنْ يفند الشبهات ويردها ويبينُ الحقائق للناس ولاسيما الشباب؛ فالمتوقع مزيدٌ من الانسحاقِ والذوبانِ في ضلالات الشبهات.

حراسة الهويةُ

     حراسة الهويةُ الإسلاميةُ ولاسيما عند الشباب، هي بمثابة حائط الصد أمام تلك الحملات المسعورة والمتكررة، بل هي مهمةٌ تحتاجُ إلى يقظةٍ وعدم غفلة، واستمرار وعدم يأس، ولاسيما ونحن نرى بوضوح أن بعضاً من جلدتنا ويتكلمون بأَلسِنَتِنا، تراهم يدافعون بالوكالة عن الحضارة الغربية كأنهم لا يعيشون معنا في واقعنا، ألا يَرَوْنَ ماذا صنعت الحضارة الغربية في العراق وأفغانستان وفي سوريا؟! أليست هذه هي الحضارة الغربية في أوضح صورة؟ ولكن: { إِنَّها لا تعمَى الأبصارُ ولكن تعمى القلوبُ التي في الصدور}.

تاريخ الحضارة الغربية

     والغريب في الأمر أن الكل يعلم تاريخ الغرب والحضارة الغربية وطريقتهم في هدم المجتمعات وتذويب الهويات، فتاريخهم أكبرُ دليلٍ على مدى مكرهِم وكيدهم لهذه الأمة، ونحن والحمد لله على علمٍ ويقينٍ تامٍّ بخبثهم، لِمَ لا، وقد أخبرنا العليمُ الخبيرُ بذلك في كتابه فقال: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}.

من أساليبهم الماكرة

     ومن أساليبهم الماكرة ما يشهد به لسان حالهم الذي يقول: إذا أردت أن تقضي على مجتمع وهويته فافتح لهم جامعة بثقافتنا وتقاليدنا، وأوضح مثالٍ على هذا ما فعله اليهودُ عندما أقاموا جامعة (برنام)؛ فقد قالوا: اليومَ أصبح لنا دولة؛ لأنها فُتحت وَفْقَ هُويتهم وثقافتهم.

فإن كانت هذه نظرة اليهود، فماذا نقول نحنُ اليوم لمن يهاجمُ الأزهر والكليات الشرعية بلا هوادة، ويكيل لها التهم؟!

 الاحتلال الفكري والثقافي

     وإن كان الاحتلال الغربي للمجتمعات العربية والإسلامية تراجع بسلاحه ودباباته، لكنه لا يزال متغلغلًا ومتمكنًا بفكره وثقافته وأجنداته وعملائه ووكلائه في عصب المجتمعات العربية الإسلامية؛ فكما قدمنا أولَ كلامنا أن من المعلوم أن الحرب الفكرية والثقافية أشدُّ ضراوة وأكبر تأثيراً من الحروب العسكرية، بل الحرب بالسلاح والدبابات تُولِّدُ رُوحَ المقاومةِ والتحدي والاعتزاز بما عند الشعوب من هُوية وثقافةٍ، والواقعُ يشهدُ بِذلِكَ، بخلاف الغزو الفكري والمناهج المستوردة التي يصفق لها الكثير؛ فهي أشدُّ تأثيرًا في تغيير المجتمعات من الحروب العسكرية.

     كما لا يخفى على كل لبيب أن  انتصار الأمة في حرب أكتوبر (العاشر من رمضان) كان منطلقًا من هويتها؛ حيث انصبغت روح المجاهد المسلم آنذاك بالتكبير والشعارات التي منبعها الوحي المنزَّل، وكان للأزهر الدورُ الرائعُ قبلَ المعركة وأثناءها في إيقاظ معاني الجهاد والتضحية من أجل كنانةِ الله في أرضه، ومذكرات قائد الأركان تؤكد ذلك؛ حيث قال: «طريقُنا إلى النصر عقيدتي»، نعم؛ ففي الحقيقة هو طريقٌ لكل نصر.

النصر الحقيقي

-مع الأسف- كثير من شعوبنا تهوي سفينتهم إلى القاع منذ زمن، وهم في لهوهم وغيهم يلعبون، ويَحسبُون أنهم يُحسنون صنعًا، وأصبح الكثير منهم مثل الطائر الذي يبيض في غير عشه.

     والمخرجُ مما فيه الأمةُ الآن هو كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «حتى تراجعوا دينَكم»، وهذا يحتاج إلى الاستسلام للشرع والاستعداد لقبوله والعمل به؛ إذ لا حياةَ ولا كرامة ولا نصرَ إلا من خلاله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}، وقال -تعالى-: {وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا}، ولن تعود المقدسات إلا إذا حققنا ما في الحديث «حتى تراجعوا دينَكم»؛ فالطريق للقدس يبدأ بعودتنا لديننا ، والانتصار على اليهود يكمن في استقامتنا وعودتنا إلى شريعتنا.

فإذا استطعنا أن نحول شريعتنا وهويتنا إلى واقع ملموس، وإيجاد جيل يتحمل ويعتز ويعمل لهذا الدين العظيم كان النصرُ حليفَنا ولا شك في ذلك.

المهم أن نبدأ

     لكن المهم أن نبدأ، فالطريق طويل وأنا أقول: سيزداد طوله إن لم نبدأ ونتحرك الآن، وليعلم الجميع أن العمل اليوم رغم مرارة الواقع وكثرة تحدياته وتفاقم أزماته وكثرة وسائل الباطل وأدواته، إنما هو بمثابة بداية حياة وأمل للأجيال القادمة، وفي الحقيقة الشباب هم عمادها ووقودها، وعلى كواهلهم تحمل الأمة وبهم تنتصر؛ لذلك كان من الطبيعي لأعداء الأمة وأذنابهم أن يوجهوا سهامهم إليهم ليبعدوهم عن التفكير في نصرة أمتهم ليسلكوا سبل الغواية.

     قتلوهم ولكن ليس بالسلاح بل بالتبعية والهزيمة النفسية، وفتحوا عليهم أبواب الشهوات والشبهات والفواحش والرذائل، -ومع الأسف- هناك من شبابنا من لعب به الهوى، وتمكنت منه الشهوات فأصبح غارقًا لا يفكر، أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع إلا ما يوافق هواه، ونسي ما قاله الله -سبحانه وتعالى-: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}، ويقول -سبحانه وتعالى-: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ}، وقال -تعالى-: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا}.

فيا شباب أنتم الأمل؛ فلا تعينوا أعداءكم بمعاصيكم وذنوبكم ولكن اجتهدوا للعمل بالمستطاع والممكن وعندها يأتي الفرج قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك