رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 22 يناير، 2026 0 تعليق

الشباب المسلم 1293

رفقة الطريق تصنع المصير

الشاب هو ابن بيئته ورفقة دربه؛ يتأثر بهم فكرًا وسلوكًا ومصيرًا - شاء أم أبى - وما من طريق يسلكه الشاب إلا وتشاركه فيه أمور، فإن صلحت صلحت معه وجهته، وإن فسدت جرّته إلى حيث لا يريد، وقد نبّه القرآن إلى خطورة الصحبة وأثرها العميق، فقال -تعالى-: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67)، فصداقة اليوم قد تنقلب ندامة غدًا، إلا ما كان مبنيًّا على تقوى الله.

        وفي السنة النبوية تأكيد بليغ لهذا المعنى؛ إذ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يُخالِل»؛ فالصحبة ليست مجرد تسلية عابرة، بل تربية غير مباشرة، وتأثير صامت، يصوغ القناعات ويغيّر المسارات؛ ولذلك شبّه النبي - صلى الله عليه وسلم - الجليس الصالح بحامل المسك، والجليس السوء بنافخ الكير؛ إمّا أن تنتفع به أو تتأذى منه، ولا ثالث بينهما؛ فالصاحب الصالح يذكّرك بالله إذا نسيت، ويعينك على الخير إذا ضعفت، ويشدّ أزرك حين تتعثّر؛ لذلك فإنّ اختيار الرفقة قرار مصيري، لا يُقاس بعدد السنين ولا بطول العِشرة، وإنما بقدر ما تقودك فيه إلى الله أو تُبعدك عنه، فاختر من يأخذ بيدك إلى الطاعة، لا من يزيّن لك المعصية، واختر من يرفع همّتك، لا من يستهلك عمرك؛ فالطريق واحد، لكن الرفقة هي التي تحدّد النهاية، ورفقة الطريق هي التي تصنع المصير.

قلبك بوصلتك... فإلى أين يتجه؟

        كثرة الملهيات اليوم لا تُضعف الجسد فحسب؛ بل تُرهق القلب وتتعبه وقد تميته، وما ضلّ شاب إلا حين ترك قلبه بلا حراسة، قال الله -تعالى-: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد: 28)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي القَلْبُ»، فإن صلح قلبك، صلح مسارك، وإن فسد، تاهت خطاك وضاعت بوصلتك.

من أخطاء الشباب

       ليس الخطأ عيبًا في ذاته، لكن العيب في الإصرار عليه، أو تزيينه باسم الحرية أو التجربة، وكثير من أخطاء الشباب لا تنبع من سوء نية، بل من استعجال، أو قلّة خبرة، أو غياب التوجيه، ومن أبرز هذه الأخطاء الاندفاع بلا وعي، واتخاذ القرارات المصيرية تحت ضغط العاطفة أو اللحظة، دون نظر في العواقب، ومنها الاغترار بالمظاهر، وقياس النجاح بالشهرة أو المال، مع إهمال بناء النفس والعقل، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الغِنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغِنى غِنى النفس»، ومن أخطائهم أيضًا الاستهانة بالوقت، وتأجيل التوبة والعمل، كأن العمر مضمون، مع أن الأيام تمضي بلا عودة كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «اغتنم خمسًا قبل خمس» وذكر منها: «شبابك قبل هرمك».

كن نافعًا ولو بالقليل

        يظنّ بعض الشباب أن النفع لا يكون إلا بالأعمال الكبيرة والمناصب المؤثرة، فيؤجّلون العطاء حتى تأتي الفرصة الكبرى، فتضيع أعمارهم في انتظار الفرصة الموعودة، والحقيقة أن الخير لا يُقاس بحجمه، بل بصدقه وأثره، لقد فتح الإسلام أبواب النفع على مصاريعها، فجعل أبسط الأعمال جسورًا للأجر، فقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا رسولَ اللهِ، أي الناسِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قال: أنفعُهُم للناسِ، قلتُ: فأي الأعمالِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قال: سرورٌ تُدْخِلُه على مسلمٍ»، فلم يقيّد النفع بمال ولا جاه، بل جعله متاحًا لكل من صدق القصد، حتى في السرور الذي تدخله على أخيك المسلم، فقد يكون النفع في كلمة صادقة، أو ابتسامة صافية، أو نصيحة خالصة، أو عونٍ في لحظة ضيق، قال -تعالى-: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة: 215)، فلا شيء من الخير يضيع، وإن خفي عن أعين الناس.

الحرية الحقيقية

        كثيرًا ما تُختزل الحرية اليوم في كسر القيود وتجاوز القيم واتباع الرغبات، حتى ظنّ بعض الشباب أن الانفلات هو طريق السعادة، والحقيقة أن هذا الفهم فهمٌ قاصر يخالف الحقيقة التي يغفل عنها كثير من الشباب؛ فالحرية الحقيقية ليست أن تفعل كل ما تريد، بل أن تملك نفسك حين تريد، وألا تكون أسيرًا لرغبة عابرة، قال الله -تعالى-: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: 23)، فمن جعل هواه قائدًا، صار عبدًا له من حيث لا يشعر، وبيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا المعنى بوضوح حين قال: «تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ، والدِّرْهَمِ، والقَطِيفَةِ، والخَمِيصَةِ»؛ فالعبودية تكون لكل ما يسيطر على القلب ويستعبد الإرادة؛ لذلك عليك يا بني أن تعلم أن العبودية لله وحده هي طريق التحرر الحقيقي؛ لأن من عرف ربَّه، استغنى به عمّا سواه، ومن خضع لأمره تحرّر من سلطان الشهوات والمغريات، فكن عبدًا لله، تكن حرًّا من كل قيدٍ لا يقود إلى رضاه.

الشباب المستقيم يؤمن بالقدر

       يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله-: إنَّ الشابَّ المستقيم يؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه، ويوقن أنَّ كلَّ شيءٍ واقعٌ بقضاء الله وقدره، مع إيمانه بالأسباب وآثارها، فيعلم أنَّ للسعادة أسبابًا، وللشقاء أسبابًا، وهو شابٌّ يدين بالنصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم؛ فيعامل الناس بالصراحة والبيان كما يحب أن يُعاملوه، فلا خداعَ ولا غشَّ، ولا التواءَ ولا كتمان.

العمل الصالح هو التجارة الرابحة

        قال الشيخ عبد الرزاق عبدالمحسن البدر: إن العمل الصالح هو المتجر الرابح والمغنم الراجح، وهو مجلبةٌ للسعادة مطردةٌ للشقاء، قال الله -تعالى- : {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل:: 97)، وهو خير مرتجى وأفضل مدَّخر، قال الله -تبارك وتعالى-: {مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} (الروم: 44)؛ أي يهيِّئون ويعدُّون ويقدِّمون، والعمل الصالح هو الموجب للفوز بالجنان ونيل رضا الرحمن، قال الله -تبارك وتعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} (البينة: 8).

خطوة للأمام

        الحياة قصيرة، والأيام تمضي بسرعة، والشباب مرحلة ثمينة لا تعود، وكثيرون ينتظرون اللحظة المثالية، أو الفرصة الكبيرة، وينسون أن كل تغيير يبدأ بخطوة صغيرة، لكنها ثابتة وصادقة، الخطوة للأمام لا تحتاج إلى قدرات خارقة، بل إلى نية صادقة وعزم صافي. قد تكون خطوة للتوبة، أو لممارسة عادة حسنة، أو لمساعدة محتاج، أو لمراجعة نفسك يوميًا. قال -تعالى-: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ} (المزمل: 20)، فكل خطوة صادقة لها أثر عند الله، ولو بدت صغيرة أمام أعين الناس، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»، فلا تنتظر الكمال، ولا تنتظر الظروف المثالية؛ ابدأ اليوم، خطوة صغيرة، وستجد نفسك غدًا أقوى، وأقرب إلى الله، وأقرب إلى تحقيق أحلامك الحقيقية.

ثباتُ الخطوات

في طريق الحقّ لا يُطلَب منك أيها الشاب أن تُسرع، بل أن تثبت؛ فالعبرة ليست ببداياتٍ متحمّسة، وإنما بنهاياتٍ صادقة، كم من سالكٍ انطلق بحماس، ثم تعثّر حين طالت الطريق، وكم من ثابتٍ سار بهدوء، فبلغ المقصد؛ لأن قدمه لم تزلّ، وقلبه لم ينحرف، ثباتُ الخطوات هو أن تمضي على الحقّ وإن قلّ السالكون، وأن تستقيم وإن اضطرب من حولك، والثبات وهو ثمرةُ إيمانٍ راسخ، ومعرفةٍ بالغاية، واستعانةٍ دائمةٍ بالله، مصداقًا لقوله -تعالى-: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك