الشباب المسلم 1290
شبابٌ يحملون القرآن
في زمنٍ كثرت فيه المناهج، وتشابكت فيه القيم، يبقى القرآن هو الصوت الأعلى، والنور الأصدق، والمنهج الذي لا يضلّ من تمسّك به، وحين يحمل الشبابُ القرآنَ حقّ عندئذ لن يكون القرآن الكريم مجرد كلماتٍ محفوظة، أو آياتٍ متلوّة، بل روحًا تسري في السلوك، وميزانًا يضبط الفكر، وبوصلةً تهدي المسير.
إنهم شبابٌ حملوا القرآن في قلوبهم قبل ألسنتهم؛ فظهر أثره في أخلاقهم ومعاملاتهم، صدقًا في الحديث، وأمانةً في العمل، ورحمةً في التعامل، وثباتًا عند الفتن؛ فهم يعلمون أن القرآن لم يُنزَل ليُتلى فحسب، بل ليُعمل به، كما قال الله -تعالى-: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}، وإذا ذُكِّروا بآيةٍ، وقفوا عند حدودها، وإذا ناداهم أمرُ الله، لبّوا بسمعٍ وطاعة، لا تصدّهم شهوة، ولا تزلّهم شبهة؛ لأنهم جعلوا القرآن حَكَمًا على الأهواء، لا محكومًا لها، وقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل القرآن بمنزلتهم فقال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». إن شباب القرآن ليسوا معزولين عن واقعهم، بل هم أعمق الناس فهمًا له، وأصدقهم إصلاحًا له؛ يعمرون القلوب بالإيمان، قبل أن يعمروا الأرض بالبنيان، ويقيمون في الناس ميزان العدل، ويغرسون فيهم معاني الأمل واليقين. هؤلاء هم رصيد الأمة في زمن المحن، وحملة الرسالة في مرحلة البناء، بهم تُصان الهوية، وتُبعث النهضة، ويصدق فيهم قول الله -تعالى-: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}، فطوبى لشبابٍ حملوا القرآن، فحملهم إلى معالي الأخلاق، ورفعهم في الدنيا والآخرة.حقيقة الطموح في حياة الشباب
الطموح أن يتطلع الشاب ليكون منتفعا ونافعًا بعلمه، مخلصًا في عمله، ثابتًا على قيمه، لا تُغريه المناصب، ولا تُثنيه العقبات عن طريق الحق، وهو طموحٌ يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، بين الاجتهاد في السعي والرضا بما يقسمه الله بعد ذلك، مصداقًا لقوله -تعالى-: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}، وحين يُربط الطموح بالإيمان، يتحوّل العمل اليومي إلى قُربة، والنجاح إلى وسيلة إصلاح، والتفوق إلى أمانة ومسؤولية؛ فكم من طموحٍ دنيويٍّ أضلّ صاحبه، وكم من طموحٍ صادقٍ رفع صاحبه درجات عند الله؛ لأنه أراد به الخير والإصلاح.شبابٌ تصنعهم الهِمّة
الشباب ليس عُمرًا يُعدّ، بل روحٌ تُشعل الدروب، قال -تعالى-: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} (الكهف:13)، ولم يمدح الله الفتية لقوتهم، بل لقوة إيمانهم؛ فالهمة العالية تُحوّل الشباب من مرحلة عبور إلى مرحلة تأثير.سمو الهمة طريقٌ إلى رضا الله
ليس الطموح في ميزان الإسلام اندفاعًا وراء المجد الشخصي، ولا تسلّقًا على أكتاف الآخرين، بل هو سموٌّ في الهمّة، وعلوٌّ في المقصد، وسيرٌ واعٍ نحو ما يُرضي الله قبل كل شيء؛ فالطموح الحقّ هو أن يجعل المسلم غايته رضا الله، ووسيلته العمل الصالح، وقد ربّى الإسلام أبناءه على علوّ الهمة، وكراهية الدون من الأفعال؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ معاليَ الأمورِ وأشرافَها، ويكرهُ سَفْسافَها»؛ فالطموح ليس ترفًا، بل عبادة إذا صَحَّت النيّة، وصار السعي فيه ابتغاء وجه الله -تعالى-.
صداقةٌ تُعينك على الطاعة
الصداقة في ميزان الإيمان هي عونٌ على الطاعة، وتثبيتٌ عند الفتن، وتذكيرٌ إذا غفل القلب، ويدٌ تمتدّ بك نحو الجنة؛ فالصديق الصالح نعمةٌ عظيمة، وفضلٌ من الله، به يهون الطريق، ويثبت السائر إلى الله، والصداقة التي تُعين على الجنة هي تلك التي تُقرّبك من ربك؛ إذا نسيت ذكّرتك، وإذا ضعفت قوّتك، وإذا أخطأت نصحتك، لا تجاملك على حساب دينك، ولا تتركك تهوي باسم الوفاء. وقد قال الله -تعالى-: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)، وقد بيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثر الصاحب في حياة الإنسان فقال: «المرءُ على دينِ خليله، فلينظر أحدُكم من يُخالِل»، فما أعظمها من وصية، وما أصدقها من حقيقة! فالصديق إمّا أن يرفعك درجة، أو يجرّك دركة.صلاح القلب وفلاحه

قُدْ نفسَك قبل أن يقودك غيرُك
قيادةُ النفس تعني الوعي، وضبط الشهوات، وترتيب الأولويات، واتخاذ القرار عن بصيرة لا عن اندفاع. فمن لم يُحسن إدارة نفسه، قادته أهواؤه، وساقته رغباته، أو جرّته التيارات حيث شاءت، قال -تعالى-: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}، وقيادة النفس تبدأ بمعرفتها؛ معرفة نقاط القوة لتُنمّى، ونقاط الضعف لتُداوى، ومواطن الزلل لتُحاط بالحذر، وهي مجاهدةٌ يومية، لا تنتهي، قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}؛ فمن جاهد نفسه هداه الله، ومن أهملها تركه لنفسه، وقد لخّص النبي -[- هذا المعنى حين قال: »الكَيِّسُ مَن دَانَ نفسَه، وعَمِلَ لِما بعدَ الموت« ؛ فالعاقل هو من يحاسب نفسه، ويقودها نحو ما ينفعها في آخرتها قبل دنياها، فقُدْ نفسك اليوم، لتقود غدك، ولا تنتظر أن يُملى عليك الطريق؛ فمن لم يُمسك بزمام نفسه، أمسك به غيره حيث شاء.من آداب الحديث
قال الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله-: ومن الآداب الطيبة إذا حدَّثك المحدِّث بأمر ديني أو دنيوي ألا تنازعه الحديث إذا كنت تعرفه، بل تصغي إليه إصغاء من لا يعرفه ولم يَمُرَّ عليه، وتريه أنك استفدته منه، كما كان أَلِبَّاءُ الرجال يفعلونه، وفيه من الفوائد: تنشيطُ المحَدِّث وإدخالُ السرور عليه، وسلامتك من العجب بنفسك وسلامتك من سوء الأدب؛ فإن منازعة المحَدِّث في حديثه من سوء الأدب؛ فعن عطاء بن أبي رباح -رحمه الله- قال: »إن الشاب ليتحدث بحديث فأستمع له كأني لم أسمع، ولقد سمعته قبل أن يولد«.من أخطاء الشباب
من أكثر الأخطاء شيوعًا في مرحلة الشباب التسرّع في الحكم على الناس، دون تثبّتٍ أو معرفةٍ كاملةٍ بالظروف والدوافع؛ فاندفاع الحماسة، وضيق التجربة، وسرعة تكوين المواقف، تجعل بعض الشباب يطلقون الأحكام جِزافًا، وكأنهم أحاطوا بالقلوب واطّلعوا على السّرائر، وليس ذلك إلا لله وحده، وقد نهى الله -تعالى- عن الظنّ وسوء التقدير فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}؛ فالأحكام المتعجّلة غالبًا ما تُبنى على ظنون، والظنون لا تُقيم عدلًا ولا تحفظ أخوّة، والشباب أحوج ما يكونون إلى هذا الخُلُق؛ لأنه يحفظ صفاء القلوب، ويصون وحدة الصف، ويحوّل النقد من تجريحٍ إلى نصح، ومن قطيعةٍ إلى إصلاح، فليتعلّم الشاب أن يحكم بالعدل، لا بالعاطفة، وبالبصيرة، لا بالانطباع، وأن يترك السرائر لعلام الغيوب؛ فذلك أدعى للسلامة، وأقرب لرضا الله.
لاتوجد تعليقات