رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 25 مارس، 2025 0 تعليق

الشباب المسلم – 1257

الشباب وطلب العلم

على الشباب أن يستغلوا ما أنعم الله عليهم من صحة وفراغ في طلب العلم وتربية النفس وتهذيبها وتعويدها على الطاعة، وقد نبَّه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إلـى غفلة الكثير من الناس عن هذه النعم؛ فقال: «نعمتان من نعم الله مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

         قال ابن بطال: (كثير من الناس) أي أن الذي يوفق لذلك قليل، ويقول بعض الصالحين: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، وكان السلف الصالح يكرهون من الرجل أن يكون فارغًا لا هو في أمر دينه ولا هو في أمر دنياه، والنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، كما قال الشافعي، فمن أطلق لنفسه العنان تهوي به ذات اليمين وذات الشمال، قال عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه -: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، فالنفوس الفارغة لا تعرف الجد، فتلهو في أخطر المواقف وتهزل في مواطن الجد، فلا إيمان ولا دين ولا عمل، همها اللعب واللهو في الدنيا ويتبعه حسرة وندامة يوم القيامة، يقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي، ويقول الحسن البصري -رحمه الله-: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم. وكثير من الشباب يتوفر لديهم أوقات كبيرة؛ إذ لا مسؤولية عليهم ولا أعباء أسرية تلاحقهم، وهم في مرحلة توقُّدِ الذهن وحضور البديهة وفي قمة النشاط العقلي، فما أجمل أن يتوجه هؤلاء الشبيبة إلى طلب العلم الشرعي والنهل من كنوز الكتاب ومعين السنة المطهرة وميراث سلف الأمة وتاريخه!

فضل طلب العلم

         إن طلب العلم لا غنى عنه لأي شاب يريد عبادة ربه -تبارك وتعالى- على بصيرة، والاستقامة على دينه، فضلاً عمن يريد الدعوة إلى دينه، عن قيس بن كثير قال: كنت مع أبي الدرداء - رضي الله عنه - في مسجد دمشق، فجاء رجل فقال: يا أبا الدرداء إني جئتك من مدينة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حديث بلغني أنك تحدِّث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ما كانت لك حاجة غيره؟ قال: لا، قال: ولا جئت لتجارة؟، قال: لا، قال ولا جئت إلا فيه؟، قال نعم، قال: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:» من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر».

احذروا البطالة!

عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «إِنِّي لأَمْقُتُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ فَارِغًا لا فِي عَمِلِ دُنْيَا، وَلا آخِرَةٍ»، هذه هي البطالة، ومن آثر البطالة والكسل وترك العمل أضر بنفسه مضرة عظيمة وخسر بسببها دنياه وأخراه.

الجهل داء خطير

        الجهل داء دَوِي ومرض مستحكم قوي، ذمَّه الله صراحة في كتابه فقال: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الأعراف: 138- 139)، فما وقع مَنْ وقع في الشرك والكفر بالله إلا بسبب الجهل، وما وقع من وقع في القتل والاعتداء على النفوس المعصومة وتخريب الممتلكات المحترمة والخروج على الجماعة وإشاعة الفوضى إلا بسبب الجهل، الجهل بعلم الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح -رضي الله عنهم ورحمهم-.

شباب الصحابة وطلب العلم

        لقد كان شباب الصحابة -رضي الله عنهم- يدركون أهمية العلم وفضلَه؛ ولذا حفظت لنا سيرهم المواقف العديدة من حرصهم على العلم وعنايتهم به، فها هو ذا عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - وهو من صغار الصحابة- كان حريصًا على تلقي العلم؛ فكان يتلقى الركبان ويستفتيهم ويسألهم ويستقرئهم؛ حتى فاق قومه كلهم وتأهَّل لإمامتهم، يقول - رضي الله عنه - عن نفسه-: كنا على حاضر، وكان الركبان يمرون بنا راجعين من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأدنو منهم فأسمع حتى حفظت قرآناً، وكان الناس ينتظرون بإسلامهم فتح مكة، فلما فُتحت، جعل الرجل يأتيه فيقول: يا رسول الله، أنا وافد بني فلان وجئتك بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام قومه فرجع إليهم وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قدِّموا أكثركم قرآناً»، قال فنظروا وإني لعلى حِواءٍ عظيم، فما وجدوا فيهم أحداً أكثر قرآناً مني، فقدموني وأنا غلام».

الجد والاجتهاد في طلب العلم

        قال الشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمه الله-: الواجب على الشباب المسلم والفتيات المسلمات بوجه خاص هو الجد والاجتهاد في طلب العلم، والتفقه في الدين بنية صالحة وقصد صالح، كما أن هذا هو الواجب على الشيوخ من المعلمين والمرشدين ومن غيرهم أن يتفقهوا في دين الله، وأن يعنوا بتطبيق كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم وعلى غيرهم في أقوالهم وأفعالهم، حتى يكون الجميع قدوة صالحة، وحتى يكونوا هداة مهتدين، وحتى يرشدوا الناس إلى ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.

مدرسة شهر الصِّيام

         قال الشيخ عبدالرزاق عبدالمحسن البدر: الصِّيام مدرسةٌ تربويَّةٌ عظيمةٌ مباركَةٌ: يتخرَّج فيها المؤمنون المتَّقون، ويتزوَّد فيها المؤمنون بأعظم زادٍ يمضي معَهم في حياتهم كلِّها، وفي أيَّامهم جميعِها، على أنَّ هذه المدرسةَ، (مدرسةَ شهر الصِّيام)، لا يستفيد منها كثيرٌ من النَّاس؛ إذ تمضي عليهم هذه المدَّة الشَّريفة وهُم يتعايشون معها تعايشَ الطَّالب البليد في مدرسته، يتخرَّج ولا يستفيد، بينما المؤمن المجدُّ الحريص يدخل هذه المدرسة المباركة فيأخُذ منها دروسًا تربويَّةً إيمانيَّةً علميَّةً تمضي معَه في حياته كلِّها.

ما أشد حاجتنا لشباب يطلب العلم!

          ما أشد حاجة المسلمين إلى شباب يطلب العلم ويستنير بنور الوحيين، ويقيم حجة الله على العباد، ويبين لهم السبيل، وينير أمامهم الطريق، وينفض عنهم عمى الجهل! يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «جعل الله -سبحانه- أهل الجهل بمنزلة العميان الذين لا يبصرون فقال {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى}(الرعد: 19).

الشباب وتعلم أسماء الأنبياء

          عن الضحاك -رحمه الله- قال: «عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمْ وَأَهَالِيَكُمْ وَخَدَمَكُمْ أَسْمَاءَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِمْ، وَيُصَدِّقُوا بِمَا جَاؤوا بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، هذه لفتة تربوية مهمة لينشأ الأبناء على معرفة الأنبياء وحبهم والاقتداء بهم؛ فإن الله لما ذكر عبده وخليله إبراهيم -عليه السلام- في سورة الأنعام، وذكر بعده سبعة عشر نبيا أتبع ذلك -سبحانه- بقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} أي: اتبع طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده، والأخلاق الحميدة، والنهج القويم، والأفعال المرضية، والصفات الرفيعة، وهم الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية لسبيلهم في قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } فهو يحب لنا ويأمرنا أن نتبع صراط هؤلاء وهو سبيل من أناب إليه، وذلك أنهم لما قاموا بحقيقة الإيمان علما وعملا ودعوة وجهادا جعلهم الله أئمة للخلائق، وجعل الخلائق تبعا لهم يأتمون بأمرهم ويهتدون بهداهم، وخص بالسعادة والفلاح والهدى أتباعهم، وبالشقاء والضلال مخالفيهم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك


X