السلفيّون وحتميَّة المواجهة
كانت العقيدة وما زالت هي المعترك الفسيح الذي يستفرغ الجهد والوسع من الأئمة والدعاة والعلماء لإعادة الناس إلى النبع الصافي الذي بدأ به الإسلام، وطمس البدع، وهدم بنيان الشرك إذا ما سكن القلوب .
ولم يعرف المسلمون حربًا طيلة حياتهم إلا في هذا الميدان، وما جُيِّشت الجيوش وانطلقت الغزوات إلا لرفع هذا اللواء، وما ذاق الأئمة العذاب الأليم ونالت سياط المبتدعة منهم إلا بسبب العقيدة التي كانت وستظل شريان الحياة لهذه الأمَّة؛ فإذا ما ضعف صوتها أو خفت نورها فهي الهزيمة، بل أمُّ الهزائم للأمَّة الإسلاميَّة .
ولقد فقه أعداء الأمَّة ذلك وعلموا أنَّ انتصارهم مرهونٌ دائمًا بإزاحة العقيدة عن مقامها ومكانها داخل القلوب، وإلاَّ فالهزيمة لهم والدمار عليهم، وقد اجتهدوا منذ أزمنة طوال بدأت بابن سبأ وربما قبله، مرورًا بإخوان الصفا والباطنية والحشاشة والقرامطة والصفويَّة وغيرهم، حتى انتهت جهودهم في الأزمنة الأخيرة إلى طه حسين والأفغاني وأفراخهم وأذنابهم إلى يومنا الحالي.
ولقد ارتبط مفهوم العقيدة قديمًا وحديثًا بالسلفيَّة ارتباطًا وثيقًا؛ حيث تُمثل العقيدة معلمًا بارزًا من أهم معالم وأولويات المنهج السلفي، فالسلفيّون هم الذين حملوا على عاتقهم رفع لواء النقاء العقدي والديني في مواجهة اختلاط الرايات والشعارات، وهم الذين رفعوا راية العلم وبذلوا الجهد لمنع اندثار ثوابت الإسلام؛ لذا فلا غرابة أن تكون السلفيَّة بالنسبة للصفِّ الإسلامي هي خط الدفاع الأول والأخير؛ لأنَّها أول وآخر من تمسك بالثوابت والعقيدة الإسلاميَّة التي تحولت عند الغالبية إلى متغيرات، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْـمُصْلِحِين} (الأعراف:170)، وتفيد كلمة «يُمَسِّكون» «أن التمسك أمر تنبغي ملازمته في جميع الأزمنة».
ومما يجب الانتباه له في هذا الشأن وهو محصِّلةٌ لما ذكرناه في الأسطر السابقة أنَّ مواجهة السلفيّة تأتي ضمن القضايا المشتركة بين جميع الفصائل والأحزاب والفرق المخالفة للمنهج السلفي من علمانيين وشعوبيين وصوفيين وليبراليين وغيرهم، ومهما اتخذ السلفيّون من مواقف إيجابية تجاه هذه الأحزاب، فلن يغير ذلك من نظرتهم وعقيدتهم تجاه الدعوة السلفية من شيء، تلك الدعوة التي يسمونها بالوهابية، وما ذلك إلا لأنَّ الدعوة السلفيَّة دعوة لا تعرف المداهنة والمفاصلة في مجال الاعتقاد الذي هو مركز الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل.
ولمَّا كان الأمر كذلك وجب على القائمين على الدعوة السلفيَّة أخذ أمور عدة في الاعتبار وهم على طريق المواجهة الحقيقية مع الباطل وأعوانه، من أهمها:
(1) أن مواجهة الباطل كانت ولا تزال فريضة شرعيَّة وحتميَّة على السلفيين شاؤوا ذلك أو أبواْ، وهم رأس الحربة في هذه المواجهة فليعدوا العدة لذلك.
(2) ينبغي على علماء الدعوة السلفيَّة أنْ يعيدوا النظر في آلية تكوين الولاءات والعداءات فيما بينهم؛ فالأمر لا يحتمل هدرًا للجهود والطاقات، ولا يليق التشاحن على قضايا اجتهادية بينما يفسح بعضهم المجال لحزب الله والأحزاب العلمانية والشيوعية والليبرالية كي تصطف بجوارنا، والمطلوب العمل على ترسيخ ثقافة التعاون على البرِّ والتقوى، والتناصح في قضايا الخلاف.
(3) إعادة النظر في الخطاب الدعوي السلفي على ضوء التطورات والتغيرات، فلم نعد وحدنا في هذا العالم، وكل كلمة محسوبة ولها تبعاتها؛ كما أنَّ الانطلاق من فرضيَّة توجيه الخطاب إلى أنصار وأتباع فقط لم تعد كافية في إقرار الحق، فهناك شبهات واختلاط وتدليس وتداخل، ومن ثم يجب الحرص على تكوين الرؤية القويَّة، وتوثيق المعلومة، وتعميق التحليل، والابتعاد عن الخطاب الدعائي المَحْض الذي ينبني على العاطفة ويعتمد على موالين مُصدّقين أكثر مما يعتمد على قوة التحليل ووضوح المعلومات؛ فالأمَّة في الوقت الحالي تحتاج بقوة أن يرفع التيار السلفي مستوى خطابه ويقوي أساليب الإقناع والمناظرة والجدال لديه لكي يدافع وينافح عن الثوابت والعقيدة التي يتولى حفظها وصيانتها.
(4) السلفيّون مطالبون بحسن التفقه في الواقع وتناول القضايا السياسيَّة بعمق وتبصر؛ لأن السياسة أصبحت من الميادين الأساسيَّة الآن لمواجهة الباطل، ولئن أعْرَضَ السلفيَّون عن الاهتمام بالقضايا السياسيَّة في الماضي – وهذا لا يعيبهم - فذلك لأنَّ الواقع والظروف فرضت عليهم ذلك، ولكن من المهم على الدعاة والمحاضرين والباحثين السلفيين أن يعلموا أنَّ السياسة علمٌ له مناهجه وأصوله التي يجب اعتمادها في تناول مفرداته وقضاياه، مع أهميَّة استحضار الثوابت والمنطلقات الشرعيَّة في ذلك، وألا يتم تناول القضايا السياسيَّة بمنهجية متماثلة مع منهجية إعداد الدروس والمحاضرات والبحوث الدعويَّة والدينية المحددة.
(5) تحتاج التيارات السلفيَّة في ظل الظروف المعقدة إلى تكوين رؤية استشرافية للمخاطر التي تتهدد الأمَّة ومن ثم تبني آلية مبكرة لمواجهتها قبل أن تتحول إلى قضايا رأي عام، كما حدث مع أزمة حزب الله حيث أصبحت مخاطبة الجماهير وإقناعها بحقيقة هذا الحزب عسيرة في كثير من الدول، وكثير من الدعاة السلفيين تعرضوا لانتقادات شديدة جرَّاء ذلك.
(6) تحتاج التيارات السلفيَّة إلى تشكيل هيئات علميَّة تجمع شتات مجتهديها وعلمائها، ويناط بهذه الهيئات إصدار الفتاوى وتقديم الرؤى الشرعيَّة في النوازل، وحتى لا تكون مواقف هذه التيارات متناثرة في فتاوى يتحمل عبئها عالِمٌ واحد أو جهة واحدة، وخاصَّة أنَّ تعدد الآراء والاجتهادات في هذه المرحلة يضفي قيمة متزايدة على الاجتهادات الجماعيَّة.
وحتى تستطيع التيارات السلفيَّة أنْ تمارس دورها في حفظ ثوابت الدين من التحلل والاندثار - بعد توفيق الله تعالى - لا بد أن تمتلك زمام المبادرة؛ فلم يعد ملائمًا ولا لائقًا أنْ يسيطر خطاب الاستعلاء والانتقاء والانكفاء الذي يميز قطاعًا من التيارات السلفيَّة؛ لذا ينبغي النزول من الأبراج العاجية ومخالطة الجماهير؛ فلدى هذه التيارات فُضول عِلم، والناس ذوو فاقة، وفي أمس الحاجة لمن يأخذ بأيديهم إلى بر الأمان.
• خلاصة الأمر: ليعلم السلفيّون أنَّهم مَحَطُّ أنظار العالم أجمع وأنَّ أنفاسهم معدودة عليهم، ففي فرنسا مثلاً أحصت الاستخبارات الفرنسيَّة عدد السلفيين فوجدتهم خمسة آلاف، ينشطون في أربعين مسجدًا، في الوقت الذي لم نسمع فيه عن إحصاءات قُدمت عن تيارات إسلاميَّة أخرى؛ كما نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية في نسختها العربيَّة استطلاعًا للقرّاء عن احتمال ظهور طالبان عربيَّة مع طرح تساؤل عن كيفية التعامل معها، مع العلم أنَّ حزب الله اللبناني قدم طيلة 24 عامًا نموذجًا مثاليًا لهذا النموذج! وأنشأ مجتمعًا دينيًا مغلقًا ومكتفيًا ذاتيًا دون أن يتعرض لأي انتقادات مادام أنه لم يقترب من الحدود الفلسطينية.
إنَّها السلفيَّة السُنيَّة إذًا التي تقضُّ مضاجع أهل الباطل وتثير القلق في نفوس أهل البدع والأهواء؛ فهل آن للسلفيين أن يعـوا مـا يدور حولهم وأنْ يُقدّروا حجم المسؤوليَّة التي أُلقيت على كاهلهم، وأنْ يوحّدوا جهودهم ويتلافوا ما قد يؤخذ عليهم وبخـاصَّة أنَّهم أصبحوا في دائرة الضوء والمتابعة من شـتى الجهات التي تعمل جاهدةً على تقويض منهجهم ومحاربة عقيدتهم، ولكن الله يبطل الباطل ويحق الحق بكلماته، قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} (الأنبياء:18)، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21) .
لاتوجد تعليقات