السلفية.. هي الطريقة المثلى في الاعتقاد والاستدلال والانقياد
إذا استعمل العربُ كلمةَ السَّلَف في معنى التقدّم في الزمان أو في الأعمال أو المكان؛ فإن مدلول هذه الكلمة في لغة الشرع واصطلاحه مستعمل في معنًى مخصوصٍ وهو التقدّم التام الجامع؛ أي: التقدّم في الزمان والمكان والصفات والأفعال جميعاً؛ فهو تقدّمٌ في كل خير وسبْقٌ إلى كل عمل صالح؛ عليه تكون كلمة السَّلَف في الشّرع تشمل على معنى التقدّم والسَّبق والأوليّة معاً، يقول أبو بكر ابن العربي- عند تفسير قوله -تعالى-: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ}، في تحقيق السَّبق: وهو التقدم في الصفة، أو في الزمان، أو في المكان؛ فالصفة الإيمان، والزمن لمن حصل في أوان قبل أوان، والمكان من تبوأ دار النصرة، واتخذه بدلاً عن موضع الهجرة (أحكام القرآن 4/400) .
والمقصود من هذا البيان، هو أن فهم السَّلفيّة في معناها اللغوي وما زاده عليها الشّرع من معنًى يكون من خلال حقيقتين:
- الأولى: أن اسم السَّلفيّة مشتملٌ على معنى التقدّم والسَّبق والأولية؛ إذ بين هذه الألفاظ الثلاثة تقاربٌ في المعنى اللغوي وتلازم في الدلالة الشرعيّة.
- والحقيقة الثانية: أن معنى السَّلَف في الشّرع يُحْمَل على التقدّم المطلق التام؛ لأنه تقدّم في الزمان والمكان والصفات؛ فالسَّلفيّة نسبة إلى السَّلَف الصالح الذين تقدّموا على غيرهم في الزمان والمكان، وفي الإيمان والعلم، وفي الاتباع والاعتقاد، وفي العمل والدعوة، وفي الهجرة والنُّصرة، وفي الصبر واليقين، وفي السلطان والجهاد، وفي الآداب والأخلاق، وهم الذي سبقوا غيرهم بالانقياد والطاعة، وبالسَّماحة والشَّجاعة، وبالبصيرة والدراية، وبالعدل والرحمة، وبالحكمة والمصلحة؛ فالسَّلفيّة إذاً هي اتباع مَن مضى مِن الصحابة -رضي الله عنهم- والذين اتبعوهم بإحسان من أئمة الدين، وفقهاء الملة وعلماء الإسلام، كما قال شمس الدين السَّفاريني: «المراد بمذهب السَّلَف ما كان عليه الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم - وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم وأئمة الدين ممن شُهد له بالإمامة، وعُرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، دون من رُمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج، والروافض، والقدريّة، والمرجئة، والجبريّة، والجهميّة، والمعتزلة، والكراميّة». (لوامع الأنوار 1/20).
بيان الاسم وتوضيحه
قد تقرر عند أهل العلم أن بيان الاسم وتوضيحه وتَصَوُّره، تارة يكون بتعريف عينه ونفسه وماهيته، وتارة أخرى يكون بتعريف مثاله، والتعريف بالمثال أيسر وأسهل وأقرب إلى الفهم من التعريف بالحد المطلق، والتعريف بالمثال تارة يكون في بذكر بعض أنواع الاسم العام على سبيل التمثيل بقصد توضيح المعنى وتقريبه؛ فالإتيان بالمثال يكون لتفسير الاسم، وتوضيح معناه لا لغرض في المثال نفسه، وتارة يكون التعريف بالمثال بقصد التنبيه على نوع معين، أو فرد محدد من الاسم؛ فالإتيان بالمثال في هذه الحالة لا يكون لمجرّد توضيح معنى الاسم وتفسيره، بل لأجل الاعتناء بالمثال نفسه؛ فتخصيص المثال بالذكر لامتيازه عن نظائره ببعض الأوصاف والخصائص والمزايا التي اختصّ بها؛ فإذا سأل سائل عن تعريف الحق؛ فقيل له: هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -رضي الله عنهم-؛ فهذا من باب تعريف الشيء بأفراده الكاملة وخصائصه التامة، ويصار إلى هذا النوع من التمثيل لتنبيه السائل إلى أنواع هذا الاسم وأفراده أكثر من مجرّد تعريفه.
تعريف الإسلام بالسلفية
تعريف الإسلام بالسلفية يتنزل على هذا الباب؛ فهو تعريف للشيء بمثاله الكامل ونوعه الرفيع وفرده العالي، وهو أيضاً توصيف للإسلام بحقائقه الكاملة الثابتة وأوصافه التامة الظاهرة؛ فالطريقة السلفيّة بعد البعثة النبوية هي الطريقة المثلى والمنزلة الفضلى في الاعتقاد والاستدلال والانقياد على الإطلاق وعلى مرّ الدهور والأزمان، كما قال أبو المظفر السّمعاني: «فعلى الطريقة التي ذكرتها ينبغى أن يتكلم المسلم ويعتمد عليه، ولا يغتر بزخارف القول، وليتبع طريقة السلف الصالح والأئمة المرضية من الصحابة، ومنهج التابعين بإحسان لبيان السعادة العظمى، ويصل إلى الطريقة المثلى».
الطريقة المثلى
وقد صرح شيخ الإسلام-رحمه الله- تصريحاً لا يبقى معه شك، أن الطريقة المثلى في الإسلام هي الطريقة السلفيّة؛ فقال: «والعدل المحض في كل شيء متعذر علماً وعملاً، ولكن الأمثل؛ فالأمثل؛ ولهذا يقال: هذا أمثل، ويقال للطريقة السلفيّة: الطريقة المثلى» (مجموع الفتاوى 10/ 99).
والتعبير بالطريقة المثلى اصطلاح معروف لأهل اللغة والشرع، كما قال ابن منظور: «والطريقة المثلى: التي هي أشبه بالحق، وقوله -تعالى-: {إذ يقول أمثلهم طريقة} معناه: أعدلهم وأشبههم بأهل الحق، وقال الزجاج: أمثلهم طريقة أعلمهم عند نفسه»، وقد أشار القرآن إليها، كما قال -تعالى-: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا}، أي: العاقل الكامل فيهم، وقيل: أعقلهم، وأعدلهم قولاً.
فظهر مما تقدَّم أن الطريقة المثلى في كل أمة موصوفة بوصفين: أحدهما: أنها تجمع كمال العلم والإيمان مع كمال العدل والإحسان، والوصف الثاني: أنها واجبة الاتباع والاقتداء في جميع أحوالها؛ لأنها الأعلم في الأصول والمقاصد، والأسلم في النظر والاستدلال، والأعدل في السياسات والأحكام، والأكمل في الأقوال والأعمال، وكذلك الطريقة السلفيّة اتصفت بهذه المزايا والخصائص، واجتمعت فيها هذه الفضائل والخصال .
لهذا يمكن تلخيص الجواب بثلاث نقاط:
أبواب عشرة
- الأولى : عندما يقال طريقة السلف أو منهج السلف؛ فليس المراد منه قول السلف في الأحكام الشرعية الجزئية؛ فهذه يرجع فيها إلى باب الأحكام والاجتهاد، وإلى حجية كل قول على سبيل الانفراد، أو على سبيل الاجتماع، وإنما المقصود من طريقة السلف هو طريقتهم في أبواب عشرة، وهي: في الاعتقاد، والاستدلال، والاستنباط، والانتقاد، والاتباع، والاجتهاد، والاجتماع، وتزكية الأحوال، والدعوة والبيان، وفي المنع والعطاء، الذي هو باب الحب والبغض والولاء والبراء والمدح والذم والمصلحة والمفسدة.
فمنهج السلف هو طريقتهم وأصولهم في هذه الأبواب؛ لذا ليست العبرة بمجرد الانتساب، بل بحسب الاكتساب والسبق في الدخول في هذه الأبواب .
أصول السلف الكلية
- الثانية: أن منهج السلف إذا أطلق؛ فالمقصود منه أصول السلف الكلية وقواعدهم العامة القطعية في هذه الموضوعات والأبواب، أما الأحكام الجزئية والأقوال الاجتهادية؛ فهذه لها نظر آخر بحسب حجية كل حكم وكل قول؛ فالكلام في آحاد المسائل والأشخاص غير الكلام في أصول المسائل وكلياتها، وإن كانت غالب أقوال السلف واجتهاداتهم تجري على الأصول والكليات.
فهم السلف وطريقتهم
- الثالثة: أنَّ ثمَّةَ فرقاً بين فهم السلف وطريقتهم وبين إجماع الأمة في الأحكام من ثلاثة وجوه:
- الوجه الأول: الإجماع في الأحكام يكون على حكم شرعي معين وفي مسألة معينة، بخلاف فهم السلف يكون على أمور كلية وعامة.
- والوجه الثاني: أن دليل الإجماع على الأحكام هو دليل خاص، بخلاف دليل فهم السلف قد يقع بالاستقراء العام، أو بأدلة عامة منضافة بعضها إلى بعض. وقد يلتقيان في المسألة الواحدة؛ فيقع عليها الإجماع من جهة وهي داخلة في فهم السلف أيضاً، مثل: تحريم الخروج على الإمام المسلم؛ فهو حكم مجمع عليه ، وبوصفه أصلا عاما هي داخلة في مباحث منهج السلف.
- والوجه الثالث: أن الإجماع في الأحكام يقع في جميع العصور، بخلاف منهج السلف؛ فيكون في القرون الخيرية الأولى؛ لهذا إذا قلنا إجماع السلف: فيراد منه اتفاق السلف وإجماعهم في العصور الخيرية الأولى الثابت بالنقل العام والخاص؛ بخلاف قولنا: منهج السلف؛ فهو المنقول إلينا بالدليل العام أو الخاص.
فالإجماع لابد له من مستند نقلي خاص، ومنهج السلف لا يثبت إلا بالنقل العام أو الخاص المدرك بطريق الرواية، أو بطريق الاستقراء التام الصحيح؛ لذلك كلاهما يثبت بالنقل، ولكن الاختلاف في نوع الدليل وطريقة الاستدلال .
والإجماع يقع بالنقل عن العلماء في كل عصر أو بعدم وجود المخالف، وهو الإجماع الظني، بخلاف منهج السلف يثبت بنقل الآثار عن السلف؛ كما قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «إن مذهب السلف إن كان يعرف بالنقل عنهم؛ فليرجع في ذلك إلى الآثار المنقولة عنهم ..»( المجموع 4/ 151) .
تتبع آثار السلف
وقد يعرف منهج السلف بتتبع آثار السلف في مواضع شتى، لا من موضع واحد معين، وقد يقع التجوز في العبارة عند بعض العلماء؛ فيطلق لفظ إجماع السلف على منهج السلف، لكن أردنا أن نبين المعنى الدقيق المحترز.
وهنا أذكر فرقا رابعا بين الإجماع في الأحكام وبين النقل عن منهج السلف: وهو أن الأحكام المجمع عليها مقارنة بغيرها هي محددة ومشتهرة في غالب العصور؛ لأن غالبها في الأحكام العملية الفقهية التي يحتاج إلى العلم بها الكافة والخاصة، والخلاف فيها قليل، بخلاف مسائل منهج السلف؛ فهي وإن كانت قطعية النقل، لكن قد تظهر في عصر دون عصر بحسب ظهور العلم والسنة، وقد لا يشتهر العلم بها، كما تشتهر مسائل الإجماع في الأمور العملية؛ لهذا قد لا تظهر في بعض الأزمنة حتى يقيض الله -تعالى- من المجددين والمصلحين من يحييها ويظهرها بين الناس.
لاتوجد تعليقات