رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد آل رحيم 17 مارس، 2019 0 تعليق

السلفية بين الإقصاء والادّعاء (14) السلفية والعمل بفقه الترجيح دون فقه التوافق

نتواصل في الرد على الشبهات التي قيلت في حق السلفية في المؤتمر المذكور، وقد تحدثنا سابقًا عن فقه الترجيح، وتعريفه، وطرقه، واليوم نتحدث عن فقه التوافق، أو الوفاق كما يسميه بعضهم.  فقه التوافق (الوفاق) لغة: الوفاق: الموافقة، والتوافق: الاتفاق والتظاهر، والموافقه بين الشيئيين: كالالتحام، وأوفقت الإبل: أى استطفت واستوت معًا، وفقه: فهمه.

     أما التوافق (الوفاق) اصطلاحًا: فلم أجد له تعريفًا محددًا، وربما يكون المعنى اللغوي والاصطلاحي للوفاق معنى واحد، وهناك من استدل بقول الله -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (ال عمران: 103)، قائلاً: إن هذه الآية أصل في الإصلاح أصيل ومبدأ في فقه الوفاق متين، (فقه الوفاق  ص16).

الوفاق الفقهي أم الوفاق العام؟

     والحديث هنا عن الشبهة التي قيلت، والسؤال هل يقصدون فقه الوفاق بمعناه الفقهي أم بمعناه العام؟ والوفاق بالمعنى الأصولي أو الفقهي: هو إذا تعذرت أو انعدمت طرق الترجيح، وكان النصان في قوة واحدة؛ فإن المجتهد يلجأ إلي الجمع والتوفيق بين النصين المتعارضين؛ فيوفق بينهما بطريق من طرق الجمع والتوفيق، ويعمل بالنصين والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها ما يلي:

     قول الله -تعالى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}(البقرة:180)، وقول الله -تعالى-: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء: 11).

     أوجبت الآية الأولى الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، وأفادت الآية الثانية: أن الله -سبحانه- عين نصيب الوالدين، والأولاد، والأقربين، ولم يترك ذلك لمشيئة المورث؛ فالآيتان متعارضتان، ولكن يمكن التوفيق بينهما أن تحمل الآية الأولى على وجوب الوصية للوالدين والأقربين الذين لا يرثون لمانع، كاختلاف الدين، وتحمل الآية الثانية على الوارثين المذكورين.

طرق الجمع والتوفيق

     ومن طرق الجمع والتوفيق إذا كان أحد النصين عاماً والآخر خاصاً؛ فيكون تخصيص العام بالخاص؛ فيعمل الخاص فيما ورد فيه، ويعمل بالعام فيما وراء ذلك، أو كان أحدهما مطلقاً والآخر مقيداً، ويحمل المطلق على المقيد، أو يعمل بالمقيد في موضعه والمطلق فيما عداه ومن أراد المزيد؛ فليراجع المؤلفات في أصول الفقه، ومن طرق الجمع والتوفيق تأويل أحد النصين على نحو لا يعارض النص الآخر (الوجيز ص313).

الوفاق بالمعني العام

     والوفاق بالمعنى العام حثت عليه الأدلة من الكتاب والسنة، وحث عليه العلماء، ولكن ليس على إطلاقه، والأمثلة كثيرة، ربما ندلل فقط بالحديث حول آية آل عمران التي ذكرنا  {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (آل عمران: 103)، قال البغوي: وسمي الإيمان حبلا؛ لأنه سبب يتوصل به إلى زوال الخوف، قال ابن عباس: معناه تمسكوا بدين الله، وقال ابن مسعود: هو الجماعة  وقال: عليكم بالجماعة؛ فإنها حبل الله الذي أمر الله به وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير مما تحبون في الفرقة، وقال مجاهد وعطاء : بعهد الله، وقال قتادة والسدي: هو القرآن، وروي عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين  والشفاء النافع  وعصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه»، وقال مقاتل بن حيان: بحبل الله: أي بأمر الله وطاعته.

     قال القرطبي: قال ابن مسعود : عن ابن مسعود وغيره. ويجوز أن يكون معناه ولا تفرقوا متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخوانا، قال الطبري: قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعًا. يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم من الألفة، والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله.

إذاً الآية تبين أن الاعتصام والتوافق يكون على كتاب الله وبأمره وطاعته، والتمسك بالسنة ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم  وقول كلمة الحق،  والنهي عن اتباع الهوى والأغراض المختلفة.

سؤال في غاية الأهمية

     وهنا نتساءل سؤالا في غاية الأهمية، ما الأمور التي يريدون من السلفية أن توافقهم عليها؟ هل تتوافق معهم في العقيدة فتقبل كل ماجاء من الفرق والجماعات؟ هل تتوافق معهم في المذاهب الفقهية بعمومها دون تفصيل؟ هل تتوافق معهم على مسائل مختلف فيها؟ هل تتوافق معهم على مسائل اجتهادية؟

- والجواب: فإذا كان المطلوب التوافق في العقيدة؛ فينبغي على كل جماعة أن تتبع السلفية؛ لأنها منبع التوحيد الصافي بأقسام التوحيد الثلاثة: الربوبية، والألوهية، وأسماء الله وصفاته، وإن كان المطلوب التوافق في المذاهب الفقهية؛ فهذا غير وارد، ولوكان موجودًا لما كان عند أهل السنة والجماعة أربعة مذاهب، فضلا عن المذهب الظاهري، وإن كان المطلوب التوافق في المسائل المختلف فيها؛ فلو كان التوافق متاحاً لما وُجد الخلاف فيها، وإذا كان المطلوب التوافق فى المسائل الاجتهادية؛ فالقاعدة تقول: لا إنكار في المسائل الاجتهادية، والكل مصيب؛ فمن اجتهد وأخطأ؛ فله أجر، ومن أصاب؛ فله أجران؛ فلماذا إذاً هذه الفرية المصطنعة التي ما قيلت إلا لسبب وحيد (من وجهة نظري)، وهو تذويب السلفية وسلخها من أصولها التي تتميز بها عن غيرها في كل فروع الدين من عقيدة وفقه وأصول وغير ذلك؟ حتى لا تتميز بالمنهج الصافي عن غيرها، وبالتالي تنعدم  الفوارق بينها وبين غيرها، وهذا مخالف للشرع وللواقع، والأدلة كثيرة ومن أعظمها حديث الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، وافتراق الأمة،  وغيرها.

فالسلفية هي من تبحث عن التوافق، ولكن التوافق على عقيدة صحيحة ومنهج قويم بأصول أهل السنة والجماعة، وبعيداً عن الأهواء والانتصار للنفس وللهوي، وللمناهج الخربة، والعودة للأصل الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة الصالح.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك