رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. خالد آل رحيم 21 نوفمبر، 2018 0 تعليق

السلفية بين الإقصاء والادعاء (7) السلفية وفقه المآلات- نقد وتحليل لمؤتمر السلفية تحولاتها ومستقبلها

 

 

نواصل الحديث عن مؤتمر السلفية -تحولاتها ومستقبلها-، وكان مما ذُكر فى المؤتمر أن السلفية تهمل فقه المآلات؛ مما يؤدي إلى إهمال النظر الكلي للشريعة، وأكاد أجزم أنه ليس هناك دعوة من الدعوات اهتمت بفقه المآلات قديماً وحديثاً مثلما اهتمت الدعوة السلفية، وكاتب هذه الكلمات له رسالة كاملة بعنوان: (فقه المآلات وأهميته في الواقع المعاصر)؛ ولذلك سنعرج سريعاً على هذه الفرية التي ألصقوها بالدعوة السلفية وهي منها براء.

معنى فقه المآلات

فقه المآلات لغة: المآلات جمع، مفرده (مآل) وأصل المآل في اللغة فعل أو منقول، وآل الشيء يؤول أولاً، ومآلا بمعنى رجع وأول إليه الشيء رجعه، وآلت عن الشيء ارتددت. (لسان العرب ص 273 ج1).

ويطلق المآل في اللغة كذلك على معان عدة منها ما يأتي:

المعنى الأول: الرجوع والمصير والعاقبة:

      يقال: آل الشيء يؤول أولاً ومآلا بمعني رجع وعاد وآل الشيء إلى كذا بمعنى صار إليه،(لسان العرب ص273 ج1). والموئل المرجع ومنه قوله -تعالى-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} سورة النساء 59، أي مرجعاً ترجعون إليه.

المعنى الثاني: الإصلاح والسياسة:

يقال: آل الرجل رعيته يؤولها إيالة إذا أحسن سياستها ويقال: فلان حسن الإيالة أي: السياسة ومنه قول العرب: آلنا وإيل علينا أي: سسنا وساسنا غيرنا (اعتبارات مآلات الأفعال ص 29).

المعني الثالث: الأهل:

      يقال: آل الرجل والمراد بذلك أهل بيته، وسموا بذلك لأنه إليه مآلهم وإليهم مآله، ومنه آل النبي -[- أي أهل بيته، ومنه قول النبي -[-: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (أخرجه البخاري برقم (3370) كتاب أحاديث الأنبياء ج6)، وقوله: «اللهم صل على آل أبي أوفي» أي أهله (أخرجه البخاري برقم (1497) كتاب الزكاة ج3).  وقال الشنقيطي -رحمه الله-: في تفسير قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} سورة آل عمران 7.

    يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسيروإدراك المعنى، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التى يؤول إليها (أضواء البيان ص 208 ج1). وقال: لأن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التى يؤول إليها كقوله -تعالى-: {هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ} سورة يوسف 100. ومما يدل على أن التأويل هو الحقيقة التى يؤول إليها الكلام قول يوسف -عليه السلام- فجعل سجود أبويه له وسجود إخوانه الأحد عشر له هو تأويل رؤياه التي رآها قبل ذلك وهو صغير (المعاني الحسان في تفسير القرآن ص414ج1).

وقال رشيد رضا -رحمه الله-: فالإنباء بالتأويل إنباء بأمور عملية ستقع في المآل؛ فتبين من هذه الآيات أن لفظ التأويل لم يرد في القرآن إلا بمعني الأمر العملي الذي يقع فى المآل(تفسير المنار ص152 ج3).

المعني الإصطلاحي:-

 وحيث إنه لا يوجد فى كتب التعريفات بالمصطلحات تعريف محدد للمآل اجتهد كثير من العلماء في ذكر بعض تعريفات للمآل سنعرج عليها:

التعريف الأول:

(1) أن اعتبار المآل النظر فيما يمكن أن تؤول إليه الأفعال والتصرفات والتكاليف موضوع الاجتهاد والإفتاء والتوصية وإدخال ذلك فى الحسبان (فقه المآلات ص38 ).

التعريف الثاني:

(2) إن اعتبار المآل وملاحظته والنظر فيه والاعتداد به في تكييف الفعل وفي تقرير ما يتعلق به من الأحكام الشرعية (فقه المآلات ص38).

التعريف الثالث:

(3) المآل هو التحقق والتثبت مما يسفر عنه تنزيل الحكم الشرعي على الأفعال من نتائج مصلحية أو ضرورية تسهم في تكييف الحكم المراد سياسة الواقع به (مبدأ اعتبار المآل الفقهي ص 38).

     يقول الدكتور وليد بن علي الحسين: إنه من خلال المعني اللغوي للمآل يمكن تعريف المآل اصطلاحاً بأنه: الأثر المترتب على الشيء وعلى هذا يكون معنى المآلات: الآثار المترتبة على الشيء؛ فمثلاً مآل فعل العبادات هو الأثر المترتب عليها من رضا الرحمن ودخول الجنان، ومآل المعاصي هو ما يترتب عليها من سخط الجبار واستحقاق دخول النار؛ فكل ما يترتب على الشيء من أثر أو نتيجة أو عاقبة يؤول إليها ذلك الشيء فهو مآله، والمآل مقابل للحال فنقول مثلاً: سأحصل على هذا الشيء في الحال أو في المآل (اعتبارات مآلات الأفعال ص30).

     والخلاصة: أن فقه المآلات هو الفقه الذي ينظر إلى مآل الحكم الشرعي عند تنزيله في الواقع، ويأخذه بعين الاعتبار؛ فإن الحكم سيؤدي إلى مقصده أمضاه، وإن كان لا يؤدي إلى مقصده عدله أو غيره بحسب طبيعة المآل؛ فهو يستلزم توقع ما سيؤدي إليه الحكم الشرعي عند تطبيقه؛ لذلك اختار له بعض المعاصرين اسم فقه التوقع، والصحيح أن التوقع مرحلة من مراحل فقه المآل؛ لأننا بعد أن نستشرف المستقبل ونتوقع ما ستؤول إليه الأمور يجب أن ننتقل إلى المرحلة الثانية التى هي أخذ ذلك التوقع بعين الاعتبار قي صياغة المطلوب شرعا.

(فقه المآلات مفهومه وقواعده ص15 )

قال الشاطبي -رحمه الله-: إن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة على المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل.

وقال: وهومجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة (الموافقات ص 518 ج 3-4).

علماء السلفية وفقه المآلات

     اشتهرت مراعاة المآلات عن الإمامين مالك ابن أنس وأحمد بن حنبل؛ فكانا يمنعان الفعل إذا كان يؤدي إلى حرام، ويقرران مشروعيته إذا كان يؤدي إلى مصلحة أو يدرأ مفسدة، قال الشيخ أبو زهرة -رحمه الله-: وترى أحمد ومثله في ذلك مالك كان عند الحكم ينظر إلى المآلات فيقررها، ويمنع كل ما يؤدي في مآله إلى محرم، ويقرر كل ما يؤدي إلى مطلوب، وينظر في ذلك نظراً كلياً وجزئياً وكان المنع بالنسبة للمآلات منظوراً فيه إلى النتيجة المترتبة، سواء أكانت مقصودة أم غير مقصودة أما الإثم الأخروي فإنه ينظر فيه إلى الباعث، وقد قرر أنه إذا كان الباعث الخير والنتيجة كانت شراً غالباً أو مؤكدا منع الفعل مع نية الخير اعتبارا بالمآل والنتيجة قياساً على قوله -تعالى-: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام 108، (ابن حنبل حياته وعصره آراؤه وفقهه ص 251 )، كان الإمام مالك -رحمه الله- كذلك ومثالاً أنه رحمه الله كان ينهى عن زيارة بعض المساجد والمقابر على الرغم من الترغيب العام للشرع فيها كما كان يكره اتباع الآثار.

     قال ابن وضاح: وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما عدا قباء وحده، وقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء ويكره مجيء قباء خوفا من ذلك. وسئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوها في المدينة فقال: أثبت مافي ذلك عندنا قباء، إلا أن مالكاً كان يكره مجيئها خوفاً من أن يتخذ سنة. وهنا أيضا يكره مالك طاعات مستحبة إذا كانت ستؤدي إلى مآل غير شرعي، (فقه المآلات مفهومه وقواعده ص41).

النظر فى مآلات الأفعال

     وكذلك الإمام الشاطبي الإمام الفقيه أبو إسحق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشاطبي، واختلف العلماء فى ولادته ما بين عام 720-730 هجرى، وكانت وفاته فى شعبان 790 هجري وقد أفرد فى كتابه (الموافقات) مسألة كاملة وهى المسألة العاشرة بعنوان (النظر فى مآلات الأفعال)؛ حيث قال: إن النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أم مخالفة؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة على المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ فقد يكون مشروعاً لمصلحة فيه تُستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو لمصلحة تندفع به لكن له مآل على خلاف ذلك؛ فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أوتزيد فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول الثاني بعدم المشروعية ربما أدى إلى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أوتزيد؛ فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهومجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغب جار على مقاصد الشريعة (الموافقات ص518 ج 3-4)، وكذلك من علماء السلف الذين تحدثوا عن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وسلطان العلماء العز بن عبد السلام والقائمة تطول، وهذا أبلغ رد على اهتمام السلفية وعلمائها بفقه المآلات.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك