السـوريون.. المـوت بـردا وجوعـا!
قرابة الشهر والصقيع يلف منطقتنا العربية، يجمد الدماء في عروق الذين أخرجوا من ديارهم ، تحت صوت القصف وزمجرة المدافع المدوية، دون مأوى ليستقر بهم المقام في الصحارى والجبال، يعانون قسوة الحر وشدة البرد، يغزو عظامهم الزمهرير الذي لا يفرق بين شيخ أو رضيع، ولا رجل أو امرأة.
حين يلفك الدفء وأنت في فراشك الشتوي المنتقى بعناية، أو تجد أطفالك يلهون حول المدفأة، وأسنانهم تصطك في نشوة المنتصر على البرد، وليس اصطكاك الخوف والجزع، ينفذ إلى قلبك سهم بارد جدا، يلقيك شعوريا بين إخوانك وأبنائهم ونسائهم الذين لفظتهم المدن المشغولة بالحروب والموت والدماء ولا مكان لحياة فيها.
وحين تقلب النظر تجد أن أكثر هذه المدن وحشية وتكشيرا عن أنيابها في وجوه أبنائها ومحبيها، هي دمشق حاضرة الأمويين، وعاصمة الحضارة في العالم، بلاد قدوة الحكام عمر بن العزيز؛ حيث الأمن والرحمة والشمس والدفء!
واليوم تقول مفوضية الأمم المتحدة: إن سورية، هي البلد الأول في العالم من حيث فرار سكانه منه، وأن اللاجئين السوريين هم الأعلى على مستوى العالم، فهم يمثلون أكثر من ربع اللاجئين عالميا، ويعانون ظروفا إنسانية بائسة!
وقد رفضت مفوضية الأمم المتحدة نقل آلاف اللاجئين السوريين بسبب عددهم الكبير، وقالت المفوضية: «هذا العدد الكبير من الأشخاص يضع الدول المضيفة تحت ضغط، وعندما توجد مثل هذه المشكلات المتعلقة بالتمويل، فإن نقل الأشخاص سيؤدي إلى سلسلة جديدة من المشكلات».
إذاً ليس أمامهم غير مصارعة الموت بردا وجوعا!. هؤلاء السوريون الذين طالما أطعموا العالم خيراتهم عبر العصور، وألبسوه حللهم الراقية، وبنوا من البيوت الجميلة الدافئة ما تعجز العمارة الحديثة عن إنجازه. لا يجدون الطعام ولا الكساء ولا المأوى، وعادوا كالإنسان الأول يصارع البرد، ولا يجد ما يصد الموت عن أطفاله الذين يموتون بردا وجوعا!
إن ما يحدث لأهل سورية هو تمحيص لما في القلوب، وندعو لهم بالثبات، وأن يحيطهم الله -تعالى- برعايته ومعيته، أما الذين تخاذلوا أو خذلوهم بأي قدر فحسابهم على الله -تعالى- الذي يرانا ويسمعنا. وعلى كل مسلم نصرتهم ولو بالدعاء، فالله -سبحانه- قادر على تبديل الأحوال، ولا تصرفنا شدة المحنة عن الدعاء لإخواننا والاهتمام بشأنهم، فعَنْ ابنِ عُمرَ ]ُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ[ قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يَسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمَاً سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق على صحته.
نسأل الله -تعالى- أن يثبت أهل سورية، وأن يجعلهم طليعة انتصار الحق؛ لتعود شمس الإسلام التي تنشر الدفء والأمن والرخاء على العالم.
لاتوجد تعليقات