رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: أحمد بن حسن المعلم 2 مايو، 2017 0 تعليق

الربانيون والتجديد الديني (3) صفات المجددين

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ فهذا بحث مختصر كتبته لما وجدت الحاجة الماسة لتحقيق المراد بالتجديد في الإسلام؛ حيث كثر القول في ذلك، وأضيف إلى التجديد ما هو من قبيل الابتداع أو الانحراف الكبير عن الدين، وكذلك الحال بالنسبة للمجدد وصفاته وشروطه وهل هو واحد أم أكثر في كل قرن؟ ومعرفة الحق من بين الدعاوى الكثيرة بالتجديد للنفس أو للغير، وما بين الفرق والمذاهب والجماعات، واليوم نكمل ما بدأناه بالحديث عن صفات المجددين.

لا توجد نصوص صريحة تنص على صفات المجددين، ولكن يمكن معرفة الصفات المشار إليها بالنظر في كلام أهل العلم في صفة المجدد، وكذا بالنظر في صفات من وصف بالتجديد على مدار التاريخ.‏

فمما قالوا عن المجدد:

‏1-قال المناوي: ‏(يجدد لها دينها) أي يبين السنة من البدعة، ويكثر العلم، وينصر أهله، ويكسر أهل البدعة ويذلهم، قالوا ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة. اهـ

وقال شارحا حديث التجديد: «أي مجتهدا واحدا أو متعددا قائما بالحجة ناصرا للسنة له ملكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق النظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته واقتضاءاته من قلب حاضر وفؤاد يقظان».اهـ

‏2-‏قال العلقمي: ‏ يجدد ما اندرس من أحكام الشريعة، وما ذهب من معالم السنن، وخفي من العلوم الظاهرة والباطنة.اهـ

‏3-‏قال ابن الأثير: ‏‏ لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة: رجلا مشهورا معروفا، مشارا إليه في كل فن من هذه الفنون، فإذا حمل تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى، وأبعد من التهمة، وأشبه بالحكمة.. اهـ

‏4-‏قال شمس الحق العظيم آبادي: ‏ فظهر أن المجدد لا يكون إلا من كان عالما بالعلوم الدينية ومع ذلك من كان عزمه وهمته آناء الليل والنهار: إحياء السنن ونشرها، ونصر صاحبها وإماتة البدع ومحدثات الأمور ومحوها وكسر أهلها باللسان، أو تصنيف الكتب أو التدريس أو غير ذلك، ومن لا يكون كذلك لا يكون مجددا البتة وإن كان عالما بالعلوم مشهورا بين الناس مرجعا لهم.اهـ

ومما تقدم وغيره يمكن إجمال القول في صفات المجدد بما يلي: ‏

‏1-‏عالم بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة.‏

‏2-‏ناصر للعلم وأهله.‏

‏3-‏خاذل للبدعة وأهلها.‏

‏4-‏له ملكات الرد على المخالفين للحق.‏

‏5-‏حاضر القلب يقظ الفؤاد.‏

‏6-‏مشهور معروف، النفع به عام في أمور الدين.‏

‏7-‏متمكن من إظهار قوانين الشرع وإقامتها بنفسه أو بمن يعينه من حكام عصره.‏

‏8-‏مجتهد قوي الاستنباط دقيق النظر.‏

حقيقة التجديد

التجديد هو إحياء لمنظومة الشريعة التي أنزلها الله عز وجل، ووجدت من قبل، وعمل بها الناس زمنا، ثم نسيت علما أو عملا أو هما معا.‏

ومن خلال المعنى اللغوي للتجديد، وكذا أقوال العلماء في توصيفه يمكن القول: إن التجديد يقدح في الذهن صورة يجتمع فيها ثلاثة معانٍ وهي:

أ- أن الشرع المجدد قد كان في أول الأمر موجودًا وقائمًا، وللناس به عهد علما وعملا،‏ وهذا الذي نعبر عنه بـ(الأصالة).‏

ب- أن هذا الشرع مر عليه زمن طويل فأصابه النسيان والتفريط، وهذا الذي نعبر عنه بـ (الفترة).‏

جـ- أن ذلك الشرع يعاد إلى حالته الأولى التي كان عليها، وهذا الذي نعبر عنه بـ (التجديد) أو إن شئت فقل: (تنشيط الأصالة).‏ فالتجديد في حقيقته إظهار للأصالة ونفض غبار الجهل والتقصير عنها، وهذه المعاني الثلاثة هي التي تميز التجديد الوارد في الحديث. وكذا يصدقه تاريخ المجددين على مدار الزمان فالتجديد: ‏

‏1-‏إحياء وإصلاح لعلاقة المسلمين بدين ربهم تبارك وتعالى، وتمسك بأصوله واهتداء بهديه؛ لتحقيق العبودية الحقة والاستسلام الكامل لله عز وجل.‏

‏2-‏لا يعني إطلاقا تبديل في الدين، أو بحث خارج نطاقه عن حلول لمشكلات الأمة، أوعن سبل للترفيه والرفاهية .

‏3-‏إظهار لقدرات المجدد القيادية والتوجيهية للعودة بالأمة لسابق عهدها ونبذ الانحرافات الطارئة التي أصابتها لطول زمان الجهل والتفريط.‏

فهذه ثلاثة إطارات لا بد منها، يدور فيها ويتحقق بها التجديد الديني المشروع المشار إليه في الحديث المشهور.‏ مجدد قدير يعيد الأمة لشرع ربها، وينفي عنها كل انحراف عنه.‏ وللتجديد تقسيم يفرضه واقع الحال: ‏

‏1-‏تجديد علمي.‏

‏2-‏تجديد عملي.‏

التجديد العلمي‏

وهو إزالة للغبار العالق بالعلوم على مدار السنين، وللتجديد العلمي مجالات متعددة بحسب تعدد العلوم، ومنها: التجديد في علم الحديث مثلًا، وهو إظهار ما قد يخفى من حديث رسول الله [ أو تخفى صحته أو ضعفه، وقد قام به على مدار التاريخ جملة من الأئمة المتمكنين اصطفاهم الله -عز وجل- لهذه المهمة.‏

التجديد العملي

وهو إعادة الأمة إلى ما كانت عليه من العمل الصالح الذي لا تشوبه البدع والغلو من جهة ولا التقصير والتفريط من جهة أخرى، ويشمل كافة جوانب العبادات والمعاملات، ومن ذلك: ‏

     التجديد في مجال التوحيد: ‏ ويكون بتحقيق التوحيد ونبذ الشرك؛ فقد خلق الله -عز وجل- عباده على فطرة التوحيد فحرفتهم الشياطين عنها، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم  عن رب العزة -تبارك وتعالى- في الحديث القدسي: «... وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا...»‏.

فكانت مهمة الأنبياء إعادة البشرية لعبادة الله وحده، كما قال الله -عز وجل-: {‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ..}.‏

     وكانت هي نفسها مهمة الصحابة -رضي الله عنهم- كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  وفد عبد القيس حين قدموا عليه صلى الله عليه وسلم  فقالوا: يا نبي الله إنا حي من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به.. فكان مما أمرهم: {.. اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا}‏.‏

وهكذا كافة المجالات العملية يدخلها التجديد، وتفتقر إليه في زمن الفترة عن العمل والتقاعس عنه، ومن أمثلة ذلك: ‏

التجديد في مجالات الجهاد والمعاملات المالية والأنكحة والقضاء والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.‏

دعاوى التجديد

     وقد ادعى أقوام من أهل العلم وغيرهم لأنفسهم التجديد، والدعاوى لا تعدو كونها كذلك حتى تقام عليها البينات، فمن هؤلاء وممن زعم الاجتهاد لنفسه: الدكتور حسن عبد الله الترابي، الحاصل على الماجستير من لندن، والدكتوراه من باريس ‏، وقد ظهر جليا في كتبه وادعاءاته تأثره بالدراسة في تلك الجامعات النصرانية العلمانية، وهو مثل جلي للانحراف عن المنهج الشرعي للتجديد، فمما تبناه من آراء تنافي ثوابت الشرع: ‏

‏1- قوله بعدم اكتمال الدين وأخذه لشكله النهائي في أي عصر من العصور حتى عصر الرسول صلى الله عليه وسلم .‏ ولعله بهذا يمهد الخروج عن أطر الشريعة باسم الشريعة والتجديد.‏

‏2- قوله بتبدل معايير الحق؛ فما كان حقاً قبل ألف سنة قد يكون باطلاً الآن والعكس.‏

‏3- دعوته إلى علم جديد غير معهود عن السلف الصالح.‏

‏4- دعوته للتجديد في فقه العقيدة.‏

‏5- قوله بتجاوز حركته الحدود المألوفة للإسلام.‏

وهكذا يتبين تأثر الترابي بالمعنى الغربي للتجديد، وأن النظرة الغربية طاغية عليه، وهذا من خطورة التعلم في بلاد الكفار دون حصانة شرعية كافية.‏

وممن ادعى التجديد كل من ادعى أنه المهدي المنتظر كابن تومرت، والمهدي السوداني، ومحمد بن عبد الله القحطاني وغيرهم كثير.‏

وهكذا يظهر أنه ليس كل من ادعى التجديد يقبل قوله، بل ينظر في حاله؛ فإن كان ممن ذاع نشره للدين الصحيح على منهاج النبوة ورد الناس إليه فهو مجدد وإلا فلا.‏

خلاصة القول

في نهاية هذا البحث نؤكد على أن: التجديد هو إحياء لما اندرس من الشريعة، وليس الإتيان بجديد محدث لم يكن على عهد النبي [ وأصحابه الكرام رضي الله عليهم أجمعين.‏ هذا وقد تعلق بحديث التجديد جملة من المسلمات والمعاني المهمة التي تستحق مزيداً من العناية والبحث لمن ينشط لها: ‏

- زمن التجديد ودلالة تحديد هذا الزمن برأس كل مائة سنة، وأنه لاستمرارية عملية التجديد وتقارب زمنه.‏

- ‏يعد التجديد مفهومًا مناقضاً لمفهوم التقليد الذي هو محاكاة‏ الآخر مهما كان بعده عن حقائق الشرع وموافقة الأدلة، والتقليد في حقيقته: تغييب للعقل وانفصال بينه وبين الوحي‏ ‏.‏

- ‏مفهوم التجديد لدى الغرب منفصل تماما عن المفهوم الإسلامي له، وأصل التجديد عندهم ناتج عن صراع بين كهان الكنيسة من جانب ورجال العلوم البحتة والعقليات من جانب آخر؛ مما دفعهم لرفض كل سلطات الكنيسة تحت مسمى التجديد.‏

- ‏مفهوم التجديد الإسلامي: يعني العودة إلى الأصول الشرعية‏ وإحياءها في حياة المسلمين وتقويم اعوجاج الناس وانحرافهم عنها.‏

- ‏من مفهوم التجديد أيضا: مواجهة النوازل والوقائع المتجددة، من خلال فهمها وإعادة قراءتها على ضوء النصوص الشرعية إن وجدت، وإلا فباجتهاد منضبط بأصول منضبطة نابعة من هذه النصوص لا خارجة عنها.‏

- ‏المجدِّد: هو القائم بعملية التجديد فردا كان أم جماعة.‏

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك