الدعوة الفردية .. فريضة منسية(1)
أرسل الله -تعالى- نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأمره بالبلاغ والبيان، وإيصال الدعوة إلى كل من يمكنه إيصالها إليه؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر حق القيام، ولم يدع صلى الله عليه وسلم سبيلاً يمكن من خلاله أن يدعو إلى الله إلا سلكه، ولا طريقاً إلا ولجه؛ فأرشد الدعاة بعده إلى استعمال كل وسيلة تيسرت أسبابها وكانت مشروعة؛ فكان صلى الله عليه وسلم في بداية الدعوة يتلمس أصحاب العقول الوافرة، والأنفس الزاكية، والأخلاق الحميدة فيعرض عليهم دعوته، ويشرح لهم أصولها، ويدعوهم للإيمان بالله؛ فاستجاب له بعض الذين كانوا نواة أمة الإسلام: كأبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب والسيدة خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها.
وهذا النوع من الدعوة وهذا الأسلوب أطلق عليه العلماء اسم الدعوة الفردية، وعرفوها على أنها التوجُّه بالدعوة إلى فرد، أو مجتمع قليلٍ، لهم صفة الخصوص دون العموم، ويكون ذلك على انفراد، وبأسلوب ملائم لهم؛ فهي دعوة خاصة وليست عامة، وهي على انفراد، وليست على المَلأ، وهذا الذي اتَّبعه النبي صلى الله عليه وسلم في مهْد دعوته، فكان غالب دعوته صلى الله عليه وسلم في مكة بهذا الأسلوب وهذه الطريقة، كما حدث مع الطفيل الدوسي، وأبي ذر الغفاري، وغيرهما، ولم ينقطع هذا الأسلوب في الدعوة بالهجرة، ولكنه بقي طريقًا من طرق الدعوة إليه -سبحانه- لا ينقطع أبدًا.
ولا شك أن هذا الأسلوب في الدعوة - ألا وهو الدعوة الفردية- موضوع جدير بالاهتمام؛ لأسباب عدة أهمها: أنها هدي نبوي أوشك أن يُنسى في أرض الواقع، وأصبح شيئًا نظريًا يُذكر للعلم فقط، كذلك تستمد هذه الدعوة أهميتها من أهمية الدعوة إلى الله؛ فالدعوة إلى الله -تعالى- على بصيرة واجبة على المسلمين كافة؛ قال - تعالى-: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(آل عمران: 104)، ويقول -سبحانه-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}النحل: 125}؛ فكل واحد من هذه الأمة يجب عليه أن يقوم بالدعوة على قدر استطاعته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». (رواه مسلم).
وتمتاز الدعوة الفردية بميزات عدة عن الدعوة الجماعية منها: سهولة القيام بها في أي زمان وفي أي مكان ومع أي أحد؛ فهذا نبي الله يوسف -عليه السلام- يضرب لنا المثل الرائع في هذا الشأن لما دعا صاحبيه في السجن.
ومن ميزاتها أنها توثق الصلة أكثر بين الداعي والمدعو؛ حيث يحدث نوع من التعايش الكامل بينهما؛ مما يُكسب الداعية خبرة ومعرفة بأحوال الناس، وأيضًا تكسر الحاجز الوهمي الذي يضعه بعض الداعين وبين الآخرين، كذلك فإن الدعوة الفردية تدفع صاحبها لتطبيق ما تعلمه من مفاهيم وقيم إيمانية مثل: الصبر والحلم والإيثار وغيرها من الأخلاق، كذلك فإن الدعوة الفردية سهلة ميسرة، يقوم بها كل الناس، ولا تحتاج إلى المجهود الذهني، وترتيب الفكرة، والتحضير المسبق، كل ما تحتاجه هو الرغبة الصادقة وحسن الخلق والقدرة على احتواء الآخرين.
ومن أهم الميزات التي تمتاز بها الدعوة الفردية قدرتها على التعامل مع أصناف المدعوين المختلفة؛ فالمدعوون منهم: الغافل اللاهي، ومنهم من هو أفضل حالاً، وإن كان عليه بعض التقصير، ومنهم من هو ملتزم ولكن التزامه أجوف، وغير ذلك من الأًصناف، ولكل واحد من هؤلاء طريقة لا تصلح مع الآخر؛ لذلك فالداعي الذي يقوم بالدعوة الفردية يستطيع أن يكيف دعوته بالطريقة التي تناسب الشخص الذي يتعامل معه.
وللدعوة الفردية خطوات ومراحل لابد أن تمر بها، والانتقال من مرحلة لمرحلة ترجع إلى تقييم الداعي نفسه وتقييمه لمن يدعوه، يقول الدكتور عطية عدلان في مقال له عن تلك المراحل: يظن بعضهم أن الدعوة الفردية مع شخص معيَّنٍ سهلةٌ، ولا تستغرق زمنًا طويلاً، ولا يَلزمها جُهدٌ كبير، وهذا تصوُّرٌ سطحي، نعم قد يحدث هذا، بل حدث كثيرًا، ولكن ليست قاعدة مُطَّرِدة، ولا أصلاً ثابتًا، بل إن الأصل - ولاسيمًا في هذا الزمان - أن الدعوة الفردية يَلزمها وقت طويل، وجُهد كبير، ولابدَّ من مراحلَ يَسلكها الداعية مع مَن يدعوه، وهذه المراحل متدرِّجة ومرتَّبة، كل مرحلة منها لها خصائصها وما يُميِّزها، والأفضل أن تسلك هذه المراحل، أما الزمن الذي يُستغرَق في كل مرحلة، فليس بمُنضبط؛ وإنما يخضع للظروف والقدرات والمؤهلات. وللحديث بقية إن شاء الله
لاتوجد تعليقات