رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 13 نوفمبر، 2018 0 تعليق

الدعوة الإسلامية في أفريقيا وتحدياتها المعاصرة (3)

التحديات كثيرة جدا إلا أن بعضها يمثل العائق الأكبر والتحدي الأخطر؛ ولذلك كان من المحتم التعرف على هذه التحديات من خلال البحث العلمي والدراسات الميدانية، على أن تكون تلك الدراسات ذات صبغة منهجية علمية؛ بحيث تصل إلى حلول ومعالجات كفيلة بإزالة تلك التحديات. وقد تحدثنا في مقال سابق عن التحديات الداخلية، وذكرنا منها الحروب الأهلية والفقر والجهل، واليوم نتكلم عن التحديات الخارجية.

 

التنصير

     لقد دخل المنصرون ربوع إفريقيا منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي في أعقاب الكشوفات الجغرافية البرتغالية، وتلا ذلك إرساليات التنصير في إفريقيا الغربية،  ومنذ عام 1878 م اتجهت الإرساليات التنصيرية إلى إفريقيا الوسطى وانتشرت بعد ذلك في دول المغرب العربي مرافقة للبعثات الطبية والتعليمية والثقافية، وزاد من تضاعف عملية التنصير حماية الاحتلال الصليبي له؛ حيث استمدت حركة التنصير قوتها من قوى الاحتلال الغازي، ووصل النشاط التنصيري فيما بعد إلى مستوى التنويع في الوسائل كتقديم الخدمات الصحية والتعليمية، والمعونات الغذائية والمالية والمشاريع الاقتصادية.

     ولم يقف الأمر عند ذلك بل تطور العمل التنصيري في إفريقيا؛ إذ تؤدي (المنظمات الإذاعية المسيحية) الموجهة إلى العالم الإسلامي -بما في ذلك إفريقيا- جهداً كبيراً في مجال الإعلام التنصيري الفعال، ومن أبرز هذه المنظمات في مجال الإعلام الإذاعي المسموع:

- الرابطة الدولية الكاثوليكية للراديو والتلفاز.

- الرابطة العالمية للإذاعة المسيحية.

- الرابطة الدولية للإذاعيين المسيحيين.

- المنظمة الدولية للإعلام المسيحي.

- راديو الفاتيكان، الذي يبث بثلاثين لغة، من بينها اللغة العربية بصفة خاصة، و(يوجو بثو) إلى الشرق الأوسط، وقارة إفريقيا.

- إذاعة صوت الإنجيل التي تبث برامجها من أديس أبابا، ويوجد لها استوديوهات في نيجيريا، وتنزانيا، والكاميرون، ومدغشقر، وغيرها، وتستهدف المسلمين الأفارقة.

- إذاعة Eternal Love Winning Africa أي: «بالحب الأبدي نكسب إفريقيا» وهي من أشهر الإذاعات التنصيرية الموجهة إلى إفريقيا.

     أما القنوات الفضائية التنصيرية فلا سبيل إلى حصرها، وأكبر دليل على كثرة هذه القنوات أنه بالبحث عن عبارة(قنوات تنصيرية) بواسطة محرك البحث العالمي Google تبلغ النتيجة (000 640 1) مرة. وكثر دوران أي لفظ على ذلك المحرك دليل على تجذره، وقوة تمكنه في عالم الواقع.

     وتستهدف هذه القنوات تنشيط التعاون بين المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية التنصيرية في مختلف المجالات وتوسيع نطاق عملها، وتفعيل جهودها الرامية إلى نشر الديانة النصرانية عن طريق الدعاية الدينية، وتنشيط إعداد الدراسات وإجراء الأبحاث التي تحقق أهدافها، مستخدمة مراسليها للكشف عن أحوال المسلمين.

يضاف إلى ذلك استخدام الشبكة العالمية للمعلومات المعروفة بالإنترنت بمختلف خدماتها.

محاربة الإسلام تحت شعار مكافحة (الإرهاب)

     إن تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان لها آثارها الضارة على الدعوة إلى الإسلام في أرجاء الأرض وفي إفريقيا؛ إذ أصبح القائمون على الدعوة، والمؤسسات الدعوية محطة لإلصاق التهم بالإرهاب والتطرف والخطر على البشرية؛ حيث عمد الإعلام الدعائي الصهيوني، والغربي الأمريكي والأوروبي إلى استعداء العالم ضد الهيئات والمؤسسات والجمعيات الطوعية الخيرية الدعوية أو الرسمية، وتعمدت إثارة الكراهية والحقد على مستوى الرأي العام العالمي ضد الإسلام والعمل الدعوي ومؤسساته الشعبية والرسمية من خلال التضليل والخداع والدعاية الكاذبة وتزييف الحقائق، على مبدأ من لم يكن معنا فهو إرهابي تجب محاربته، من ذلك كله تم تشكيل صورة ذهنية حاقدة على الإسلام ودعاته لدى الرأي العام الدولي ليضعوا بذلك حاجزاً بين البشرية وهدي الإسلام الحنيف. {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)} (التوبة).

القصور في إنشاء مراكز بحث خاصة بالقارة

      إن لدى بعض المناصرين للدعوة من خارج القارة، ولاسيما من إخواننا العرب، قصور لافت للنظر في مجال دراسة نفسيات الأفارقة، وعاداتهم، وتقاليدهم، ومراعاة خصوصيات الشعوب والمجتمعات الإفريقية، وما هنالك من خطوط حمراء يؤثر تجاوزها سلباً على الدعوة، في حين نجد أهل التنصير يقومون بتقديم دراسات ميدانية معمقة عن كل المجتمعات الإسلامية –ومن بينها الإفريقية- وهذه الدراسات هي عمدتهم فيما يقومون به من عمل دعائي لعقائدهم.

الوقفة الخامسة: الحلول  والمعالجات الكفيلة بالحد من هذه التحديات

1. العمل من جديد على إحياء الجمعيات الخيرية والاجتماعية والتعليمية والإرشادية والصحية التنموية العاملة في مجال تشييد المساجد والمدارس والمستوصفات، وحفر الآبار وبناء المراكز الدعوية، والقيام بأعمال الإغاثة وكفالة الأيتام والدعاة والطلاب، ورعاية المشردين والعجزة والأرامل ورعاية الأمومة والطفولة، والنشر والإعلام الدعوي الهادف والتأهيل والتدريب، ورعاية المهتدين الجدد بهدف تثبيتهم، وكل البرنامج التي تستهدف محاربة الفقر والجهل والمرض.

2. العمل على توضيح المفاهيم الإسلامية الصحيحة، في العقيدة والعبادة والسلوك، وإبراز عظمة الإسلام وإنسانيته ووسطيته وتسامحه وتعايشه السلمي إلى جانب الكشف عن الأخطاء الشائعة حول الدين الإسلامي وما ينسب إليه زور اً وبهتاناً.

3. العمل على إيجاد مصادر تمويل موطَّنة وثابتة لضمان استمرارية العمل الدعوي بالقارة الإفريقية، ومن تلك المصادر الزكاة والأوقاف، وما في معناهما.

4. دعم المؤسسات العلمية الأكاديمية الأهلية ذات العلاقة ببحوث الدعوة الإسلامية ودراساتها في إفريقيا وذلك مثل الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية في السنغال التي تستهدف إعداد العلماء والدعاة في غرب إفريقيا، والمؤسسات المشابهة، مع إنشاء المزيد.

أخيرا: المقترحات

1- إننا نعيش في عصر باتت فكرة الاحتجاب عن الآخرين ضرباً من الخيال وجزءاً من الماضي؛ بسبب الثورة التكنولوجية التي حوَّلت الكون إلى قرية صغيرة، فالصحيفة التي تطبع في لندن يمكن أن تسحب صفحاتها في كل من الدار البيضاء وطوكيو في اللحظة نفسها، والقناة الفضائية الواحدة يمكن أن يتابع برامجها عشرات الملايين من الناس في مختلف أرجاء المعمورة لحظة بثها، أما الشبكة العنكبوتية فحدث عنها ولا حرج، فقد غزت البيوت كلها في هدوء وانسيابية غير مسبوقة، وأثَّرت في الجيل الصاعد تأثيرا واضحا.

     إن وسائل الإعلام في هذا العصر لم تعد تَعرف للحدود المكانية معنى؛ فمن الممكن تحويلها إلى أدوات طيِّعة ومطايا خيرِّة للدعوة إلى الخير والسلام، والمحبة والوئام، ونشر الفضيلة، ونبذ الرذيلة، وتعريف الناس بثقافات الأمم، وأنماط عيشهم وتفكيرهم؛ إذ لا سبيل إلى التفاهم والتعايش السلمي وإنجاح الدعوة ما لم يكن هناك فهم متبادل، وتعارف عن كثب في العادات والتقاليد والمثل العليا والمقدسات، والخطوط الحمراء والخضراء لكل أمة وشعب من الناس.

     لذا أقترح زيادة القنوات الفضائية التي تعرِّف بالإسلام وتقربه إلى الناس في صورته الحقيقية، لا في الصورة القاصرة المشاهدة الآن، ولا بد من التعدد اللغوي في هذه القنوات وإلا ظلت الفائدة منها محدودة على فئة معيَّنة، وقد تكون هذه الفئة قد عرفت الإسلام وتوارثته منذ عقود إن لم أقل قرونا.

2- لعلَّ من المناسب دعوة المعنيين في الدول العربية والإسلامية السنية ممثلة في سفاراتهم الدبلوماسيَّة؛ لتجعل من أولوياتها إنشاء مراكز ثقافية تابعة لها في مختلف البلدان؛ لتكون هذه المراكز نقاط تواصل وتبادل بين مختلف الثقافات والحضارات، وتكون مرآة ثقافية ومعرفية تعكس ما لهذه الشعوب الإسلامية من حضارة وتقدم وميراث أصيل في أكثر من مجال، وتكون منطلقا لرسم الاستراتيجيات الدعوية الناجحة.

3 - ومن المنطلقات الثقافية التي لا يجوز إهمالها بحال من الأحوال فتح آفاق تعاونية مع كبريات المؤسسات التعليمية من جامعات ومراكز بحث في مجال الثقافة والبحث العلمي، والاجتماعي، وبناءً على ذلك أقترح دعم الموجود وإنشاء المزيد من الأكاديميات السعودية والكراسي الخاصة بالدراسات الإسلامية في الجامعات الإفريقية العريقة ذات الأثر العلمي، وكذا دعم الأقسام العربية في الجامعات التي توجد فيها أقسام عربية، أقول هذا الكلام ومشاعري تجبرني على ذكر القسم العربي في جامعة داكار، هذه الجامعة التي تعد من أقدم وأكبر الجامعات في إفريقيا؛ حيث يدرس فيها قرابة سبعين ألف طالب وطالبة من أكثر من أربعين جنسية إفريقية وغيرها، وتوجد بها أقسام متعددة حتى القسم الفارسي، لكننا نلاحظ هنا أن القسم العربي في هذه الجامعة يعد من أقدم الأقسام وأضعفها في الوقت ذاته، فينتظر من العالم العربي عموما ومن المملكة العربية السعودية خصوصا زيادة الاهتمام بهذا القسم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك