رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 17 ديسمبر، 2020 0 تعليق

الحلبي … أربعون عاماً في خدمة علم الحديث – تفرغ للبحث والتأليف والتحقيق على خطى شيخه الألباني


فقدت الأمة الإسلامية يوم الأحد 29 من ربيع الأول 1442هـ الموافق 15 نوفمبر 2020م أحد علماء الحديث؛ حيث توفي الشيخ علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد -رحمه الله-بعد إصابته (بفيروس كوفيد19كورونا)، وكان آخر ما كتبه على حسابه في تويتر عن ذلك: «سبحان الله العظيم! لا يغني حذر من قدر.. مع كل الأخذ بالأسباب والحرص الشديد -فيما أظن- والتقليل من مخالطة الناس جدًّا، إلا أن الوباء مسَّني.. ومما أستعينه عليه: دعاء الله، وحسن الرجاء به»، وقد صُلِّيت عليه صلاة الجنازة، بعد صلاة العصر في مسجد مستشفى الأمير حمزة، ودفن بجوار شيخه ناصر الدين الألباني -رحمه الله- في مقبرة الهملان، في عمّان الأردن.

نسبه ومولده

     هو: علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد، أبو الحارث وأبو الحسن، السلفيُّ الأثريُّ، الفلسطيني اليافي أصلًا ومنبتًا، الأردُنِّيُّ مولدًا، الحلبيُّ نسبة، كانت أسرة الشيخ في بلدة يافا في فلسطين، وبعد احتلال فلسطين عام (1368هـ-1948م) هاجرت الأسرة، فمنهم من هاجر إلى المملكة العربية السعودية، ومنهم من هاجر إلى لبنان، ومنهم من ذهب إلى مصر، وهاجر أبوه وجده -رحمهما الله- إلى الأردنّ، واستقرَّا فيها، وولد الشيخ هناك في مدينة الزرقاء يوم الأحد 29 جمادى الآخرة سنة 1380هـ، الموافق 18/ 12/ 1960م.

طلبه للعلم

     التقى الشيخ -رحمه الله- بالشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- في عام (1978م) عندما قدم الشيخ الألباني إلى عمَّان؛ حيث كان يأتي إلى الأردنّ لزيارة ابنته المتزوجة، وقد كان يغتنم زيارته لعقد المجالس العلمية والدعوية، وذلك قبل أن يستقرَّ به المقام في الأردنّ مهاجرًا من سوريا عام (1981م)، ومنذ ذلك الحين لازمه مدةً طويلة، وقد تأثر كثيرًا بالشيخ، ومنهجه، وطريقته العلمية، حتى صار من أخص طلبته وأقربهم إليه، درس عليه حال السفر (نخبة الفكر) ومنتخبات من شرحها (نزهة النظر)، وكان يعرض عليه إشكالات (الباعث الحثيث) وغيرها من كتب المصطلح، وفي منتصف الثمانينات منذ عام (1987م) توثَّقت علاقته بالشيخ الألباني جدًّا، وكان يشارك الشيخَ في مشاريعه العلمية ويساعده فيها، حتى إنه قال بنفسه: «بعد الرابع من السلسلة الصحيحة والثالث من السلسلة الضعيفة لا يوجد كتاب طبع للشيخ إلا وقد مرّ من تحت يدي»، ورافقه في رحلات علمية ودعوية داخل الأردن وخارجها، وسافر معه في بعض رحلات الحج والعمرة، وقلَّ أن يفوته درس من دروس الشيخ أو لقاء من لقاءاته.

جهوده العلمية والدعوية

1- تفرغ الشيخ للبحث والتأليف والتحقيق منذ بواكير الطلب؛ فكان نتاجه العلمي ضخما جدًّا، حتى زادت مصنفاته عن مائتي مصنف -كما سيأتي.

2- شارك الشيخ في عدد من المشاريع العلمية ومراجعة أغلب كتب العلامة الألباني -رحمه الله- قبل صدورها.

3- عمل في مؤسسة الرسالة (فرع عمان) للتحقيق العلمي، بصحبة الشيخ شعيب الأرناؤوط -رحمه الله-، ومكث معه سنوات عدة.

4- شارك الشيخ في كتابة المقالات لعدد من المجلات، فكان له مقال أسبوعي في جريدة (المسلمون) -الصادرة في لندن- ضمن زاوية (السنة)، استمر نحوًا من سنتين، وكان له مقال دائم في مجلة (الأصالة)، وكان من المؤسسين لها، وكتب في مجلة (الجامعة السلفية) في الهند، ومجلة (أمتي) في الكويت، وغيرها.

5- كان للشيخ نشاط دعوي وعلمي واسع ومكثَّف، فللشيخ موقع شخصي يشارك فيه بكتابة المقالات، والفتاوى، ورد الشبهات، ومعالجة النوازل، والتواصل مع طلبة العلم، كما يشرف الشيخ على منتدى (كل السلفيين)، الذي يشارك فيه أكثر من ستة آلاف طالب علم، من مختلف أنحاء العالم.

6- كما شارك -رحمه الله- في الرحلات العلمية والدعوية في مختلف دول العالم، مثل: السعودية، ومصر، والكويت، والإمارات، وأندونيسيا، وأمريكا، وهولندا، وأوكرانيا… وغيرها من دول العالم.

7- أسس مع إخوانه (مركز الإمام الألباني) في عمان، الذي يعقد دوراته العلمية مرتين كل عام.

8- حاضر الشيخ وخطب ودرس في المساجد والجامعات والقنوات الفضائية المعروفة، وقد دعي لإلقاء محاضرات في عدد من الجامعات مثل: الجامعة الأردنية، وجامعة اليرموك، وجامعة الزيتونة، وغيرها، وأقام دروسا علمية في عدد من المساجد، يشرح فيها كتب أئمة السلف، ويقعد منهجهم.

9- كان للشيخ جهود حسنة في بيان منهج السلف، والرد على الخارجين عن سبيلهم، وله ردود ومناظرات مع أهل البدع والمناهج المنحرفة بشتى أصنافهم.

شيوخه

     أشهر شيوخه العلامة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله-، فهو أبرز شيوخه على الإطلاق، وأجلهم قدرًا، وأكثرهم تأثيرًا فيه، وتعلم في الزرقاء التجويد على يد الشيخ عبد الودود الزراري، والشيخ محمود إدريس، واستفاد في الفقه من بعض مشايخ الزرقاء، كالشيخ نعمان أبي عياد، والشيخ عبد الرؤوف العنبوشي، ومن شيوخه أيضًا الشيخ العلامة حماد الأنصاري -رحمه الله-، وأجازه قبل ربع قرن مع شيخين آخرين هما: الشيخ المقرئ إمام المسجد النبوي وخطيبه علي بن عبدالرحمن الحذيفي، والشيخ الدكتور عاصم القريوتي المدرس في جامعة الإمام، وكان يحضر بعض مجالس الشيخ العلامة ابن باز -رحمه الله- في مواسم الحج والعمرة، وكلما سنحت له الفرصة بالسفر للمملكة العربية السعودية كما كان يحضر مجالس الشيخ العلامة ابن عثيمين -رحمه الله- عند السفر للحج والعمرة، وله إجازات علمية عامة وحديثية خاصة مع عدد من أهل العلم، منهم: الشيخ بديع الدين السندي -رحمه الله-، والشيخ محمد السالك الشنقيطي -رحمه الله-، وغيرهم كثير، جمعها في ثبت علمي خاص اسمه: (مسالك بداية المستفيد في الرواية والإجازة والأسانيد).

ثناء العلماء عليه

1- الشيخ الألباني -رحمه الله-: وثناؤه عليه كثير، وقد نقل بعض حفدة الشيخ الألباني -رحمه الله- عن جدهم أنه قال: «أفضل اثنين في علم الحديث اليوم هما: علي الحلبي، والشيخ صهيب»، ولما عزم الشيخ الألباني على السفر إلى الإمارات قالوا له: من نسأل من بعدك يا شيخنا؟ فقال: «سلوا علي الحلبي؛ فإنه أقربنا إلى السنة».

2- الشيخ ابن باز -رحمه الله-: قرظ الشيخ ابن باز لكتاب الشيخ علي الحلبي -رحمه الله- (إنها سلفية العقيدة والمنهج) بقوله: «من عبد العزيز ابن باز إلى حضرة الأخ المكرم صاحب الفضيلة الشيخ علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي -وفقه الله لما فيه رضاه، وزاده من العلم والإيمان، آمين-، سلام عليكم ورحمه الله وبركاته، أما بعد: فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ في 25/ 11/ 1418هـ -وصلكم الله بحبل الهدى والتوفيق-، واطلعت على ردكم المرفق به على كتاب الدكتور عبد العزيز العسكر في شأن صاحب الفضيلة الشيخ العلامة محمد ناصر الدين الألباني، فألفيته ردًّا قيمًا مباركًا شافيا، قد أحسنتم في أسلوبه، ووفقتم للرفق بالمردود عليه، وأسأل الله أن يضاعف مثوبتكم».

3- الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: ذكر بعض طلبة العلم أنهم كانوا في مجلس للشيخ ابن عثيمين في موسم الحج (عام 1420هـ)، وكان برفقته الشيخ ربيع بن هادي والشيخ علي الحلبي، فأجاب عن بعض الأسئلة، وقال في بعضها: «سلوا ذلك البحر»، وأشار للشيخ الحلبي، ولما سئل الشيخ الحلبي عن ذلك قال بتواضعه المعروف: «تأولت ذلك على المداعبة، فأنا لست كذلك؛ فلست بالبحر، ولا بالنهر، ولا غير ذلك، فنستغفر الله، ونسأله حسن الخاتمة».

4- الشيخ حماد الأنصاري -رحمه الله-: قال -رحمه الله-: «أتوسَّم في علي حسن عبد الحميد أن يكون خليفة الشيخ ناصر الدين الألباني».

5- الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد -رحمه الله-: وكان بينه وبين الشيخ صلات قوية وروابط علمية، وأهداه الشيخ بكر كتابه (براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة)؛ حيث كتب على طرَّته: «هدية إلى أخي في الله الشيخ علي بن حسن بن عبد الحميد؛ رجاء دعوة صالحة».

6- الشيخ المحدث عبد المحسن العباد: قال -حفظه الله-: «وأوصي أيضًا أن يستفيد طلاب العلم في كل بلد من المشتغلين بالعلم من أهل السنة في ذلك البلد؛ مثل تلاميذ الشيخ الألباني -رحمه الله- في الأردن، الذين أسسوا بعدُ مركزًا باسمه».

7- الشيخ صالح آل الشيخ -حفظه الله-: عندما ألف كتابه (هذه مفاهيمنا) أرسل إلى الشيخ علي نسخة خاصة، كتب عليها بخط يده: «إلى الصاحب الأنيق، والباحث الأفيق، ذي العقل والنظر: علي حسن عبد الحميد، وفقه الله لرفع راية السنة بوقار السلف، والبعد عن هيشات الخلف».

8- الشيخ محمد بن علي بن آدم الأثيوبي -رحمه الله-: أهدى الشيخَ الحلبي كتابه (الفوائد السمية في قواعد وضوابط علمية) وكتب عليها بخطه: «إهداء من مؤلف الكتاب لفضيلة الشيخ العلامة علي حسن الحلبي -حفظه الله تعالى- (10/ 5/ 1430)».

مؤلفاته

     أكثَرَ الشيخُ -رحمه الله- من الكتابة والتصنيف، وقد بلغت مصنفاته أكثر من مائتي مصنف، ما بين تأليف وتحقيق وتعليق، وهذه بعضها: (الدعوة إلى الله بين التجمع الحزبي والتعاون الشرعي)، و(الرد العلمي على حبيب الرحمن الأعظمي)، و(السلفية لماذا؟ معاذًا وملاذًا)، و(العقلانيون أفراخ المعتزلة العصريون)، و(الفئة الضالة)، و(الفوائد المختصرة في أحكام العمرة)، و(القول المأمون في تخريج ما ورد عن ابن عباس في تفسير: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ})، و(المنح الصحيحة في أصول النقد والنصيحة)، و(المنظومة النونية في مآثر ورثاء مجدد علوم السنة النبوية)، و(الموت: عظاته وأحكامه)، و(النكت على نزهة النظر)، و(إنها سلفية العقيدة والمنهج).. ردًّا على عبد العزيز العسكر، و(الكشف المعلم بأباطيل كتاب (تنبيه المسلم) لسعيد ممدوح)، و(دلائل التحقيق لإبطال قصة الغرانيق)، و(رؤية واقعية في المناهج الدعوية)، و(فقه الواقع بين النظرية والتطبيق، وكلمة تذكير بمفاسد الغلو في التكفير، و(مجمل تاريخ الدعوة السلفية في الديار الأردنية.. نشأة وانتشارًا)، و(منهج السلف الصالح في ترجيح المصالح)، و(تطويح المفاسد والقبائح في أصول النقد والنصائح)، وغير هذا كثير جدًّا، فضلا عن التحقيقات الكثيرة والنافعة، وكان للشيخ دروس ومحاضرات كثيرة، علمية ومنهجية ووعظية.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك