رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 23 ديسمبر، 2013 0 تعليق

الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن- كل بدعة ضلالة


لفظ (البدعة) من الألفاظ الشرعية التي وردت في النصوص الشرعية على وجه الذم لها والتحذير منها، مثلها في ذلك مثل لفظ (الكفر) و(الشرك) و(الفسق) و(النفاق) و(الظلم)، ولما كان واجب المسلم امتثال مقتضى النصوص الشرعية والانقياد لما دلت عليه من التكاليف الدينية؛ فعلا وتركا، ظاهرا وباطنا، علما وعملا، كانت دراسة البدع ومعرفة حقيقتها وأنواعها وقواعدها من أهم المطالب التي ينبغي لطلبة العلم والدعاة إلى الله تعالى العناية بها؛ لأن اجتناب البدع والتحذير منها متوقف على معرفتها والعلم بأنواعها ومراتبها، فالعلم قبل القول والعمل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

وقد عرّف شيخ الإسلام ابن تيمية (البدعة) بأنها ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات.

     وذهب ابن رجب الحنبلي إلى أن المراد بالبدعة: ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة.

وعرفها الشاطبي بقوله: «عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه».

دلت الأدلة الكثيرة على خطورة البدع وشناعة آثارها على المباشر لها خاصة، وعلى الدين والمجتمع عامة، ومن هذه الأدلة:

1- قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}(المائدة: 3)، قال الإمام مالك: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: {اليوم أكملت لكم دينكم} فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا». وقال الشاطبي: «إن المستحسن للبدع يلزمه -عادة- أن يكون الشرع عنده لم يكمل بعد؛ فلا يكون لقوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم} معنى يعتبر عنده».

2- قال الله تعالى: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(الأنعام: 153)، فعن مجاهد في قوله: { ولا تتبعوا السبل} قال: «البدع والشبهات».

3- وقال تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}(آل عمران: 106)، قال ابن عباس: «تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة».

وأما من السنة المطهرة:

1- فقد أخرج الشيخان عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» وفي لفظ مسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ». قال ابن حجر: «هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعد الدين»، وقال الشاطبي: «وهذا الحديث عدّه العلماء ثلث الإسلام؛ لأنه جمع وجوه المخالفة لأمره عليه السلام ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية».

2- وأخرج مسلم عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: «فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». قال ابن حجر: «والمراد بقوله: «كل بدعة ضلالة» ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام».

3- وعن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة» أخرجه أبو داود والترمذي.

     قال ابن حجر: «وقوله: «كل بدعة ضلالة» قاعدة شرعية كلية بمفهومها ومنطوقها، أما بمنطوقها فكأن يقال: حكم كذا بدعة، وكل بدعة ضلالة، فلا تكون من الشرع؛ لأن الشرع كله هدى».

4- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته». رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني.

وقد جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين تحذر من البدعة وخطورتها:

1- عن عمر أنه خطب الناس فقال: «أيها الناس قد سنّت لكم السنن وفرضت الفرائض وتركتم على الواضحة إلا أن تضلوا بالناس يمينا وشمالا» وصفق بإحدى يديه على الأخرى.

2- عن ابن مسعود قال: «اتبعوا آثارنا ولا تبتدعوا فقد كفيتم»، وقال: «أيها الناس لا تبتدعوا ولا تنطعوا ولا تعمقوا وعليكم بالعتيق خذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكرون».

3- وعن ابن عمر قال: «كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة».

4- وقال رجل لابن عباس: أوصني. فقال: «عليك بتقوى الله والاستقامة اتبع ولا تبتدع»، وقال: «ما يأتي على الناس من عام إلا أحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة حتى تحيا البدع وتموت السنن».

5- وقال سفيان الثوري: «البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها».

6- وعن الحسن قال: «صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا صياما وصلاة إلا ازداد من الله بعدا».

قال ابن مسعود: «إياكم وما يحدث الناس من البدع! فإن الدين لا يذهب من القلوب بمرة، ولكن الشيطان يحدث له بدعا حتى يخرج الإيمان من قلبه»، وقال ابن القيم: «أصل كل شر يعود إلى البدع».

     وخطورة الابتداع ترجع لأمور كثيرة منها: أن المبتدع معاند للشرع ومشاق له: قال الشاطبي: «لأن الشارع قد عيّن لمطالب العبد طرقا خاصة على وجوه خاصة وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين،فالمبتدع رادّ لهذا كله، فإنه يزعم أن ثمّ طرقا أخرى، فليس ما حصره الشارع بمحصورولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين».

     فعلى المسلم أن يعتقد أن الشريعة كاملة، ولم يمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى بيّن جميع الدين أصوله وفروعه كما قال صلى الله عليه وسلم : «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، فيجتهد في طلب أحكامها وفهمها وامتثالها، وهي أبواب كثيرة وآداب عديدة، فهو أولى وأجدر من الاجتهاد في البدع والمحدثات المذمومة شرعا، وبالله التوفيق.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك