رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 20 مايو، 2014 0 تعليق

الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن- الرخصة من الله صدقة، فلا تردوا صدقته

اليسر ورفع الحرج من أبرز معالم الإسلام وخصائصه العظام، وقد تجلت مظاهر التيسير في كل جوانب الشريعة الإسلامية، فمن ذلك قلة التكاليف مقارنة بالمباحات، وتشريع الرخص مراعاة للظروف الإنسانية والأعذار البشرية.

وقد جاءت النصوص الشرعية تقرر مبدأ التيسير، وتحث على الأخذ بالرخص الشرعية؛ لما في ذلك من قبول نعمة الله تعالى على عباده وعدم الإعراض عنها، ولما في الأخذ بالرخص من الإعانة على طاعة الله -تعالى- وتخفيفها على النفوس، وتحبيبها إلى القلوب.

     فقال سبحانه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}(الحج: 78)، قال الطاهر بن عاشور: «جعله دينا لا حرج فيه؛ لأن ذلك يسهل العمل به مع حصول مقصد الشريعة من العمل، فيسعد أهله بسهولة امتثاله، وقد امتن الله تعالى بهذا المعنى في آيات كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى {َيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ}(البقرة: 185)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «بعثت بالحنيفية السمحة».

     ولأن الرخص منة من الله تعالى ونعمة فالواجب قبولها وشكر الله عليها، فعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا}(النساء: 101) وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ, فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».

وقال ابن عباس: «الرخصة من الله صدقة. فلا تردوا صدقته».

والله -تعالى- يحب الأخذ بالرخص بشروطها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» أخرجه أحمد، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته» رواه أحمد

     قال الشوكاني: «والمراد بالرخصة التسهيل والتوسعة في ترك بعض الواجبات أوإباحة بعض المحرمات، وهي في لسان أهل الأصول الحكم الثابت على خلاف دليل الوجوب أو الحرمة لعذر، وفيه أن الله يحب إتيان ما شرعه من الرخص، وفي تشبيه تلك المحبة بكراهته لإتيان المعصية دليل على أن في ترك إتيان الرخصة ترك طاعة كالترك للطاعة الحاصل بإتيان المعصية».

     وغضب النبي صلى الله عليه وسلم حين أعرض الناس عن الرخص الشرعية، فعن عائشة قالت: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر فتنزه عنه ناس من الناس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب حتى بان الغضب في وجهه ثم قال: «ما بال أقوام يرغبون عما رخص لي فيه، فوالله لأنا أعلمهم بالله وأشدهم له خشية» أخرجه مسلم.

     قال القرطبي: «ويستفاد من هذا الحديث النهي عن التنطع في الدين، وعن الأخذ بالتشديد في جميع الأمور، فإن دين الله يسر، وهو الحنيفية السمحة، فإن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه، وحاصل الأمر:أن الواجب التمسك بالاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ، فما شدد فيه التزمناه على شدته، وفعلناه على مشقته، وما ترخص فيه أخذنا برخصته، وشكرنا الله -تعالى- على تخفيفه ونعمته، ومن رغب عن هذا فليس على سنته».

والرخصة حكم شرعي له شروط وموانع، فلا يصح ترك الواجبات أو فعل المحرمات لأدنى عارض أو أقل مشقة، بل لابد من سؤال أهل العلم لمعرفة ضوابط الرخصة ليحقق المكلف مراد الشارع، ويجتنب الوقوع في اتباع الهوى بحجة الأخذ بالرخصة الشرعية.

     يوضح ابن القيم-رحمه الله- أن الرخصة نوعان وحكمهما مختلف؛ فأحدهما: الرخصة المستقرة المعلومة من الشرع نصاً، كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير عند الضرورة، وإن قيل لها عزيمة باعتبار الأمر والوجوب، فهي رخصة باعتبار الإذن والتوسعة، وكفطر المريض والمسافر، وقصر الصلاة في السفر، وصلاة المريض إذا شق عليه القيام قاعداً، وفطر الحامل والمرضع خوفاً على ولديهما، فليس في تعاطي هذه الرخص ما يوهن رغبته، ولا يرده إلى غثاثة، ولا ينقص طلبه وإرادته البتة؛ فإن منها: ما هو واجب،كأكل الميتة عند الضرورة. ومنها: ما هو راجح المصلحة، كفطر الصائم المريض، وقصر المسافر وفطره.ومنها: ما مصلحته للمترخص وغيره؛ ففيه مصلحتان: قاصرة ومتعدية، كفطر الحامل والمرضع.ففعل هذه الرخص أرجح، وأفضل من تركها.

    النوع الثاني: رخص التأويلات، واختلاف المذاهب، فهذه تتبعها حرام ينقص الرغبة، ويوهن الطلب، ويرجع بالمترخص إلى غثاثة الرخص. فإن من ترخص بقول أهل مكة في الصرف، وأهل العراق في الأشربة، وأهل المدينة في الأطعمة، وأصحاب الحيل في المعاملات، وأمثال ذلك من رخص المذاهب وأقوال العلماء، فهذا الذي تنقص برخصته رغبته، ويوهن طلبه، ويلقيه في غثاثة الرخص؛ فهذا لون والأول لون».

ويؤكد الشاطبي أهمية تحقق شرط الرخصة قبل الأخذ بها ليسلم المكلف من اتباع الهوى فيقول: «فالمشقات التي هي مظان التخفيفات في نظر الناظر على ضربين:

- أحدهما: أن تكون حقيقية، وهو معظم ما وقع فيه الترخص كوجود المشقة المرضية والسفرية، وشبه ذلك مما له سبب معين واقع.

- والثاني: أن تكون توهمية مجردة؛ بحيث لم يوجد السبب المرخص لأجله، ولا وجدت حكمته وهي المشقة وإن وجد منها شيء، لكن غير خارج عن مجاري العادات.

فأما الضرب الأول; فإما أن يكون بقاؤه على العزيمة يدخل عليه فسادا لا يطيقه طبعا أو شرعا، ويكون ذلك محققا لا مظنونا ولا متوهما أو لا ; فإن كان الأول ; فرجوعه إلى الرخصة مطلوب، ورجع إلى القسم الذي لم يقع الكلام فيه ; لأن الرخصة هنا حق لله.

وإن كان الثاني وهو أن يكون مظنونا ; فالظنون تختلف، والأصل البقاء على أصل العزيمة، ومتى قوي الظن ضعف مقتضى العزيمة، ومتى ضعف الظن قوي.

وأما الضرب الثاني، وهو أن تكون توهمية؛ بحيث لم يوجد السبب ولا الحكمة، نحو الظان أنه تأتيه الحمى غدا بناء على عادته في أدوارها فيفطر قبل مجيئها، وكذلك الطاهر إذا بنت على الفطر ظنا أن حيضتها ستأتي ذلك اليوم، وهذا كله أمر ضعيف جدا.

والحاصل من هذا التقسيم أن الظنون والتقديرات غير المحققة راجعة إلى قسم التوهمات، وهي مختلفة، وكذلك أهواء النفوس; فإنها تقدر أشياء لا حقيقة لها».

     فبعض الناس للأسف يستدل بأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه على ما يقوم به من مخالفات شرعية ظنا منه أن الشرع يرخص له في ذلك، والواجب عليه أن يتحقق من توافر شروط الرخصة وانتفاء موانعها، وإلا كان متبعا للهوى، والهوى مذموم في النصوص الشرعية، كما قال تعالى:{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ}(الجاثية: 23)، وقال صلى الله عليه وسلم : «ثلاث مهلكات وثلاث منجيات؛ فالمهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه»، وقال الشعبي: «إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار». وقال ابن عباس: «ما ذكر الله الهوى في القرآن إلا ذمه». نسأل الله -تعالى- السلامة والعافية.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك