الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن- {إنما يستجيب الذين يسمعون}
حقيقة الدين تقوم على الإيمان بالله تعالى والانقياد له خوفا وطمعا، رغبة ورهبة، وهذه الحقيقة واضحة في النصوص الشرعية التي تأمر العباد بطاعة لله تعالى، وتنهاهم عن الكفر به أو الإعراض عن أمره، أو التقصير في حقه سبحانه وتعالى.
فالعبادة والإسلام والدين كلها مصطلحات تدور حول هذا الأصل، وتقرر هذا الحكم، وقد أمر الله تعالى عباده بالاستجابة له في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ }(الأنفال-24)، وقوله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} (البقرة- 186)، وقال سبحانه: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ} (الشورى-47).
قال الشيخ ابن سعدي: «يأمر تعالى عباده بالاستجابة له، بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، وبالمبادرة بذلك وعدم التسويف، مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْم القيامة الذي إذا جاء لا يمكن رده واستدراك الفائت، وليس للعبد في ذلك اليوم ملجأ يلجأ إليه، فيفوت ربه، ويهرب منه.
وهذه الآية ونحوها، فيها ذم الأمل، والأمر بانتهاز الفرصة في كل عمل يعرض للعبد، فإن للتأخير آفات».
وبين القرآن أن الناس قسمان: مستجيب لربه، وجزاؤه الحسنى، وغير مستجيب، فجزاؤه النار كما قال تعالى: {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ۚ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} (الرعد-18).
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: أما الذين استجابوا لله فآمنوا به حين دعاهم إلى الإيمان به، وأطاعوه فاتبعوا رسوله وصدقوه فيما جاءهم به من عند الله، فإن لهم الحسنى، وهي الجنة، وأما الذين لم يستجيبوا لله حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته، ولم يطيعوه فيما أمرهم به، ولم يتبعوا رسوله فيصدقوه فيما جاءهم به من عند ربهم، فلو أن لهم ما في الأرض جميعا من شيء ومثله معه ملكا لهم، ثم قبل مثل ذلك منهم، وقبل منهم بدلا من العذاب الذي أعده الله لهم في نار جهنم وعوضا، لافتدوا به أنفسهم منه يقول الله:{أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} يقول: هؤلاء الذين لم يستجيبوا لله لهم سوء الحساب، يقول: لهم عند الله أن يأخذهم بذنوبهم كلها، فلا يغفر لهم منها شيئا، ولكن يعذبهم على جميعها ».
والمستجيب لله تعالى هو الحي حقيقة، وأما المعرض عن دين الله فهو في حكم الميت الذي لا ينتفع بشيء كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} (الأنعام-36).
قال القرطبي: «يستمعون» أي: سماع إصغاء وتفهم وإرادة الحق، وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون فينتفعون به ويعملون; قال معناه الحسن ومجاهد. ثم قال: {والموتى يبعثهم الله } وهم الكفار; أي: هم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجة. وقيل: الموتى كل من مات يبعثهم الله أي: للحساب; وعلى الأول بعثهم هدايتهم إلى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم . وعن الحسن: هو بعثهم من شركهم حتى يؤمنوا بك يا محمد - يعني عند حضور الموت - في حال الإلجاء في الدنيا».
وأما قوله : {ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} فقد قال الطبري: «ثم إلى الله يرجع المؤمنون الذين استجابوا لله والرسول، والكفار الذين يحول الله بينهم وبين أن يفقهوا عنك شيئا، فيثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدنيا بما وعد أهل الإيمان به من الثواب، ويعاقب هذا الكافر بما أوعد أهل الكفر به من العقاب، لا يظلم أحدا منهم مثقال ذرة».
قال الشيخ ابن سعدي: «يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : {إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ} لدعوتك، ويلبي رسالتك، وينقاد لأمرك ونهيك {الَّذِينَ يَسْمَعُونَ} بقلوبهم ما ينفعهم، وهم أولو الألباب والأسماع. والمراد بالسماع هنا: سماع القلب والاستجابة، وإلا فمجرد سماع الأذن، يشترك فيه البر والفاجر. فكل المكلفين قد قامت عليهم حجة الله تعالى، باستماع آياته، فلم يبق لهم عذر، في عدم القبول. {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} يحتمل أن المعنى، مقابل للمعنى المذكور. أي: إنما يستجيب لك أحياء القلوب، وأما أموات القلوب، الذين لا يشعرون بسعادتهم، ولا يحسون بما ينجيهم، فإنهم لا يستجيبون لك، ولا ينقادون، وموعدهم القيامة، يبعثهم الله ثم إليه يرجعون، ويحتمل أن المراد بالآية، على ظاهرها، وأن الله تعالى يقرر المعاد، وأنه سيبعث الأموات يوم القيامة ثم ينبئهم بما كانوا يعملون. ويكون هذا، متضمنا للترغيب في الاستجابة لله ورسوله، والترهيب من عدم ذلك».
وقد يرد تساؤل عن المانع من الاستجابة لله تعالى، والجواب كما يبينه القرآن هو اتباع الهوى كما قال سبحانه:{فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم } (القصص-50).
قال الشيخ ابن سعدي: «دليل على أن كل من لم يستجب للرسول، وذهب إلى قول مخالف لقول الرسول، فإنه لم يذهب إلى هدى، وإنما ذهب إلى هوى».
وقال سبحانه: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (القصص-50).
قال ابن عاشور: «إن لم يستجيبوا لدعوتك، أي إلى الدين بعد قيام الحجة عليهم بهذا التحدي، فاعلم أن استمرارهم على الكفر بعد ذلك ما هو إلا إتباع للهوى ولا شبهة لهم في دينهم».
ومن موانع الاستجابة أيضا طاعة الشيطان في وسوسته وتزيينه كما أخبر الله تعالى بأن الشيطان يتبرأ من أتباعه يوم القيامة قائلا: {وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} (إبراهيم-22).
قال ابن سعدي: «أي: {وَقالَ الشَّيْطانُ} الذي هو سبب لكل شر يقع ووقع في العالم، مخاطبا لأهل النار ومتبرئا منهم {لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار{إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ}(إبراهيم-22) على ألسنة رسله فلم تطيعوه، فلو أطعتموه لأدركتم الفوز العظيم، {وَوَعَدْتُكُمْ } الخير { فَأَخْلَفْتُكُمْ} أي:لم يحصل ولن يحصل لكم ما منيتكم به من الأماني الباطلة. {وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ} أي: من حجة على تأييد قولي، {إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ} أي: هذا نهاية ما عندي أني دعوتكم إلى مرادي وزينته لكم، فاستجبتم لي اتباعا لأهوائكم وشهواتكم، فإذا كانت الحال بهذه الصورة {فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ} فأنتم السبب وعليكم المدار في موجب العقاب، {ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ} أي: بمغيثكم من الشدة التي أنتم بها { وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ } كل له قسط من العذاب.
فحقيقة الإسلام والعبودية الحقة تقوم على الإيمان بالله تعالى والاستجابة لدينه وشرعه، وعلى قدر الاستجابة المخلصة لله -تعالى- تكون السعادة في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُوْلَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِيْنَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّيْنَ وَالصِّدِّيْقِيْنَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِيِنَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيِقًا} (النساء:69)، وقال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة-72).
لاتوجد تعليقات