رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 7 يوليو، 2014 0 تعليق

الحكمــــة ضالـــة المؤمـــــن {أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه}(الشورى: 13)


الدين في اللغة له معان منها: الطاعة كقولهم: دان له أي أطاعه وخضع له، ومنها الجزاء كما قال تعالى: {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق}(النور: 25)، أي: يجازيهم على أعمالهم الجزاء الحق، ومن معاني الدين: الملة كقوله تعالى: {ورضيت لكم الإسلام دينا}(المائدة: 3).

أما الدين في الاصطلاح العام: فهو ما يعتنقه الإنسان ويعتقده ويدين به، ويشمل ذلك الدين الصحيح والأديان الباطلة.

أما في الاصطلاح الشرعي فعرف المناوي الدين بأنه: «وضع إلهي يدعو أصحاب العقول إلى قبول ما عند الرسول»، وقال أيضا: «وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات».

والدين الصحيح هو المنزل من عند الله تعالى؛ وهو الإسلام، والإسلام في اللغة: الانقياد والخضوع والإذعان والاستسلام.وأما في الاصطلاح فله معنيان:

فالإسلام بالمعنى العام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.

     فالإسلام بهذا المعنى هو دين جميع الأنبياء كما قال تعالى عن نوح عليه السلام: {وأمرت أن أكون من المسلمين}(يونس: 72)، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}(البقرة: 131)، وقال تعالى عن ذرية يعقوب عليه السلام: {قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها واحدا ونحن له مسلمون}(البقرة: 133)، وقال تعالى: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا}(المائدة: 44)، والآيات في هذا كثيرة.

وأما الإسلام بالمعنى الخاص: فهو الدين المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا الدين الإسلامي هو الدين المقبول عند الله قال الله تعالى: {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام}(آل عمران: 19)، وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ  فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين}(آل عمران: 85).

وهذا الإسلام هو الذي امتن به على محمدصلى الله عليه وسلم  وأمته فقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً}(المائدة: 3).

وقد أمر الله تعالى نبيهصلى الله عليه وسلم  بإقامة الدين فقال تعالى: {وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين}(يونس: 105).

قال الطبري: «ويعني بقوله: {أقم وجهك للدين} أقم نفسك على دين الإسلام،{حنيفا} مستقيما عليه، غير معوج عنه إلى يهودية ولا نصرانية، ولا عبادة وثن{ولا تكونن من المشركين}(يونس: 105)، يقول: ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه الآلهة والأنداد، فتكون من الهالكين».

وقال ابن كثير: «أي: أخلص العبادة لله وحده حنيفا، أي: منحرفا عن الشرك».

وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون}(الروم: 30)، وقال سبحانه: {فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون}(الروم: 43).

قال ابن كثير: «يقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الذي شرعه الله لك، من الحنيفية ملة إبراهيم، الذي هداك الله لها، وكملها لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره».

وإقامة الدين مما أمرنا الله به كما أمر السابقين فقال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب }(الشورى: 13).

     قال ابن العربي: «المعنى: ووصيناك يا محمد ونوحا دينا واحدا؛ يعني في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتقرب إلى الله تعالى بصالح الأعمال، والتزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكفر، والقتل، والزنا، والإذاية للخلق، كيفما تصرفت، والاعتداء على الحيوان كيفما كان، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات.

     فهذا كله شرع دينا واحدا وملة متحدة لم يختلف على ألسنة الأنبياء، وإن اختلفت أعدادهم، وذلك قوله تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} أي اجعلوه قائما، يريد دائما مستمرا، محفوظا مستقرا، من غير خلاف فيه، ولا اضطراب عليه، فمن الخلق من وفى بذلك، ومنهم من نكث به، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه.

واختلفت الشرائع (يعني العملية) وراء هذا في معان حسبما أراده الله، مما اقتضته المصلحة، وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم ».

وقال الطبري: «وعنى بقوله: {أن أقيموا الدين} أن اعملوا به على ما شرع لكم وفرض».

     وقال الطاهر: «فالمعنى أن إقامة الدين واجتماع الكلمة عليه أوصى الله بها كل رسول من الرسل الذين سماهم، وهذا الوجه يقتضي أن ما حكي شرعه في الأديان السابقة هو هذا المعنى وهو إقامة الدين المشروع كما هو، والإقامة مجملة يفسرها ما في كل دين من الفروع.وإقامة الشيء: جعله قائما، وهي استعارة للحرص على العمل به كقوله: ويقيمون الصلاة».

     وقال ابن سعدي: «أمركم أن تقيموا جميع شرائع الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم، وتجتهدون في إقامته على غيركم، وتعاونون على البر والتقوى، ولا تعاونون على الإثم والعدوان، {وَلا تَتَفَرَّقُوا} أي: ليحصل منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه، واحرصوا على ألا تفرقكم المسائل وتحزبكم أحزابا، وتكونوا شيعا، يعادي بعضكم يعضا، مع اتفاقكم على أصل دينكم».

وقد أمر الله تعالى الأمم السابقة بإقامة الدين ووعدهم بالثواب الجزيل في الدنيا والآخرة فقال جل وعلا: {ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم.ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم}(المائدة: 65 - 66).

قال ابن كثير: «أي: لو أنهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هي عليه، من غير تحريف ولا تغيير ولا تبديل، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق والعمل بمقتضى  ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ; فإن كتبهم ناطقة بتصديقه والأمر باتباعه حتما لامحالة».

     وقال تعالى: {قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم }(المائدة: 68)، قال ابن كثير: «لستم على شيء حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها ومما فيها الأمر باتباع محمد  صلى الله عليه وسلم  والإيمان بمبعثه، والاقتداء بشريعته».

فإقامة الدين مطلب شرعي، وحقيقته التزام أحكام الدين العقدية والعملية والأخلاقية، والعمل بها ظاهرا وباطنا، وإظهارها، والدعوة إليها ونشرها بين الناس، وإحياؤها عند نسيانها واندراسها، فبذلك يحيى الدين، وتقام أركانه، ويعلو بنيانه كما أمرنا ربنا تعالى، وبالله التوفيق.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك