الحكمـة ضالـة المؤمن (28) فقر حلال خير من غنى حرام
يعتقد المسلم أن الله تعالى عليم حكيم، فقوله تعالى حق، وفعله حكمة، وهو سبحانه منزه عن العبث والظلم، ومن حكمته سبحانه أنه فضل بين عباده في الرزق» كما قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}، وبيّـن سبحانه أنه يوسع على بعض عباده ويضيق على بعضهم كما قال تعالى: {اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، وذكر لنا بعض حكمته من ذلك في قوله سبحانه: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَة رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}، فمصالح الخلق متعلقة باحتياج بعضهم لبعض؛ مما يعني تفاوتهم في الرزق والمراتب.
وقد أمر الله تعالى عباده بالسعي لكسب الرزق وابتغائهم من فضله مما يؤدي إلى رفعهم عن الحاجة والفقر، ويغنيهم عن السؤال والذلة، فقال تبارك وتعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} وقال تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} وهذا خبر على سبيل المدح والثناء لهم لقيامهم بهذا الكسب الطيب.
فطموح الإنسان إلى الغنى أمر مشروع، وهو أمر فطري مغروس في النفس كما قال رسول الله [ :«لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانياً، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب و يتوب الله على من تاب»، وقال رسول الله [ :»يهرَم ابن آدم و يشبّ فيه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر».
لكن الأمر المذموم هو الحرص على المال من أوجه غير مشروعة، والتطلع إلى الغنى السريع بالكسب الحرام، وهذا ما وقع فيه بعض الناس ـ وهم قلة ـ في حين أن أكثر المسلمين ـ ولله الحمد ـ يتورع عن الحرام ويتباعد عنه.
ومن هنا تأتي تلك المقولة الحكيمة التي تقرر أن الفقر الحلال خير من الغنى الحرام، فقد يبذل الإنسان الأسباب ومع ذلك يرزق القليل، ولا ينال ما يطمح إليه من الغنى، فهنا قد تسول له نفسه سلوك الطرق المحرمة، وقد يزين له الشيطان ركوب الوسائل الممنوعة لبلوغ غايته وتحقيق أمله كما قال تعالى: {يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} وقال تعالى: {الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا} أي: الشيطان يخوفكم الفقر.
والنصوص الشرعية تؤكد أن الكسب المحرم سيء العاقبة في الدنيا والآخرة كما قال رسول الله [: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم الحرام؟» أخرجه البخاري وزاد رزين:»فإذ ذاك لا تستجاب لهم الدعوة «، وقال [: «إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة»، وقال: «إن هذا المال خضر حلو، من أصابه بحقه، بورك له فيه، ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار «.
فتجنب الحرام من التقوى من العمل الصالح الذي يوصل المسلم إلى الجنة، فقد روى مسلم عن جابر أن رجلا سأل رسول الله [ فقال :»أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة ؟ قال :» نعم « قال :» والله لا أزيد على ذلك شيئا «.
ولاجتناب الحرام بركة عاجلة كما قال سهل بن سعد ] :» من أكل الحرام عصته جوارحه، شاء أو أبى، علم أو لم يعلم، ومن كانت طعمته حلالا أطاعته جوارحه ووفق للخيرات «.
والنصوص الشرعية تقرر أن الفقر ليس عيبا، بل إن للفقراء فضائل تواسيهم وتصبرهم منها ما أخرجه البخاري في كتاب الرقاق في باب فضل الفقر عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مر رجل على رسول الله [ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله [ ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله [: ما رأيك في هذا فقال: يا رسول الله هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع وإن قال ألا يسمع لقوله، فقال رسول الله [: «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا «.
وقال [: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء «أخرجه البخاري، وقال النبي [ :»قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجَدّ محبوسون، غير أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء « أخرجه البخاري
وقال [: «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار : أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم ؟ قال الله تبارك وتعالى للجنة :أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها « أخرجه البخاري.
وقال [ :»يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم وهو خمسمائة عام « أخرجه الترمذي، يوضح ابن القيم الحديث فيقول:»إن الفقراء يسبقون الأغنياء إلى الجنة لخفة الحساب، ثم إذا دخل الأغنياء الجنة فكل واحد يكون في منزلته على قدر حسناته وأعماله»اهـ.
فإن قيل :إن النبي [ استعاذ من الفقر فقال :«اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار إلى أن قال :» وشر فتنة الغنى،وشر فتنة الفقر»، وقال [ :«تعوذوا بالله من الفقر والقلة والذلة، وأن تظلم أو تظلم»أخرجه أحمد وصححه الألباني، فالجواب ما قاله البيهقي: «أنه [ إنما استعاذ من فتنة الفقر، دون حال الفقر، ومن فتنة الغنى دون حال الغنى»، وقال الغزالي: فتنة الغنى: الحرص على جمع المال وحبه حتى يكسبه من غير حله، ويمنعه من واجبات إنفاقه وحقوقه، وفتنة الفقر:الفقر المدقع الذي لا يصحبه خير ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة، ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب ولا في أي حال تورط. وقيل: المراد به فقر النفس الذي لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها.
وأختم بما نقل عن ابن مسعود أنه قال :»ما من يوم إلا وملك ينادي: يا ابن ادم قليل يكفيك خير من كثير يُطغيك».
فعلى المسلم أن يقنع بما قسم الله له، ويرضي به، وينظر إلى من فضل عليه في الدين فيعمل ويجتهد ليرتقي مثله، وينظر إلى من هو دونه في الدنيا ليعلم فضل الله عليه فيرضى ويشكر، كما قال [ :» انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله «أخرجه مسلم، وبالله التوفيق.
لاتوجد تعليقات