رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 12 نوفمبر، 2012 0 تعليق

الحكمـة ضالـة المؤمن-استــفـت قلبـــك

 

يحتج بعض الناس بهذه العبارة: «استفت قلبك ولو أفتاك المفتون» ليبرر بها تصرفاته، ويعتذر بها عن مواقفه من حيث استحلاله لشيء فيقدم عليه، أو تحريمه لآخر فيحجم عنه، دون أن يسترشد بدليل شرعي معتبر، أو يستشير ذا علم واطلاع في العلوم الدينية، وإنما يحتكم لهواه وما يمليه عليه عقله المجرد.

     وهذه العبارة جزء من حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ؟» قلت: نَعَمْ، فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي وَيَقُولُ: «يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ» أخرجه الإمام أحمد، وحسنه الألباني.

     وعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال:قلت: يا رسول الله أخبرني ما يحل لي ويحرم عليّ؟ فقَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا لَمْ تَسْكُنْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَإِنْ أَفْتَاكَ الْمُفْتُونَ» رواه أحمد وصحه الألباني.

فالحديثان يدلان على أمور مهمة منها:

- الأول: واجب المسلم تعلم أحكام دينه التي يحتاج إليها ويتوقف عليها إيمانه وصحة عبادته وما يباشره من معاملات مالية أو غيرها، فإن كان المسلم من أهل الاجتهاد المعتبر رجع إلى الأدلة الشرعية واستنبط منها الأحكام الفقهية، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد وهو حال أغلب المسلمين فعليه أن يسأل من يثق بدينه وعلمه كما قال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر} قال الشيخ ابن سعدي: «وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلم بكتاب الله المنزل، فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم، وتزكية لهم، حيث أمر بسؤالهم، وأنه بذلك يخرج الجاهل من التبعة؛ فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله».

- الثاني: إذا سأل المسلم من يظنه من أهل العلم عما يحتاج إلى معرفة حكمه فأجابه بالحكم الديني مؤيدا بالدليل الشرعي، فواجب المسلم حينئذ العمل بما دل عليه الدليل الصحيح الصريح الذي لا مخالف له ولا معارض، فالله تعالى أمرنا بامتثال أمره واتباع شرعه فقال سبحانه: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون}، ووعد من اتبع هداه بالرضوان والجنان فقال:{قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم}، وذم سبحانه من أعرض وامتنع فقال عز وجل: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون}.

     قال ابن رجب رحمه الله: «فأمَّا ما كان مع المفتي به دليلٌ شرعيٌّ، فالواجب على المستفتي الرُّجوعُ إليه، وإنْ لم ينشرح له صدرُه، وهذا كالرخص الشرعية، مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصرالصَّلاة في السَّفر، ونحو ذلك ممَّا لا ينشرحُ به صدور كثيرٍ مِنَ الجُهَّال، فهذا لا عبرةَ به، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم، فيمتنعون من فعله فيغضب من ذلك؛ كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه».

     وفي الجملة، فما ورد النصُّ به، فليس للمؤمن إلا طاعةُ الله ورسوله، كما قال تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا.

- الثالث: إذا لم يطمئن السائل لجواب المسؤول من أهل العلم؛ لظنه أنه لم يفهم سؤاله، أو استعجل بجوابه، أو لم يذكر له دليلا على حكمه، أو كان المسؤول معروفا بالتساهل في الإفتاء، أو من أهل الأهواء، فهنا على المسلم الاحتياط لدينه، والأخذ بأسباب نجاته، ويعلم أن الله تعالى مطلع على الصدور وخبايا النفوس، وأنه يحاسب الناس يوم القيامة على أعمالهم ومقاصدهم، وفتوى المفتي لا تغير من حقائق الأشياء التي يعلم الإنسان أنها لا تحل له أو يرتاب في حلها، وقد قال العلماء: «الفتوى غير التقوى؛ فإن الفتوى الحكم على ظاهر الأشياء، والتقوى الاحتياط في الأمور بأن يجتنب الرجل الشبهات، أو يعدل عنها إلى ما تيقن كونه حلالا، ومثاله: رجل له مال حلال وآخر حرام، فإن أتاك بشيء من ماله، والمفتي يقول لك: كلّ ما لم تتيقن أنه حرام جاز لك أكله، فلا ينبغي لك أن تأكل خوفا من أن تأكل حراما، فإن الفتوى غير التقوى».

     قال ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين»: «لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه، وحاك في صدره من قبوله، وتردد فيها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «استفت نفسك وإن أفتاك الناس وأفتوك»، فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولا، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله إذا كان يعلم أن الأمر في الباطن بخلاف ما أفتاه، كما لا ينفعه قضاء القاضي له بذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من نار»، والمفتي والقاضي في هذا سواء، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن، سواء تردد أو حاك في صدره؛ لعلمه بالحال في الباطن، أو لشكه فيه، أو لجهله به، أو لعلمه جهل المفتي، أو محاباته في فتواه، أو عدم تقيده بالكتاب والسنة، أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة، وغير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه وسكون النفس إليها، فإن كان عدم الثقة والطمأنينة لأجل المفتي يسأل ثانيا وثالثا حتى تحصل له الطمأنينة، فإن لم يجد فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والواجب تقوى الله حسب الاستطاعة».

- الرابع: القلب الذي يرجع إليه الإنسان هو القلب المستنير بالإيمان، المسترشد بالعلم، وليس القلب الجاهل ولا القلب المريض بالشبهات أو الشهوات، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في فوائد الحديث: «جواز الرجوع إلى القلب والنفس لكن بشرط أن يكون هذا الذي رجع إلى قلبه ونفسه ممن استقام دينه؛ فإن الله عز وجل يؤيد من علم الله منه صدق النية».

     وقال أيضا: «أي : حتى وإن أفتاك مفتٍ بأن هذا جائز، ولكن نفسك لم تطمئن ولم تنشرح إليه فدعه، فإن هذا من الخير والبر، إلا إذا علمت في نفسك مرضا من الوسواس والشك والتردد فلا تلتفت لهذا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما يخاطب الناس أو يتكلم على الوجه الذي ليس في قلب صاحبه مرض» انتهى.

     وقال أيضا: «وهذه الجملة إنما هي لمن كان قلبه صافياً سليماً، فهذا هو الذي يحوك في نفسه ما كان إثماً، ويكره أن يطلع عليه الناس. أما المُتَمَرِّدون الخارجون عن طاعة الله الذين قست قلوبهم فهؤلاء لا يبالون، بل ربما يتبجحون بفعل المنكر والإثم، فالكلام هنا ليس عاماً لكل أحد، بل هو خاص لمن كان قلبه سليماً طاهراً نقياً، فإنه إذا هَمَّ بإثم وإن لم يعلم أنه إثم من قبل الشرع تجده متردداً يكره أن يطلع الناس عليه، فهذا علامة على الإثم في قلب المؤمن».

     وقال رحمه الله: «لا يغتر الإنسان بإفتاء الناس، ولا سيما إذا وجد في نفسه ترددا، فإن كثيرا من الناس يستفتي عالما أو طالب علم فيفتيه ثم يتردد ويشك، فهل لهذا إذا تردد وشك أن يسأل عالما آخر؟ الجواب: نعم، بل يجب عليه أن يسأل عالما آخر إذا تردد في جواب الأول».

     وخلاصة الأمر أن الاستدلال بالأدلة الشرعية إنما يكون وفق منهج معين بينه علماء الشريعة، وليس عملا عشوائيا، يأخذ الإنسان ما وقف عليه من الأدلة ويحتج به ويعمل وفقه دون العلم بثبوته أو دلالته أو سلامته من المعارض الراجح، بل لا بد من سؤال أهل العلم والله الموفق.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك