الحكمة ضالة المؤمن (26)لا يكلف الله نفساً إلا وسعها
هذه الآية الكريمة دليل على سعة رحمة الله تعالى بعباده، وكريم فضله وإنعامه عليهم؛ إذ إن التكاليف الشرعية والمطلوبات الدينية موضوعة على حسب القدرة والطاقة، لا تخرج عن الوسع الإنساني والجهد البشري، وذلك لرحمة الله تعالى بعباده، وعلمه بضعفهم وعجزهم، ومن هنا ندرك أن مقصود الشارع الحكيم هو التيسير على المكلفين، وأن ما تشتمل عليه التكاليف الشرعية من مشقة ليس المقصود منها المشقة ذاتها، وإنما المقصود المصالح المترتبة على تلك التكاليف، كمثل الطبيب الماهر يلزم المريض بتناول الدواء المر لا يقصد بذلك إيلامه وإنما يقصد سلامته من المرض.
قال ابن كثير:«قَوْله: {لا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا} أَي:لا يُكَلَّف أَحَد فَوْق طَاقَته، وَهَذَا مِنْ لُطْفه تَعَالَى بِخَلْقِهِ وَرَأْفَته بِهِمْ وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ، وَهَذِهِ هِيَ النَّاسِخَة الرَّافِعَة لِمَا كَانَ أَشْفَقَ مِنْهُ الصَّحَابَة فِي قَوْله: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ اللَّه} أَيْ: هُوَ وَإِنْ حَاسَبَ وَسَأَلَ لَكِنْ لَا يُعَذِّب إِلَّا بِمَا يَمْلِك الشَّخْص دَفْعه، فَأَمَّا مَا لَا يَمْلِك دَفْعه مِنْ وَسْوَسَة النَّفْس وَحَدِيثهَا فَهَذَا لَا يُكَلَّف بِهِ الْإِنْسَان »اهـ.
قال الطبري:» يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {لا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا} فَيَتَعَبَّدهَا إلا بِمَا يَسَعهَا , فَلَا يُضَيِّق عَلَيْهَا , وَلَا يُجْهِدهَا، عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله: {لا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إلَّا وُسْعهَا} قَالَ: هُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَسِعَ اللَّه عَلَيْهِمْ أَمْر دِينهمْ , فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج}، وَقَالَ: {يُرِيد اللَّه بِكُمْ الْيُسْر وَلَا يُرِيد بِكُمْ الْعُسْر}، وَقَالَ: {اتَّقُوا اللَّه مَا اسْتَطَعْتُمْ}»اهـ.
قال ابن سعدي: «لما نزل قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} شق ذلك على المسلمين لما توهموا أن ما يقع في القلب من الأمور اللازمة والعارضة المستقرة وغيرها مؤاخذون به، فأخبرهم بهذه الآية أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها، أي: أمرا تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق عليها، كما قال تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، فأصل الأوامر والنواهي أنها ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمة وإحسانا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف، أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهم»اهـ.
من المعلوم أن التكليف: هو إلزام مقتضى خطاب الشرع، وشرطه العلم والقدرة، قال شيخ الإسلام: «من استقرأ ما جاء به الكتاب والسنة تبين له أن التكليف مشروط بالقدرة على العلم والعمل؛ فمن كان عاجزا عن أحدهما سقط عنه ما يعجزه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها»، فلابد من أمرين ليتحقق التكليف: الأول: التمكن من العلم، والثاني: القدرة على العمل.
ومن الأدلة على الأمر الأول: قوله عز وجل: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}، وقال عز وجل: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل}، قال شيخ الإسلام: بين سبحانه أنه لا يعاقب أحداً حتى يبلغه ما جاء به الرسول، ومن علم أن محمدا رسول الله فآمن بذلك ولم يعلم كثيرا مما جاء به الرسول، لم يعذبه الله على ما لم يبلغه، فإنه إذا لم يعذبه على ترك الإيمان بعد البلوغ فأنه لا يعذبه على بعض شرائطه إلا بعد البلوغ أولى وأحرى. وقال: فمن لم يبلغه أمر الرسول في شيء معين لم يثبت حكم وجوبه عليه.
ومن الأدلة على الأمر الثاني: قوله عز وجل: {فاتقوا الله ما استطعتم}، وقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، وقال عز وجل: {لا نكلف نفسا إلا وسعها}، قال شيخ الإسلام: «تضمن ذلك أن جميع ما كلفهم به أمرا ونهيا فهم مطيقون له قادرون عليه وأنه لم يكلفهم ما لا يطيقون، وتأمل قوله {إلا وسعها} كيف تجد تحته أنهم في سعة ومنحة من تكاليفه، لا في ضيق ولا حرج ومشقة؛ فإن الوسع يقتضي ذلك، فاقتضت الآية أن ما كلفهم به مقدور لهم من غير عسر عليهم ولا ضيق ولا حرج».
فالذي يظهر لنا أن المشقة التي اشتملت عليها التكاليف الشرعية مشقة معتادة محتملة، كتلك التي يحتملها الناس عند القيام بمصالحهم الحياتية كالدراسة والعمل ونحوهما من مشاق مألوفة معتادة، فمشقة التكاليف الدينية ليست مشقة خارجة عن قدرتهم، ولا هي مشقة عظيمة ترهقهم وتثقل عليهم، فالشارع الحكيم يريد التخفيف عن العباد ورحمتهم والرفق بهم، فمشقة التكاليف معتادة محتملة.
ومن هنا نقرر أنه ليس للمكلف أن يقصد إلى المشقة من حيث هي مشقة يريد أن يرهق نفسه يظن أن الأجر على قدر المشقة لأنه بذلك يخالف مقصود الشارع من تشريع الأحكام التكليفية، ولم يفرق بين المشقة العارضة والمشقة المقصودة، فالمشقة من حيث هي مشقة ليست مقصودة، وإنما إذا عرضت المشقة له أثناء امتثاله فصبر عليها فهنا يقال: الأجر على قدر المشقة، كمن صام رمضان في الصيف الحار، أو توضأ بالماء البارد الذي لا يجد ما يسخنه به، فهنا المشقة عارضة وليست لازمة، بدليل أن رمضان قد يأتي بالشتاء، وماء الوضوء يمكن أن يسخن لدفع برده.
ولهذا كان النبي[ يمنع أصحابه من قصد المشقة لذاتها لأن ذلك ليس مقصودا للشارع، فقد قال [: «عليكم من الأعمال ما تطيقون» فإن الله لا يمل حتى تملوا»، وحين قالت له عائشة رضي الله عنها: هذه الحولاء بنت تويت زعموا أنها لا تنام الليل، فقال [: «لا تنام الليل ! خذوا من الأعمال ما تطيقون، فوالله لا يسأم الله حتى تسأموا»، وفي حديث أنس قال: دخل رسول الله [ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: ما هذا؟ قالوا: حبل لزينب، تصلي فإذا كسلت أو فترت أمسكت به فقال: «حلوه! ليصلّ أحدكم نشاطه, فإذا كسل أو فتر قعد»، وعن ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبيُّ [ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: «أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَلا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ: «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ».
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنها سأل النبي [ عن أخت له نذرت أن تحج ماشية غير مختمرة، فقال: «مروها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام» وفي رواية: «إن الله غني عن مشي أختك؛ فلتركب ولتهد بدنة»، وفي رواية أخرى:«إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا، لتحج راكبة ثم لتكفر يمينها».
وعَنْ أَنَسٍ أن النَّبِيِّ [ رأى شيخا يهادى بين ابنيه فقال: «ما بال هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي»، قَالَ:» إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ » وأمره أن يركب.
فالخلاصة أن رحمة الله تعالى واسعة تجلت في خلقه وشرعه، فعلى المكلف أن يدرك هذه الرحمة، ويشكر ربه عليها، ويعمل بها وفق المقاصد الشرعية، دون إفراط ولا تفريط، ولا مخالفة لمقاصد الشارع ولا أحكامه، وبالله التوفيق.
لاتوجد تعليقات