رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د.وليد خالد الربيع 25 أبريل، 2011 0 تعليق

الحكمة ضالة المؤمن (19) من يزرع الأكاذيب يحصد الأشواك


يتهاون بعض الناس ـ للأسف ـ في أمر الكذب، ويقسمونه إلى كبير وصغير، وأبيض وأسود، ونافع وضار، وغير ذلك من تقسيمات تقلل من خطره، وتصغر من عظيم ضرره؛ مما يشجع بعض الناس على اختلاق الكذب، وافتراء الشائعات، وتلفيق الحكايات، وتزوير الحقائق، وتمويه الوقائع، والطامة الكبرى أن يتعود على الكذب الأطفال، وينشأ عليه الصغار، فلا يكترثون بالزور ولا البهتان، ويألفون الأكاذيب والتلفيق، ويستعملونه في الجد والهزل، ويروجونه في المزاح والمرح، وربما جعل الناس للكذب يوما يعتادونه كل سنة يتبادلون الأكاذيب كما يتبادلون الهدايا، غير مبالين بالأحكام الإلهية ، ولا التوجيهات النبوية التي حذرت من الكذب أشد التحذير، وبينت ما فيه من الأضرار والشرر المستطير، قال الإمام أحمد: «الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل»، وقال الذهبي: «يطبع المسلم على الخصال كلها إلا الخيانة والكذب».

       وقد جاءت النصوص الشرعية تأمر بالصدق وملازمة الصادقين ، وتنهى عن الكذب وتحذر من خصال الكاذبين، ومن ذلك قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، قال الشيخ ابن سعدي: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق، وأعمالهم؛ وأحوالهم لا تكون إلا صدقا خالية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة، مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة.»اهـ.

       قال[: «آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» متفق عليه، وقال[: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» متفق عليه.

وقال[: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» أبو داود وحسنه الألباني.

       وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله[: «إن الصدق بر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن العبد ليتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإن الكذب فجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن العبد ليتحرى الكذب حتى يكتب كذابا» متفق عليه.

       قال النووي: «قال العلماء: هذا فيه حث على تحري الصدق، وهو قصده والاعتناء به، وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه؛ فإنه إذا تساهل فيه كثر منه فعرف به وكتبه الله لمبالغته صديقا إن اعتاده، أو كذابا إن اعتاده، ومعنى» يكتب «هنا: يحكم له بذلك، ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم، أو صفة الكاذبين وعقابهم» اهـ.

       ومن آثار الكذب في الآخرة سواد الوجه؛ قال تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة}، قال ابن القيم: «ولهذا يجعل الله سبحانه شعار الكاذب عليه يوم القيامة وشعار الكاذب على رسوله سواد وجهه، والكذب له تأثير عظيم في سواد الوجه، ويكسوه برقعا من المقت يراه كل صادق، فسيما الكاذب في وجهه تنادي عليه لمن له عينان، والصادق يرزقه الله مهابة وجلالة، فمن رآه هابه وأحبه، والكاذب يرزقه إهانة ومقتا، فمن رآه مقته واحتقره» اهـ.

        ومن آثار الكذب محق البركة؛ قال [: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» متفق عليه، قال النووي: «أي: بيّن كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن وصدق في ذلك، ومعنى»محقت بركة بيعهما» أي: ذهبت بركته وهي: زيادته ونماؤه» اهـ.

      وقد كان الصحابة الكرام يعظمون من شأن الصدق وأهله، ويحذرون من الكذب وآثاره، قال عمر رضي الله عنه: «لأن يضعني الصدق - وقلما يضع - أحب إلي من أن يرفعني الكذب، وقلما يفعل». وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «أعظم الخطايا الكذب، ومن يعف يعف الله عنه»، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «مَا كَانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله [ مِنَ الْكَذِبِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ [ الْكَذِبَةَ، فَمَا يَزَالُ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ مِنْهَا تَوْبَةً» رواه أحمد.

        وبالتأمل في حقيقة الصدق والكذب ومآل كل منهما يجد الناظر ما يقتضي لزوم الصدق وهجر الكذب، يوضح ذلك أبو حاتم البستي بقوله: «إن الله عز وجل فضّـل اللسان على سائر الجوارح، ورفع درجته، وأبان فضيلته، بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده، فلا يجب على العاقل أن يعوّد آلة خلقها الله للنطق بتوحيده بالكذب، بل يجب عليه المداومة برعايته بلزوم الصدق، وما يعود عليه نفعه في داريه؛ لأن اللسان يقتضي ما عوّد: إن صدقا فصدقا ، وإن كذبا فكذبا» اهـ.

       وقال أيضا: «الصدق يرفع المرء في الدارين، كما أن الكذب يهوي به في الحالين، ولو لم يكن للصدق خصلة تحمد إلا أن المرء إذا عرف به قُبل كذبه وصار صادقا عند من يسمعه، لكان الواجب على العاقل أن يبلغ مجهوده في رياضة لسانه حتى يستقيم له على الصدق ومجانبة الكذب، والعيّ في بعض الأوقات خير من النطق، لأن كل كلام أخطأ صاحبه موضعه فالعيّ خير منه.

        ولو لم يكن للكذب من الشين إلا إنزاله صاحبه بحيث إن صدق لم يصدّق، لكان الواجب على الخلق كافة لزوم التثبت بالصدق الدائم، وإن من آفة الكذب أن يكون صاحبه نسيا، فإذا كان كذلك كان كالمنادي على نفسه بالخزي في كل لحظة وطرفة» اهـ.

        والكذب قد يكون في مجالات عديدة منها الكذب على الله تعالى، والكذب على رسوله [، والكذب على الناس باختلاق الأقاويل، ومنها القذف واتهام الأعراض زورا وبهتانا، ومنها شهادة الزور، واليمين الغموس، وغيرها من أبواب يدخل فيها الكذب فيجلب معه الآفات والشرور والمصائب العقدية والأخلاقية والاجتماعية وغيرها؛ ولهذا قرن الكذب بالفجور لأن الفجور انحراف عن الحق وإقبال عل القبائح والآثام، والكذب بلا شك مفتاح لكل تلك الأبواب المحرمة، فهو بحق وسيلة لهدم المجتمعات البشرية، وتحطيم علاقتها الإنسانية؛ فمن يزرع الأكاذيب يحصد الأشواك والآلام في الدنيا والآخرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك