الحقُّ غنيٌ بنفسه مستغنٍ عن غيره
- وعد الله -عز وجل- بأن يبقى في هذه الأمة من يحمل الحق إلى يوم القيامة؛ كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ»، فوعْد الله -عزوجل- قائم ومتحقق لا محالة.
- وهذا اليقين وهذه العقيدة الراسخة بانتصار الحق، أساسها اليقين بأن هذا الدين هو الحق وأن ما عداه باطل كما قال -تعالى-: {فماذا بعد الحق الا الضلال}، وقال -تعالى-: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}، فما حاجة الحق إلى تسوُّل الأفكار والثقافات والقيم والمبادىء من الباطل؟ فمن أهم صفات الحق أنه غني بنفسه مستغنٍ عن غيره كما قال -تعالى-: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}. (الأنعام/106).
- والذي جعل الحق غنيٌ بنفسه مستغنٍ عن غيره أنه (إلهي المصدر)، فمن أراد البحث عن الحق، فلا يمكن أن يبحث عنه في نظريات الغربيين والشرقيين مثلاً، ولا في معامل الأبحاث والمختبرات، ولا يمكن أن يبحث عنه في آراء الناس، ولا يمكن أن يكون الحق في وسائل الإعلام، أو أن يُبحث عن الحق في المصادر البشرية مثلا، إنما يبحث عنه في الشريعة الربانية التي أنزلها الله -تعالى- على خير خلقه محمد - صلى الله عليه وسلم -، بمفهومه الشامل الكامل، الحق في العقيدة، والحق في العبادة، والحق في المعاملة.
- كذلك مما جعل الحق غنيًا في نفسه أنه يتسم بالثبات، وعدم الاضطراب، فلا تجد زعزعةً في الحق، ولا تجد فيه خللاً، وليس فيه اضطراب، فالحق مطرِّد وثابت، لا يتلون، ولا يتغير، ولا يتبدل، ولذلك تجد من علامات الباطل، أنه يتلون ويتغير والله -عزوجل- يجري أقداراً في الواقع ليبين للناس الحق.
- ومما جعل الحق مستغنيًا بنفسه أيضًا أنه يتصف بالقوة، قال -تعالى-: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء: 18)، يدمغه: يهلكه، يقال: دمغ الرجل الرجل، شجه شجة بلغت الدماغ، فإذا هو زاهق: هالك، زائل، مضمحل، وأهل الحق بالقوة الذي معهم يثبتون: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} (إبراهيم : 27)، {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً} (البقرة : 249)، لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله (رواه مسلم: 412)، لماذا لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم؟ لماذا ظاهرين؟ لقوة الحق الذي معهم.
- كذلك الحق يتميز بالوضوح، وخلوه من التضارب والاضطراب، قال الله -تعالى-: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} (النمل: 79)، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (رواه ابن ماجه: 43، وصححه الألباني في صحيح الجامع: 4369) ليلها كنهارها سواء.
- وأخيرًا فالحق سهل الفهم، فلو قارنت بين التوحيد، وبين علم الكلام والفلسفة، تجد علم الكلام والفلسفة عسير، مسلكه وعر، بخلاف التوحيد سهل الفهم، قال -تعالى-: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه} (الأعراف: 59)؛ فالحق يبني على الدليل والبرهان، لا على الظن والتخمين، أما الباطل فهو خرافات، وأهواء، وتقليد أعمى، وتخمين، {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (يونس: 36)، {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين} (البقرة: 111)، {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53).
لاتوجد تعليقات